خريطة طريق جديدة للتمور العربية لاختراق الأسواق العالمية

يشهد قطاع التمور في الآونة الأخيرة تحولاً هيكلياً عميقاً، فلم يعد الهدف مقتصراً على تصدير التمور كفاكهة تقليدية ترتبط بمواسم أو ثقافات معينة، وفي عالم يتجه فيه المستهلك بسرعة نحو التغذية الصحية والمنتجات النظيفة (Clean-Label) بل سيمتلك التمر بطاقة تعريفية غذائية استثنائية.
ويتجه المنتجون إلى خطاب ترويجي مستحدث يرتكز على التعريف بالتمر كقيمة غذائية عالية بهدف التسويق والحصول على القيمة المضافة.
ويقع التركيز على التمور كبديل طبيعي ومستدام للسكر المكرر استجابة لتوجهات مكافحة السمنة والسكري، والطلب المتزايد على المحليات الطبيعية في الصناعات الغذائية التحويلية.
يعد التمر وجبة خفيفة كثيفة المغذيات، إذ يُروَّج لمحتواه الغني بالألياف ومضادات الأكسدة، والبوتاسيوم والحديد، مما يجعله الخيار الأمثل للرياضيين والباحثين عن طاقة سريعة ومستدامة، ويقود هذه الاستراتيجية الجديدة المجلس الدولي للتمور.
وبعدما ارتبط استهلاك التمر دولياً بمواسم معينة مثل شهر رمضان وأعياد الميلاد، تسعى الاستراتيجية الجديدة للمجلس لكسر هذا النمط الموسمي عبر قيادة حملة تسويق غير تقليدية تركز على القيمة الغذائية والمنافع الصحية والتأسيس لتقاليد غذائية جديدة لدى الأسر في العالم.
ويتجه المجلس الدولي للتمور نحو إعادة تموضع التمور كـ”غذاء وظيفي فائق القيمة” في الأسواق العالمية ذات القيمة العالية مثل السوق الأوروبية والأميركية والآسيوية. هذا التحول برز جلياً في ورشات العمل الدولية الرائدة التي ينظمها المجلس، مثل تلك التي انعقدت في تونس من الـ30 من سبتمبر (أيلول) الماضي إلى مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الجاري تحت عنوان “التسويق والترويج العالمي للتمور”، إذ جرى صياغة مقاربات استباقية تستند إلى المزايا الغذائية للمنتج لفتح قنوات توزيع وشبكات استيراد جديدة.
القيمة الغذائية هي السلاح التسويقي الأقوى
وتستهدف أسواق غير تقليدية مثل أميركا الشمالية وأوروبا التي يسجل فيها التمر وبخاصة صنف المجدول المشهور بالسعودية ومصر والإمارات ودقلة النور التونسية نمواً، مدفوعاً بثقافة اللمجة الصحية.
وعلقت المديرة العامة للاستراتيجيات وتطوير الأعمال بالمجلس الدولي للتمور إيمان الفريدي في تصريحها لـ”اندبندنت عربية” قائلة، إن “الاستراتيجية تتمحور حول مجابهة تحديات بناء القيمة السوقية وتعزيز التموضع التنافسي للتمور في الخريطة العالمية، مع التركيز على الارتقاء بوعي المستهلك الدولي تجاه القيمة الغذائية الفائقة لهذا المنتج الاستراتيجي لدينا”.
أضافت “نعمل اليوم على تحول نوعي في آليات اختراق الأسواق عبر قنوات تصديرية مبتكرة تقودها دول الإنتاج، وهي السعودية وتونس والإمارات ومصر والأردن، إذ نجحت السعودية ومصر في ترسيخ حضورها بالأسواق الأميركية والأوروبية، وتوسعت تونس بقوة في العمق الأوروبي، بينما نتجه في المرحلة المقبلة نحو تطوير سلاسل الإمداد واستهداف أسواق واعدة جديدة في آسيا، وروسيا، وأميركا”، وأشارت إلى أن تعميم هذه النماذج التسويقية المستحدثة وتبادل الرؤى التنافسية بين المنتجين هو السبيل الأمثل لتعظيم العائد الاستثماري للقطاع، ونظراً إلى أن الدول الأعضاء بمجلس التمور تستحوذ على 60 من الإنتاج العالمي للتمور، فإننا نمضي بخطوات متسارعة لاستقطاب بقية المنتجين، بهدف توحيد الجهود التصديرية وصناعة هوية تسويقية عالمية موحدة ومستدامة للتمر.
وكشف المتخصص في التسويق والعلاقات الدولية أيمن الدغيدي عن أن التمور تصنف من قبل منظمة الأغذية والزراعة كـفاكهة عالية القيمة الغذائية، تتفوق في تصنيفها وميزاتها على فاكهة شهيرة مثل الأفوكادو والكيوي، وأشار إلى أن هذا المنتج الاستراتيجي يواجه تحديات تسويقية كبرى في الأسواق العالمية بسبب تفتيت الجهود وغياب هوية موحدة تخاطب المستهلك الدولي، إذ تروج كل دولة لأصنافها بصورة فردية وتنافسية غير فعالة.
استغلال التحول العالمي نحو السكريات الطبيعية
وأوضح الدغيدي أن هناك فرصة ذهبية غير مسبوقة لمنتجي التمور في الوقت الراهن، نظراً إلى التحول الثقافي والغذائي في أوروبا والغرب نحو المكونات الطبيعية والابتعاد من السكروز (السكر المصنع) المرفوض عالمياً، إذ بدأ التمر في اقتحام قطاع صناعة الأغذية الخفيفة (السناكس) الخاصة بالرياضيين كمصدر طبيعي للطاقة، إضافة إلى استخدامه في المخبوزات.
ودعا إلى توحيد الجهود لترويج مشتقات التمر وصناعاته التحويلية عبر تقديمها لصناعة الأغذية العالمية كمحليات طبيعية ترفع من القيمة المضافة للمنتجات الأخرى، مثل سكر التمر ومربى وشراب التمر كمحليات بديلة وصحية. ومربى التمر في المخبوزات لرفع مستوى الألياف وتقليل عسر الهضم. وإدراج مشتقات التمر في صناعة الألبان، والعصائر، والمثلجات.
كسر حاجز الاستهلاك الموسمي
وانتقد الدغيدي ضعف التنسيق بين الدول العربية المنتجة، مشيراً إلى أنها لا تعمل بمجهود موحد وتغلب عليها العقلية التنافسية الفردية، وأوضح أن الصادرات العربية تركز حالياً على الأسواق الإسلامية في آسيا بصورة موسمية مرتبطة بشهر رمضان، أو في مواسم “الكريسماس” بأوروبا، من دون وجود حملات ترويجية مستدامة خارج هذه المواسم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكشف المتخصص عن أن متوسط استهلاك الفرد العالمي من التمور يبلغ 300 غرام فحسب سنوياً، وهو رقم واهن جداً لا يعكس القيمة الحقيقية للفاكهة، على رغم بدء نمو الوعي بها في أوروبا نتيجة موجات الهجرة، واستشهد بتجربة ولاية كاليفورنيا الأميركية التي نظمت مهرجاناً خاصاً لمشروبات “الميلك شيك” القائمة على التمر كنموذج للترويج المبتكر خارج الصندوق التقليدي. على رغم تواضع كميات الإنتاج هناك.
استثناءات ومبادرة “المجلس الدولي للتمور”
وفيما استثنى الدغيدي دولاً مثل السعودية وتونس ومصر والإمارات، ووصفها بأنها تمتلك حضوراً قوياً في أسواقها الدولية، نبه إلى أن بقية الدول تفتقر إلى القدرة على الدخول بقوة واستدامة إلى الأسواق العالمية.
وعن الرؤية المستقبلية للمجلس قال “نحن في المجلس الدولي للتمور نسعى إلى صياغة اتفاق لحلم جميل وقابل للتحقيق وهو أن تخصص كل دولة جزءاً بسيطاً لا يتعدى 25 في المئة من موازنتها الترويجية لدعم حملة تسويقية موحدة تحت مظلة المجلس، مشيراً إلى أن الهدف هو تعزيز التعاون المشترك وتسهيل النفاذ إلى الأسواق الدولية عبر دعاية عالمية موحدة تخرج التمر من عباءة “الموسمية” ليكون عادة غذائية يومية للمستهلك الغربي”، معتبراً أن هذا التحدي ليس مستحيلاً إذا توفرت الإرادة الجماعية لنحول التمر إلى “تريند” غذائي ولم لا يتطور العمل المشترك إلى تأسيس بورصة التمور تراقب أسعاره وتطور السوق، وهو جدير بذلك بحكم قابلية السوق للنمو.
ولا يمكن للاستراتيجيات التسويقية القائمة على الفوائد الصحية أن تنجح من دون تلبية متطلبات الأسواق الصارمة.
في هذا الصدد، يعمل المجلس الدولي للتمور على مسارات محورية، مثل الامتثال لـ”الترميز الغذائي”، إذ إن انضمام المجلس إلى هذا البرنامج الأممي المشترك بين منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة يتيح له المساهمة في صياغة المعايير الدولية للتمور، مثل البصمة الكربونية ومقاييس صحية مختلفة، مما يضمن جودة المنتج وسلامته، ويعزز من تنافسيته الطبية والتجارية.
وأشار وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري في تونس عز الدين بن الشيخ إلى هذه التحديات الجديدة وضرورة مواكبة التحولات التي تشهدها الأسواق العالمية، من خلال التوسع في التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية وتطوير العلامات التجارية، والالتزام بأعلى معايير الجودة والسلامة الغذائية.
وأشارت صاحبة السمو الملكي الأميرة سارة بنت بدر بن عبدالعزيز آل سعود المديرة التنفيذية للمجلس الدولي للتمور إلى أهمية الالتزام بمعايير الجودة والسلامة الغذائية، إضافة إلى ضرورة بناء هوية تجارية قوية وشفافة للتمر لزيادة القدرة التنافسية، ودعت لفتح آفاق جديدة نحو أسواق ذات قيمة مضافة عالية.
يشار إلى أن السعودية هي أول مصدر للتمور في العالم بقيمة تصدير تتجاوز 452 مليون دولار، تليها تونس بـ307 ملايين دولار مستفيدة من جودة دقلة النور المشهورة بأوروبا، ثم مصر التي تسجل عائدات تقارب105 ملايين دولار على رغم تصدرها الإنتاج العالمي بـ1.9 مليون طن سنوياً نظراً إلى ضخامة الاستهلاك المحلي.



