هل ينقلب ستارمر على موقفه بشأن نفط وغاز بحر الشمال؟

في الوقت الحاضر، نتابع يومياً أخبار الشرق الأوسط ونفكر بقلق في فواتير الطاقة الخاصة بنا. هل ارتفع سعر النفط أم انخفض؟ هل يصل الغاز الطبيعي المسال؟ هل مضيق هرمز مفتوح أم مغلق؟
لا ينبغي أن تكون هذه حالنا. أو في الأقل، ينبغي ألا نقلق إلى هذه الدرجة. ذلك أن في متناولنا إمدادات من النفط والغاز في بحر الشمال. هي إمدادات يصفها غريغ جاكسون، رئيس شركة “أوكتوبوس للطاقة”، بأنها “ثمار في متناول اليد”. لكنه يقول إنها ممنوعة علينا بفعل مزيج من “الأيديولوجيا، والتمنيات، والحنين، والحروب الثقافية”.
ليس جاكسون من المتحمسين للوقود الأحفوري. على العكس تماماً. هو يدعو إلى زيادة استخدام الطاقة النووية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، وتقليل الهدر، واعتماد مضخات حرارية أكثر كفاءة، وإصلاح شبكة الكهرباء لتكون أكثر استقراراً وكفاءة وأقل تأثراً بتقلبات الطلب بين حدود قصوى وحدود دنيا، وتعزيز تخزين الطاقة بالبطاريات، وعدم الانشغال المفرط بتكنولوجيات مكلفة مثل احتجاز الكربون وإنتاج الهيدروجين، إلى جانب الاعتراف بما نملكه في بحر الشمال والاستفادة منه. ويقول: “ينبغي أن نستخدم ما هو متاح في بحر الشمال. لا معنى لشحن الغاز من الجانب الآخر من العالم بينما هو متوافر لدينا بالقرب منا”.
ويضيف جاكسون أن الوقت الراهن هو “الوقت المناسب للتعامل مع الوضع بعقلية جيمس بوند، أي أخذ التهديد ذي الصلة على محمل الجد، والتخطيط بهدوء ودقة لخياراتنا. ذلك أن الأزمات تمثل فرصة لتحفيز التفكير في المسائل الأساسية”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لن يكون ستارمر جيمس بوند مهما بذل من جهد في سبيل ذلك. أما إد ميليباند، وزير الطاقة، فقد يتخيل نفسه “العميل 007″، لكنه على الأرجح لن يصمد طويلاً في هذا الدور – برفضه الاستخراج من بحر الشمال، يغلق مخرجاً آمناً ومضموناً، في خطوة يؤكد جاكسون أن جيمس الجريء لم يكن ليقدم عليها.
جاكسون، الذي نجح خلال 10 أعوام في تحويل “أوكتوبوس” من مصدر توريد منافس إلى قوة عالمية، تحقق إيرادات سنوية تصل إلى 16 مليار جنيه استرليني (نحو 21 مليار دولار)، وتوظف 11 ألف شخص في 27 بلداً تتوزع بين ست قارات، وتخدم 11 مليون عميل حول العالم، منهم 8 ملايين عميل في المملكة المتحدة، يواجه تجاهلاً. هو أيضاً عضو في مجلس مكتب مجلس الوزراء. ومع ذلك، لا تُولى قيمة إلى رأيه.
تفيد العقيدة السياسية بهذا الشأن بأننا لا نستطيع استغلال هذه الموارد. أو بالأحرى، إد ميليباند قد قرر أننا يجب ألا نستغلها. يصر ميليباند على ضرورة التركيز على الأجل البعيد وعلى الطاقة المتجددة، ومن ثم وجوب نسيان بحر الشمال.
النتيجة هي بلاد تفتقر إلى دفاع أمام صدمات الطاقة، تنتظر حتى يدخل الخدمة العدد الكافي من توربينات الرياح والألواح الشمسية ومحطات الطاقة النووية. لا أحد يقول إن استغلال الوقود الأحفوري قبالة سواحلنا سيحل المشكلة فوراً. لن يحصل ذلك بالتأكيد.
يقول وزير الخزانة في حكومة الظل، ميل سترايد، إن “أكبر مأساة” تتمثل في أننا نمتلك في حقلي “جاكدو” “وروزبنك” موارد جاهزة “للإنتاج”، وإنهما “خلال أشهر فقط يمكن أن يضخا ما يشكل إغاثة حيوية لملايين الناس”. لكن ذلك يعتمد على تحديد كلمة “أشهر”. يقول الرئيس التنفيذي لـ”الطاقة البحرية في المملكة المتحدة”، وهي هيئة قطاعية، ديفيد وايتهاوس: “يمكن الانتقال من إقرار المشاريع إلى استخراج أول دفعة من الغاز خلال ما بين عام وعامين”.
إذاً، ليس الإنتاج فورياً. لكن فلننظر إلى المسألة من زاوية أخرى: نتجت آخر صدمة في مجال الطاقة عن حرب أوكرانيا، عندما غزت روسيا هذه البلاد قبل أربعة أعوام. لو كنا آنذاك قد اعتمدنا خيار بحر الشمال، لكنا اليوم في وضع أفضل بكثير في مواجهة الصدمة التالية، التي تسببت بها حرب إيران. قد ينتهي هذا النزاع الحالي قريباً، لكن من شبه المؤكد أن نزاعاً آخر سيقع، وسنجد أنفسنا مرة أخرى في وضع صعب.
ويبدو أن الموقف نفسه ينسحب أيضاً على رئيسة اتحاد الطاقة المتجددة في بريطانيا. تقول الرئيسة التنفيذية لـ”الطاقات المتجددة في المملكة المتحدة”، تارا سينغ، إن أزمة إيران تُظهر أن بريطانيا ستكون “أقوى وأكثر أماناً وأقل تعرضاً إلى الأخطار إذا أنتجت مزيداً من الطاقة المحلية من الأنواع كلها”. وترى أن “من المنطقي تماماً دعم استمرار إنتاج النفط والغاز محلياً في بحر الشمال”.
لا تناصر سينغ شعار ترمب “احفروا بلا توقف” على حساب كل شيء آخر. هي تشير إلى أن بحر الشمال مستنزف، “وليس مورداً وطنياً لا ينضب”. لكنها تقول: “إذا لم ننتج هذا الغاز هنا، لن نتوقف عن الحاجة إليه، بل سنعمد ببساطة إلى استيراد مزيد منه”.
حتى نقابة “يونايت” [أكبر نقابة عمالية في بريطانيا وإيرلندا] تتفق مع هذا الطرح. فهي تدعو الحكومة إلى “عدم إفلات طوق نجاة قبل الإمساك بآخر”، وإلى زيادة إنتاج بحر الشمال في صورة عاجلة.
وكما هي الحال دائماً، يجد ستارمر نفسه عالقاً بين خيارين صعبين من صنعه، إذ يسعى إلى إرضاء الجناح اليساري الذي يمثله ميليباند (ويخشى بلا شك من الصعود الانتخابي لحزب الخضر بقيادة زاك بولانسكي). ليس التردد أمام الأزمات أمراً جديداً عليه، هو معتاد على التراجع السريع. ويبدو أن المؤشرات تشي بتراجع كبير جديد، هذه المرة في شأن سياسة الطاقة البريطانية، ولا سيما ما يتعلق منها بموارد بحر الشمال تحديداً.



