الحرب تعيد التضخم إلى الواجهة وتربك خطط خفض الفائدة

كان من المفترض أن يكون هذا العام هو العام الذي تدخل فيه أسعار الفائدة مرحلة التوازن، أو ما يعرف بمرحلة “غولديلوكس”، إذ لا تكون السياسات النقدية محفزة للاقتصاد العالمي، ولا مقيدة له في الوقت نفسه.
قال محافظ بنك إنجلترا (البنك المركزي) أندرو بيلي الشهر الماضي إن تراجع التضخم في المملكة المتحدة خلال الربيع “أمر محسوم”.
لكن الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران واحتمال اندلاع صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط يهددان بإخراج هذه التوقعات الإيجابية عن مسارها.
وخلال أيام قليلة فحسب سجلت أسعار النفط أكبر ارتفاع لها منذ عام 2020، بينما قفزت كلفة الغاز بصورة حادة، وأدى النقص في الأسمدة، نتيجة التوقف شبه الكامل للحركة في مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان، إلى تحذيرات من موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء.
وبذلك عاد التضخم الذي كانت البنوك المركزية تعتقد أنها تمكنت أخيراً من السيطرة عليه إلى واجهة المشهد من جديد، في وقت كانت فيه تستعد لخفض أسعار الفائدة إلى ما يعرف “المستوى المحايد”.
وجاءت هذه الاضطرابات في الأسواق المالية بعدما أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن ضربات أدت إلى مقتل علي خامنئي، الزعيم الإيراني الأعلى السابق، مما دفع المستثمرين إلى تقليص توقعاتهم في شأن خفض أسعار الفائدة بصورة كبيرة.
وخلال الأسبوع الماضي فحسب كان المستثمرون يتوقعون بنسبة تقارب 90 في المئة أن يخفض بنك إنجلترا سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية ليصل إلى 3.5 في المئة في اجتماعه المقبل في الـ19 من مارس (آذار) الجاري، لكن هذه التوقعات تراجعت الآن إلى نحو 20 في المئة فقط.
ارتفاع عوائد السندات الحكومية حول العالم
ارتفعت عوائد السندات الحكومية حول العالم بصورة حادة مع تزايد التوقعات بأن البنوك المركزية لن تقدم على خفض أسعار الفائدة في الوقت القريب، إذ ارتفع العائد على السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات بنحو نصف نقطة مئوية خلال أسبوع واحد ليصل إلى 4.71 في المئة، وهو أكبر ارتفاع بين الاقتصادات المتقدمة.
وفي الولايات المتحدة ارتفع العائد على السندات المماثلة بنحو 0.20 نقطة مئوية ليصل إلى 4.17 في المئة، بينما ارتفع العائد على السندات الألمانية بالنسبة نفسها تقريباً ليصل إلى 2.87 في المئة، وذهب بعض الخبراء إلى أبعد من ذلك، مشيرين إلى أن احتمال رفع أسعار الفائدة قد يعود إلى الواجهة مجدداً.
وقال المستشار البارز في مؤسسة “أكسفورد إيكونوميكس” وعضو لجنة السياسة النقدية السابق في بنك إنجلترا مايكل ساندرز لصحيفة “التايمز”، إنه إذا تبين أن صدمة أسعار الطاقة ستستمر لفترة أطول مع اضطرابات كبيرة في طرق الشحن العالمية، فلن يكون من المستبعد أن يشدد البنك المركزي الأوروبي سياسته النقدية ورفع الفائدة بما يراوح ما بين ربع ونصف نقطة مئوية خلال هذا العام.
تراجعت التوقعات بأن يخفف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سياسته النقدية خلال النصف الأول من العام، وهو ما أثار استياء الرئيس دونالد ترمب الذي دعا إلى خفض أسعار الفائدة إلى 1 في المئة مقارنة بالمستوى الحالي الذي يراوح ما بين 3.5 و3.75 في المئة.
وقد يمهد ذلك الطريق لمواجهة مبكرة بين ترمب والمرشح الذي اختاره ليحل محل جيروم باول في رئاسة “الاحتياط الفيدرالي”، كيفن وورش.
وأشارت مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس” إلى أنه من غير المرجح أن يتمكن وورش من الحصول على دعم كافٍ داخل لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لخفض الفائدة في اجتماعه الأول المحتمل في يونيو (حزيران) المقبل.
فقدان السيطرة على توقعات التضخم
عادةً ما يكون لدى البنوك المركزية دليل إرشادي للتعامل مع صدمات العرض العالمية، مثل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الذي شهدته الأسواق خلال الأسبوع الماضي. وفي مثل هذه الحالات، تؤدي الصدمة إلى ارتفاع مفاجئ في التضخم لكن النظرة التقليدية كانت ترى أن هذه الزيادة تكون موقتة، إذ يؤدي تباطؤ إنفاق المستهلكين واستقرار توقعات التضخم إلى تخفيف الضغوط السعرية.
وبناءً على هذا المنطق، فإن رفع أسعار الفائدة قد يؤدي في النهاية إلى خفض التضخم إلى ما دون المستهدف بعدما تتلاشى صدمة الطاقة من الاقتصاد، لكن هذا التفكير بدأ يتغير، بحسب ساندرز، لأن المستهلكين والشركات مروا خلال الأعوام الأخيرة بسلسلة من الأزمات الاقتصادية الحادة، أبرزها الارتفاع الكبير في أسعار الغاز بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا عام 2022.
وقال إن العالم أصبح يواجه صدمات عرض سلبية أكثر تكراراً، مما قد يؤدي إلى تقلبات أكبر في معدلات التضخم، وأضاف أنه في مثل هذا العالم لا ينبغي الافتراض أن توقعات التضخم ستظل دائماً مستقرة، بل قد تتفاعل بسرعة مع أي صدمة تضخمية كبيرة.
وبسبب هذا التغير في سلوك المستهلكين والشركات، أصبح هناك دافع أكبر للبنوك المركزية إما للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو حتى رفعها إذا لزم الأمر عند حدوث صدمات في أسعار الطاقة.
وفي مذكرة موجهة للعملاء قال محللون في بنك “غولدمان ساكس” إن القلق الأكبر يتمثل في أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على توقعات التضخم، مما قد يدفع التضخم إلى الارتفاع بما يتجاوز التأثير المباشر لأسعار الطاقة. وأضافوا أن تجربة ارتفاع التضخم بعد جائحة كورونا لا تزال حاضرة في أذهان المستهلكين، مما يجعل توقعاتهم للأسعار أكثر حساسية من المعتاد.
تعرض عديد من البنوك المركزية في العالم لانتقادات واسعة عندما وصفت الارتفاع الكبير في التضخم بعد الجائحة وأزمة الغاز بأنه “موقت”، وهو أمر سيؤثر بلا شك في طريقة تفكيرها هذه المرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبينما يعتمد رد فعل كل بنك مركزي على مدى تعرض اقتصاده لصدمة الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، سيكون بنك إنجلترا من أكثر البنوك قلقاً بسبب اعتماد المملكة المتحدة الكبير على الغاز المستورد، الذي ارتفعت أسعاره بصورة كبيرة بعدما أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال إثر الهجمات الإيرانية على بنيتها التحتية للطاقة وإغلاق مضيق هرمز فعلياً، وهو الممر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الغاز المسال في العالم.
ويقدر ساندرز أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط والغاز قد يدفع التضخم في المملكة المتحدة إلى الارتفاع بنحو نصف نقطة مئوية بحلول نهاية العام.
بنك إنجلترا توقع الشهر الماضي أن ينخفض التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ اثنين في المئة خلال الربيع، وأن يبقى قريباً من هذا المستوى حتى عام 2029، لكن التوقعات الحالية تشير إلى أن سقف أسعار الطاقة قد يرتفع بنحو 500 جنيه استرليني (670.4 دولار) خلال الصيف.
تصاعد أخطار الركود العالمي
وترى مؤسسة “بيرنبرغ” أنه إذا استمرت أسعار الطاقة العالمية في الارتفاع لفترة طويلة، ومع وجود توقعات تضخم مرتفعة بالفعل والحاجة إلى تجنب تراجع كبير في قيمة الجنيه الاسترليني، فقد يضطر بنك إنجلترا إلى تعليق خطط خفض أسعار الفائدة لبقية العام.
وخلال الأسبوع الماضي تراجع الجنيه الاسترليني بأكثر من واحد في المئة أمام الدولار، لكنه ارتفع مقابل اليورو، وأشار محللون في بنك “بيكتيه” إلى أن هذا الوضع يزيد من خطر تأجيل خفض أسعار الفائدة، مما قد يمدد فترة السياسة النقدية المتشددة في وقت يعاني فيه الاقتصاد بالفعل الهشاشة. وأضافوا أن ذلك قد يتطلب لاحقاً تخفيضات أعمق في أسعار الفائدة عندما يتراجع التضخم في نهاية المطاف، بخاصة إذا تصاعدت أخطار الركود العالمي.
وكانت الدول الأوروبية أعادت تنظيم مصادر الطاقة التي تستوردها بعد توقف إمدادات الغاز الروسي إلى القارة عقب حرب أوكرانيا.
وبحسب “بيكتيه”، أصبح الاتحاد الأوروبي يعتمد بصورة أكبر على موردين متنوعين للطاقة، إذ أصبحت النرويج أكبر مزود للنفط والغاز، تليها الولايات المتحدة، ومع ذلك، فإن هذا التنويع لن يحمي منطقة اليورو بالكامل من أزمة طاقة طويلة الأمد.
وبما أن البنك المركزي الأوروبي خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من بنك إنجلترا و”الاحتياطي الفيدرالي” لتصل إلى نحو اثنين في المئة، فقد يضطر إلى تشديد السياسة النقدية هذا العام إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع.
أما في الولايات المتحدة، فساعدت طفرة إنتاج النفط الصخري البلاد على تقليل تأثرها بتقلبات أسواق الطاقة العالمية، لكن ذلك لا يعني أنها محصنة بالكامل من ارتفاع أسعار النفط والغاز.
قد تكون حال عدم اليقين الجيوسياسي المتزايدة سبباً كافياً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي للإبقاء على أسعار الفائدة من دون تغيير.
وخلال الأسبوع الذي أعقب الهجمات الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وصلت مرافق تخزين الطاقة في الخليج إلى أقصى طاقتها بسبب توقف تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز، مما حال دون إفساح المجال لشحنات جديدة.
وقد تتوقف صادرات الطاقة من المنطقة بالكامل إذا استمر الوضع على ما هو عليه، وهو ما قد يؤدي إلى عواقب خطرة على أسعار النفط والغاز العالمية.
ويرى الخبراء أن أسوأ سيناريو بالنسبة إلى البنوك المركزية سيكون تورط الولايات المتحدة في حرب طويلة الأمد مع إيران.



