عالمي

ليس الانكشاف وحده… عندما تفرغ الحروب جيوب المصريين

يدقق حسين أبو عمر النظر متفحصاً أرقام فاتورة مشتريات بقالته الخاصة، قبل أن يتمتم باستغراب “الأسعار لم تكن هكذا قبل 10 أيام فقط”، ثم يتساءل بقلق “كيف تصل تداعيات الحرب على إيران إلى مصر بهذه السرعة، أم إن المنتجين وكبار التجار استغلوا الأوضاع لرفع الأسعار؟”.

وعلى رغم أن تلك الأسعار ستُمّرر كما هي للمستهلك الأخير لكن أبو عمر يبدو غير مرتاح مع تآكل رأسماله بفعل هذا التضخم، إذ سيتعين عليه أن يدفع أكثر ليحصل على ذات البضاعة، بجانب أنه، كما يقول لـ”اندبندنت عربية”، مستهلك أيضاً لتلك المنتجات، مما يعني تأثره سلباً من هكذا تداعيات.

المسوؤلية على الحروب

كثيراً ما يستغرب المصريون خطاب حكوماتهم الذي يحمل الحروب في أقاصي الأرض مسؤولية ارتفاع معدلات التضخم في البلاد، فرئيس حكومتهم مصطفى مدبولي حمَّل في الماضي حرب روسيا وأوكرانيا المسؤولية حيال الغلاء الذي شهدته البلاد في الأعوام اللاحقة للحرب، ثم ها هو يفاجئهم من جديد بأن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران ستؤثر سلباً في مصر على جميع المناحي، وسط تقارير تتحدث عن احتمالات تحريك أسعار الوقود خلال أيام.

بالنسبة لمصر، يتجلى هذا الانكشاف في عدة مستويات، أولها الخامات اللازمة للتصنيع وكذلك الغذاء، إذ تعتمد البلاد بدرجة كبيرة على استيراد القمح والزيوت والحبوب، وفي أوقات الحرب أو التوتر الدولي، تتحول هذه السلع إلى أوراق ضغط سياسية واقتصادية، كما حدث خلال أزمة الحرب في أوكرانيا عندما ارتفعت أسعار الحبوب بشكل حاد.

إقراض باهظ الكلفة

المستوى الثاني من انكشاف الاقتصاد يتمثل في التمويل الخارجي، فمصر تعتمد بدرجة ملحوظة على تدفقات الدولار من مصادر متعددة مثل القروض والاستثمارات والتحويلات، وفي بيئة عالمية مضطربة ترتفع فيها أسعار الفائدة أو تتراجع شهية المستثمرين، يصبح تأمين العملة الصعبة تحدياً كبيراً، مما ينعكس مباشرة على سعر الصرف والاستقرار الاقتصادي.

بينما المستوى الثالث ففي الطاقة والتكنولوجيا، في وقت تعتمد البلاد على الخارج في الوفاء على احتياجاتها من الطاقة كالوقود والغاز، الأمر الذي يجعل من أي تحرك في أسعار الطاقة حافزاً لارتفاع سريع ومباشر في معدلات التضخم، وهذه المستويات الثلاثة من الانكشاف تفسر انفلات سعر الصرف في الأيام اللاحقة على الحرب إلى أكثر من 50 جنيهاً للدولار، لكن مع ذلك يبقى لتاجر البقالة أبو عمر رأي آخر.

انكشاف أسواق البلاد

يقول تاجر التجزئة الخمسيني، إن الأمر في تصوره الخاص لا يخضع فقط لمجرد انكشاف أسواق البلاد على الخارج وتأثرها بارتفاع كلفة الشحن والإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد بل بتحوط بعض كبار المنتجين والتجار، وهي ظاهرة كثيراً ما شاعت في أعقاب الأزمات الدولية بدءاً من كورونا وصولاً إلى الحرب الحالية في الإقليم.

في حديثه يتساءل “من يقنعني أن عبوة التوابل التي اشتريتها الأسبوع السابق للحرب ارتفعت في غضون ساعات من اضطراب الإقليم؟ لسنا بهذه السذاجة، كبار المنتجين والوكلاء والتجار يستبقون أي زيادة فعلية بتحريك منتجاتهم تعظيماً للربحية واستعداداً لاحتمالات ارتفاع كلفة الإنتاج، هكذا تمضي الأمور”.

الانضباط أو القضاء العسكري

قناعة المتحدث تتماهى مع ما صرح به الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل يومين، حين كلف بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، معتبراً أن البلاد تعيش حالة من الطوارئ التي تستدعي عدم التلاعب باحتياجات المواطنين، وتجنب استغلال الظروف الراهنة لتحريك الأسعار.

لم ينف الرئيس المصري ما قد تترتب عليه الحرب الحالية من تداعيات ارتفاع بعض الأسعار، لكن تحذيراته خلال حفل الإفطار الذى نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية، في شأن عدم استغلال الظرف الحالي تأتي ربما لإدراكه ببعض الممارسات الضارة في الأسواق من تخزين السلع وتحريك أسعارها من دون داع.

انفلات سعر الجنيه 

بلغ التضخم ذروته التاريخية عند 38 في المئة في سبتمبر (أيلول) 2023، قبل أن يبدأ في التراجع عقب توقيع اتفاق إنقاذ مالي مع صندوق النقد الدولي في مارس (آذار) 2024 بقرض قيمته 8 مليارات دولار لمدة 46 شهراً، في وقت كانت تواجه تضخماً مرتفعاً ونقصاً في العملة الأجنبية.

يبدي المتخصص الاقتصادي مدحت نافع غرابة مشابهة لما أبداه التاجر الذي تحدثنا إليه، لكنه يميل في المقابل صوب التحذير من انكشاف البلاد على الخارج، الذي تُرجِم في ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي إلى ما يزيد على 50 جنيهاً من 47 قبل الحرب، بفعل خروج “الأموال الساخنة”.

يتساءل نافع قائلاً “هل من المنطقي أن الدولة الوحيدة التي لم تدخل حرباً في المنطقة تنزف عملتها بهذا المعدل؟ هذا مؤشر إلى درجة انكشاف كبيرة للغاية للعالم الخارجي”.

صداع الأموال الساخنة

ثم يعاود الحديث عن الانفلات الذي حلَ بسعر الصرف مشيراً إلى أن استقرار السعر هدف من أهداف السياسة النقدية في البلاد، وأن تحقيق الاستقرار يعني تفادي التقلبات العنيفة في السعر من دون اختزال علاقة هذه التقلبات في الأموال الساخنة فقط، فالمخاوف تشُّل قرارات الاستثمار، الأمر الذي يرفع فاتورة تقلب سعر الصرف بشكل كبير يتجاوز كثيراً ما يتعلق بأصحاب المال الساخن، كما يوضح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن المتخصص الاقتصادي يعبر في الوقت ذاته عن مخاوفه من ارتباط تقلبات سعر صرف الجنيه بحركة الأموال الساخنة باعتبار تلك الأموال “معامل كبير ومصدر قلق”، معرباً عن استغرابه من الاعتماد الكبير على استثمارات الأجانب في أدوات الدين بقوله “لطالما كنا نكرر أننا تعلمنا الدرس منذ مارس (آذار) 2022 وما شابهه من أحداث الخروج الكبير”.

الأسواق جاهزة

بالمقابل، يبدو رئيس اتحاد الغرف التجارية في مصر، أحمد الوكيل، مطمئناً لحركة السلع والبضائع في الأسواق، وتجنبها التأثر بارتفاع الدولار الأميركي، إذ يرى أن البلاد مهيأة لاستيعاب صدمة الحرب الراهنة على نحو كبير بفعل زيادة قدراتها التخزينية وإنشاء عشرات الصوامع الكبرى للحبوب، وخزانات زيوت الطعام والمواد البترولية والبوتاغاز، مع استقرار أسعار العملة في الفترة الماضية الذي أتاح رفع حجم المخزون الاستراتيجي ليتجاوز ستة أشهر، ليصل إلى تسعة أشهر وعام ونصف لبعض السلع الأساسية.

الوكيل أكد إعادة تفعيل غرفة عمليات الأزمات مع تشكل لجنة من كبار الخبراء لاقتراح الإجراءات الاستباقية لضبط الأسواق، وقال إن الظروف الحالية تستدعى العمل الاستباقي الفوري على تنويع مناشئ السلع ومستلزمات الإنتاج لضمان استمرار تدفقها في ظل تعطل عديد من سلاسل الامداد، وارتفاع كلفة الشحن والتامين من بعض المناشئ التقليدية.

حصر الأرصدة

وبدأت الغرف التجارية التي تمثل مجتمع التجار والموردين ومقدمي الخدمات في مصر، حصر السلع المتعاقد عليها وتلك التي لم تشحن بعد لمتابعة إحلال ما يجرى استهلاكه من الرصيد الاستراتيجي، بجانب حصر أرصدة البلاد من السلع الأساسية والسفن المتوجهة إلى الموانئ ومواعيد وصولها أملاً في احتواء الأزمة وتفادي تمرير موجة تضخم موجعة للمستهلكين.

وتراجع التضخم الأساس في مصر بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى 11.9 في المئة في يناير (كانون الثاني) الماضي من 12.3 في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ومع ذلك يظهر استطلاع أجرته “رويترز” أن المحللين يتوقعون أن يرتفع التضخم مرة أخرى في البلاد إلى ​12 في المئة في فبراير (شباط).

بالنسبة للحكومة الحالية التي تشكلت الشهر الماضي، تبدو الأزمة اختباراً صعباً بعد وعودها بخفض معدلات التضخم ودعم المواطنين والفئات الأولى بالرعاية في مواجهة غلاء المعيشة، والعمل على مكافحة الفقر وتحقيق الاستقرار الاقتصادي خلال عام 2026، وبينما تتأرجح التفسيرات بين تداعيات الحرب في الإقليم وممارسات بعض المنتجين والتجار، يبقى المواطن المصري الحلقة الأضعف في معادلة الأسعار.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى