وسط مؤشرات مقلقة… هل غذاء المصريين في خطر؟

أمام درجات حرارة تتجاوز حد الـ30 في شتاء مصر تبدو الإنتاجية الزراعية أمام تحديات آخذة في النمو خلال الأعوام الأخيرة بفعل التغيرات المناخية وما تعنيه من تغيرات في خواص التربة وانتشار الحشرات والأمراض والآفات، وصولاً إلى التأثير المباشر في المحاصيل كماً ونوعاً، وسط تساؤلات حول ما إذا كان غذاء المصريين في خطر النقص والفقد والهدر.
وبينما تعد مصر من بين البلدان الأكثر تأثراً بتغير المناخ، بما تحتله من مرتبة (110 عالمياً) من حيث التعرض للأخطار المناخية، فإن البلاد تبدو أكثر تأخراً (127 عالمياً) من حيث جاهزية مواجهة تلك التحديات، مما يعيد التذكير بما يمثله هذا الخطر على المستوى الاقتصادي.
في يوليو (تموز) 2025 أطلق صندوق النقد الدولي جرس إنذار من تعرض البلاد لأخطار متزايدة ناجمة عن التغير المناخي، من ارتفاع في درجات الحرارة، وزيادة في منسوب سطح مياه البحر، إلى جانب عدم اليقين المتنامي في شأن مصادر المياه، محذراً في تقرير خاص، من أن تلك التداعيات تنذر بخفض دخل الفرد 8 في المئة بحلول عام 2050.
كم يتراجع إنتاج القمح؟
واليوم، تبدو أخطار التغيرات المناخية أكثر وضوحاً في قطاع الإنتاج الزراعي من أي وقت مضى، فمحصول القمح كمثال مرشح للتراجع 9 في المئة، حال ارتفاع درجات الحرارة اثنين في المئة، وكذلك الشعير في مرمى خطر فقدان خُمس إنتاجيته (18 في المئة) بحلول 2050، ومثله محصول الذرة بـ19 في المئة من الفقدان، و11 في المئة لمحصول الرز و14 في المئة من الطماطم و25 في المئة في قصب السكر، بحسب تقارير وحدة بحوث الأرصاد الجوية الزراعية والتغير في المناخ بوزارة الزراعة المصرية.
وتشير الدراسات إلى أن كل درجة مئوية زيادة في درجات الحرارة، من شأنها خفض العائد الإنتاجي للزراعة بنحو 969 دولاراً للهكتار، مع احتمالات أن تؤدي تلك التغيرات إلى ارتفاع في منسوب مياه البحر وإغراق أجزاء واسعة من أراضي دلتا النيل الخصبة شمال مصر، ويعطلها عن الإنتاج.
المحاصيل المسرفة في الاستهلاك المائي
وأمام معطيات كتلك تبدو الحاجة إلى بذل الجهود لمجابهة تلك التداعيات أمراً ملحاً، بحسب ما يؤكد متخصصين زراعيين في شأن تبني استراتيجيات للتأقلم مع هكذا ظواهر مناخية غير حميدة، فإنه يتعين على مراكز البحوث الزراعية أن تولي اهتماماً أكبر باستنباط أصناف وبذور أكثر قدرة على مواجهة الحرارة المرتفعة، وتحمل نسب الملوحة والجفاف، كما تقول المديرة السابقة للمعمل المركزي للمناخ الزراعي سامية المرصفاوي.
تتحدث المرصفاوي عن ضرورة استنباط أصناف جديدة ذات موسم نمو أقصل لتقليل الحاجات المائية اللازمة لها، مع خفض مساحة المحاصيل المسرفة في الاستهلاك المائي، وزراعة محاصيل بديلة ذات استهلاك مائي أقل في مدة أقصر، وتقود نحو نفس النتائج، كما في حال زراعة بنجر السكر عوضاً عن قصب السكر.
بلغت مساحة الأراضي الزراعية في مصر قرابة 9.5 مليون فدان تضم 6.1 مليون فدان من الأراضي الزراعية القديمة، و3.4 مليون فدان من الأراضي الجديدة، فيما لم تعد تلك المساحة كافية لتلبية حاجات السكان من السلع الغذائية في ظل النمو السكان اللافت.
صادرات زراعية في مرمى الخطر
وأمام تحديات كتلك تشير المرصفاوي إلى أهمية ري المحاصيل في المواقيت المحددة سلفاً وفق الإرشادات الزراعية، مما يحفظ المياه ويعزز جدواها، إلى جانب زيادة معدل التسميد النيتروجيني، مشيرة في هذا الصدد إلى إمكان الاستفادة من نتائج عديد الدراسات التي تناولت مسألة الأقلمة مع التغيرات المناخية، في زيادة العائد الإنتاجي.
وتعول مصر على صادرات الخضر والفاكهة والمحاصيل الزراعية في جلب النقد الأجنبي بعد أعوام عانت فيه البلاد من نقص العملة الصعبة، وبحسب وزارة الزراعة المصرية، سجلت الصادرات الزراعية عام 2025 نحو 9 ملايين طن، مدفوعة بدخول تلك المنتجات 25 سوقاً جديدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفرت الصادرات لخزانة البلاد 11.5 مليار دولار حصيلة صادرات القطاع الذي يمثل 24 في المئة من إجمال صادرات مصر للعالم، بحسب بيانات وزارة الزراعة المصرية، وهو ما يجعل من تأثر تلك الحصيلة سلباً خطر ماثل على الاقتصاد المصري.
مصر في تأثر بالغ
وبينما تزداد منطقة جنوب البحر المتوسط احتراراً أكثر من المعدل العالمي، فإن لمصر تأثر بالغ بفعل ارتفاع درجات الحرارة بلغ نحو فقدان 50 في المئة من إنتاج بعض المحاصيل خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وسط نمو للتصحر والجفاف وزيادة التبخر.
أما رئيس مركز معلومات تغير المناخ والنظم الخبيرة بوزارة الزراعة محمد فهيم فيرى أن أخطر ما يواجهه قطاع الزراعة حال الإرباك الفسيولوجي وإجهاد المحاصيل، بفعل التغير المناخي، وما يتبعه من انتشار للأمراض والآفات وسط إضعاف لمقاومة النباتات.
ويعتقد فهيم أن الاضطرابات المناخية الملحوظة في الأعوام الأخيرة تفرض على المزارعين تبني أساليب زراعية مرنة، تعتمد على المتابعة اليومية للمحاصيل في ضوء تقلبات الطقس، والعمل على التدخل السريع وفق التوصيات الفنية، بغية الحفاظ على إنتاجية المحاصيل، وتجنب احتمالات الخسارة.
تراجع موارد البلاد من المياه
وبحسب تقرير لمجلس الشيوخ المصري في أبريل (نيسان) 2025، بعنوان “الأمن الغذائي في مصر… التحديات والفرص”، فإن واحداً من أخطر التحديات الخارجية التي تواجه البلاد استيرادها نحو 60 في المئة من حاجاتها الغذائية، ما يجعلها في حاجة دائمة إلى النقد الأجنبي اللازم لاستيراد تلك الحاجات، أو في مرمى تقلب الأسعار عالمياً طوال الوقت.
الباحث الاقتصادي عبدالعزيز نور يرى أن الأمن الغذائي في مصر قضية سيادية ذات صلة مباشرة بأمن البلاد القومي، خصوصاً مع بروز تحديات النمو المتسارع في عدد السكان، وتراجع موارد البلاد من المياه، إلى جانب التقلبات الحادة في أسواق الغذاء العالمية.
في ورقة بحثية، يتناول نور تعريف الأمن الغذائي في مصر في أفق 2050، ويعرفه بأنه قدرة البلاد على توفير حاجات السكان من الغذاء الصحي الكافي والمستدام، مع تقليل التعرض للصدمات الخارجية، ويرى أن تحقيق هذا الأمن يمر عبر تبني محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، واستنباط بذور مقاومة للحرارة والملوحة والجفاف، وتحسيب كفاءة الموارد المائية في بلد يعرف بالشح المائي.
وقف الهدر وخفض الفاقد الغذائي
وينصح الباحث بضرورة توسيع دور البقوليات كمصدر بروتين فاعل وتوجيه الدعم نحو الغذاء الصحي المحلي والعمل على وقف الهدر وخفض الفاقد الغذائي وخفض الاعتماد على الواردات الحرجة، مع خفض الفاقد بعد الحصاد وتطوير التخزين والتصنيع الغذائي.
قد يبدو التغير المناخي قضية عالمية، لكن المؤكد أن الخسارة ستتفاوت بين البلدان، ومصر بما لها من خصوصية ديموغرافية وجغرافية في مشهد كهذا مطالبة بمواصلة البحث عن حلول مستدامة لتحقيق الأمن الغذائي وتجنب صدمات العرض والطلب في أسواق السلع العالمية، وصياغة استراتيجية جديدة ذات مقاييس أداء ومتابعة تبعد البلاد عن خطر الانجراف صوب مستويات أكبر من الفقد الغذائي.



