تجارة الأسماك تسبح عكس تيار الحرب التجارية

في عالم يموج في سياسات تتسم بعدم اليقين الاقتصادي ونذر حرب تجارية تتصاعد، تنأى تجارة الأسماك بذاتها عن ذلك المناخ لتواصل نمواً لافتاً استمر في الأعوام الماضية، ويتوقع أن يستمر في قادم الأعوام، لكن على نحو أبطأ قليلاً مما عرفه العالم في أي وقت مضى.
في مذكرة بحثية على هامش المؤتمر العالمي للمأكولات البحرية 2026، يتوقع المتخصص الاقتصادي والتجاري في قسم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، ويليام غريفين، لتجارة الأسماك أن تواصل النمو، وسط حال من الاضطرابات التجارية المتزايدة، وتزايد أخطار الخدمات اللوجيستية.
ينظر ويليام غريفين، بقلق بالغ إزاء الصدمات الأخيرة، بما في ذلك الإجراءات الجمركية الأميركية، وحظر الصين على المأكولات البحرية اليابانية، والتقلبات في أسواق الشحن، ويرى أن هكذا أوضاع أدت إلى إبطاء معدلات نمو تجارة الأسماك والأحياء البحرية.
بصورة عامة، وعلى رغم الاضطرابات التي شهدناها عام 2025 لم يكن هناك انخفاض كبير في أحجام أو قيم التجارة على المستوى العالمي، وما نشهده هو تباطؤ في النمو، وليس انكماشاً، بحسب غريفين.
لا تزال أحجام التداول مرتفعة تاريخياً
يوضح غريفين أن حجم تجارة المأكولات البحرية العالمية يتجاوز الآن 42 مليون طن من الوزن الصافي، أي ما يعادل حوالى 16 مليون طن من الوزن الحي، بقيمة تقديرية تزيد عن 190 مليار دولار.
يدخل ضمن تلك التجارة، ما يقارب ثلث إنتاج مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية العالمية في التجارة الدولية، مما يؤكد مدى تأثر هذا القطاع بتغيرات السياسات واضطرابات السوق.
ويلفت غريفين إلى أن المنتجات البحرية تمثل ما يقارب نصف إجمال البروتينات الحيوانية المتداولة عالمياً، مما يجعل لتغييرات السياسة التجارية تأثيراً كبيراً في هذا القطاع.
ولا تزال التجارة بين المناطق قوية بصورة خاصة داخل أوروبا، إذ قد تعبر المنتجات الحدود عدة مرات للمعالجة قبل وصولها إلى المستهلكين.
وبحسب المذكرة، تستمر مراكز الطلب الرئيسة بالتركز في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان، على رغم أن تنويع التجارة يتزايد تدرجاً انطلاقاً من مستوى منخفض.
الزيادات المتوقعة في الرسوم الجمركية
وتُعيد التعريفات الجمركية الأميركية تشكيل التدفقات، لكنها لا تحد من الواردات، فوفق غريفين لطالما كانت السياسة التجارية الأميركية مصدراً رئيساً للغموض خلال العام الماضي، لكن تأثير الرسوم الجمركية في واردات المأكولات البحرية كان أقل مما كان يخشى في البداية.
وفي حين ارتفعت الرسوم الجمركية الفعلية على الواردات الأميركية إلى حوالى 16 في المئة من حوالى اثنين في المئة في السابق، إلا أنها لا تزال أقل بكثير من المستويات التي جرى الإعلان عنها مبدئياً في أوائل عام 2025.
وارتفعت واردات المأكولات البحرية الأميركية عام 2025، مدفوعة جزئياً بالتحميل السابق، إذ أسرع المصدرون من الشحنات قبل الزيادات المتوقعة في الرسوم الجمركية.
بالنسبة إلى عام 2026، لا يتوقع غريفين انخفاضاً في الواردات الأميركية بسبب زيادة الرسوم الجمركية”، مشيراً إلى حجم السوق الأميركية ومرونة سلاسل التوريد القائمة، ومع ذلك، فقد تباينت التأثيرات بصورة حادة حسب البلد والمنتج.
الروبيان الهندي هو الأكثر تضرراً
كانت الهند من بين أكثر الدول المصدرة تضرراً نظراً إلى اعتمادها الكبير على سوق الروبيان (الجمبري) الأميركية، إذ ارتفعت الرسوم الجمركية الأميركية على الروبيان الهندي من 25 في المئة، التي أُعلن عنها مبدئياً، إلى 50 في المئة في أغسطس (آب) 2025، مما أدى إلى انخفاض حاد في الشحنات خلال الأشهر الأخيرة من العام بعد فترة من التحميل السابق.
ومن المتوقع أن تؤدي اتفاقية تجارية موقتة بين الولايات المتحدة والهند جرى الإعلان عنها في الأوان الأخيرة إلى خفض التعريفة الجمركية الفعلية إلى حوالى 18 في المئة، بحسب غريفين، مما يوفر إغاثة محتملة ويدعم انتعاش التدفقات التجارية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى غريفين أن نحو نصف كميات الروبيان التي كان من المفترض تصديرها إلى الولايات المتحدة في الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2025 لم تُشحن، إذ جرى تخزين معظمها في مخازن التبريد، وحوّل المصدرون الهنود بعض الكميات إلى الصين والاتحاد الأوروبي وفيتنام، لكن غالباً بأسعار أقل.
الحظر الصيني يعرقل صادرات اليابان
خارج الولايات المتحدة، سلط غريفين الضوء على حظر الصين لواردات المأكولات البحرية اليابانية باعتباره أحد أشد الاضطرابات التجارية الأخيرة.
كانت الصين أكبر سوق تصدير للمأكولات البحرية اليابانية، إذ بلغ متوسط حجم التجارة الشهرية فيها حوالى 53 مليون دولار قبل الحظر، وقال غريفين إن هذه التجارة “تبخرت بين عشية وضحاها”.
وعلى رغم أن اليابان أعادت توجيه بعض الصادرات إلى أسواق بديلة، فإن حوالى نصف الكميات المفقودة قد جرى استيعابها محلياً بأسعار أقل بكثير أو لا تزال غير مباعة.
الشحن وقواعد المناخ يزيدان من الأخطار
لا تزال الخدمات اللوجيستية تشكل نقطة ضعف رئيسة في تجارة المأكولات البحرية العالمية، بحسب التقرير الذي أشار إلى الارتفاع الحاد في أسعار الشحن منذ عام 2020 والاضطرابات الأخيرة المرتبطة باختلالات الحاويات وقناة بنما والبحر الأحمر.
قال غريفين إن النقص المستقبلي بنسبة 20 في المئة في توافر الشحن قد يضاعف كلفة الشحن، مما يضغط على هوامش المصدرين.
وفي معرض حديثه عن المستقبل، رأى أن قواعد المنظمة البحرية الدولية القادمة لخفض انبعاثات الشحن البحري – والتي تستهدف خفضها بنسبة 40 في المئة بحلول عام 2030 والوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050 – قد تُعيد تشكيل أنماط التجارة بصورة أكبر.
وسيتطلب الامتثال لهذه القواعد استخدام أنواع وقود وتقنيات جديدة لا تزال قيد التطوير، مما قد يؤثر في كلفة الشحن ومساراته وإمكانية الوصول إلى الأسواق.
بصورة عامة، تظل تجارة الأسماك والمأكولات البحرية في مرمى التقلب بفعل السياسات والقرارات الصادمة بين الدول، في حرب أزكاها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حين فرض رسوماً جمركية على مختلف الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.



