واجهة دافوس تكشف ملامح الاقتصاد العالمي المقبل

مع مغادرة وفود المنتدى الاقتصادي العالمي مدينة دافوس، يبدأ عمال التجهيزات بإعادة المحال والمباني إلى حالتها الطبيعية، بعد أسبوع استثنائي تتحول فيه المدينة السويسرية إلى واجهة مصغرة للاقتصاد العالمي.
على رغم أن اجتماعات المنتدى انتهت رسمياً، ظهر الجمعة، فإن آثارها تبقى واضحة على شارع دافوس الرئيس، الذي بات مؤشراً غير رسمي إلى اتجاهات الاقتصاد والسياسة العالمية.
في كل عام، تسيطر شركات محاسبة وبنوك عالمية وشركات استشارات وإدارة أعمال وتقنية، إضافة إلى دول بأكملها، على المحال الواقعة على الطريق المؤدي إلى مركز المؤتمرات، لتحويلها إلى بيوت وشاليهات ومقاه مخصصة لاستقطاب المستثمرين واستضافة العملاء.
ما يصل إلى مليون دولار
ولم يقتصر الأمر على المتاجر، بل شمل متحف المدينة وحتى عيادة بيطرية، جرى تحويلها إلى مساحات فاخرة تشبه صالات الدرجة الأولى في المطارات.
وهذا العام، حجزت الولايات المتحدة أبرز المواقع، إذ سيطرت على الكنيسة الواقعة عند مدخل قاعة المؤتمرات، بدعم من شركات أميركية كبرى مثل “مايكروسوفت” و”ماكينزي”، التي قيل إنها دفعت ما يصل إلى مليون دولار لكل منها لرعاية “بيت الولايات المتحدة”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال العقد الماضي، ازداد حضور الدول على شارع دافوس، بدءاً من الهند وجنوب أفريقيا، وصولاً إلى دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها السعودية والإمارات، التي حضرت بأسلوب لافت ومساحات كبيرة، ويطرح هذا المشهد تساؤلاً جوهرياً: هل يعكس توزيع الشركات والدول على الواجهة الرئيسة للمدينة الاتجاه الحقيقي للاقتصاد العالمي، أكثر مما تفعل النقاشات داخل قاعات المنتدى؟
تراجع البنوك الكبرى
قبل الأزمة المالية العالمية، كانت البنوك الاستثمارية الكبرى تهيمن على الشارع، لكنها انسحبت بعد عام 2008 لتجنب مظاهر البذخ في زمن عمليات الإنقاذ المالي، ولم تعد منذ ذلك الحين، وتراجع أيضاً مديرو الأصول البريطانيون، الذين تضرروا من صعود الصناديق منخفضة الكلفة، ولم يبق هذا العام سوى بنك “ستاندرد تشارترد” ممثلاً لبريطانيا.
ويأسف رئيس مجلس إدارة شركة “ريفولوت” مارتن غيلبرت، لتراجع الحضور البريطاني، مستذكراً في حديثه لصحيفة “التايمز”، كيف كان متجر شركة “أبردين” لإدارة الأصول نقطة تجمع بارزة في الماضي.
وقال، إن تلك المساحات كانت فعالة في بناء العلاقات، لكنها اختفت مع خروج شركات التأمين وإدارة الأصول من المشهد.
في المقابل، حلت شركات التكنولوجيا العملاق محل البنوك، مثل “غوغل” و”ميتا” و”سيلزفورس” و”بالانتير”، التي وسعت وجودها منذ عام 2010، حتى باتت “غوغل” تستحوذ على فندق كامل. أما شركات العملات المشفرة، التي سيطرت على المشهد في 2022 وبداية 2023، فقد اختفت بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
عشرات الشركات الناشئة
واليوم، تملأ لافتات الذكاء الاصطناعي الشارع، مع حضور عشرات الشركات الناشئة والكبرى التي تعرض حلولها على الرؤساء التنفيذيين. وقال المدير التنفيذي للعمليات في “أوبن أي آي”، براد لايتكاب، مازحاً إن دافوس باتت “لا يمكن تمييزها عن سان فرانسيسكو”.
شهد هذا العام حضوراً بارزاً لشركات الذكاء الاصطناعي الأوروبية، مثل “ميسترال أي آي”، للمرة الأولى، فيما أعادت شركات التكنولوجيا الكبرى صياغة هويتها، فرفعت “مايكروسوفت” شعار “مساعد ذكي من أجل الكوكب”، وروجت “سيلزفورس” لما تسميه “وكلاء الذكاء الاصطناعي”.
وحتى الدول سارت على النهج ذاته، إذ تحولت “دار الهند”، التي كانت تركز تقليدياً على شعار “صنع في الهند”، إلى منصة تحمل عنوان “الذكاء الاصطناعي للجميع”.
ويبقى السؤال المطروح في دافوس: هل سيستمر حضور شركات الذكاء الاصطناعي في الأعوام المقبلة، أم ستختفي كما اختفت شركات العملات المشفرة، وهل نشهد تحولاً دائماً في موازين القوة الاقتصادية، أم مجرد فقاعة جديدة تضاف إلى سجل دافوس الطويل؟



