أوروبا تشهر سلاح ردع تجاريا في وجه رسوم ترمب الجمركية

يرغب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في استخدام الرسوم الجمركية مجدداً للضغط على غرينلاند، ويعمل الأوروبيون على الرد على التهديدات الأميركية.
ورد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على تهديدات فرض الرسوم الجمركية التي لوح بها الرئيس الأميركي ضد كثير من الدول الأوروبية التي تعارض رغبته في الحصول على غرينلاند، وهي منطقة دنماركية تتمتع بالحكم الذاتي، وحدد الرسوم بـ10 في المئة مع إمكان تطورها لتصل إلى 25 في المئة.
وأعلن الرئيس الفرنسي أنه يعتزم طلب تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه في حال فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية جديدة على المنتجات الأوروبية، لكن ما الذي يستلزمه ذلك تحديداً؟
ما مصير الاتفاق السابق؟
هذه الآلية التجارية اعتمدها الاتحاد الأوروبي عام 2023، لكنه لم يستخدمها بعد، وتتيح هذه الأداة، على وجه الخصوص، تقييد الواردات من دولة ما أو الحد من وصولها إلى أسواق المشتريات العامة، ومنع استثمارات معينة. وهو أسلوب تجاري مصمم كرادع، ويهدف إلى مواجهة أي دولة تستخدم أدوات تجارية للضغط على إحدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة.
وأعلن الاتحاد الأوروبي أنها “ستكون آلية مكافحة الإكراه وأداة الاتحاد الجديدة لمواجهة التهديدات الاقتصادية والقيود التجارية غير العادلة التي تفرضها دول ثانية”، وفق بيان لها.
ويشير نص الاتحاد الأوروبي إلى أن الإكراه الاقتصادي قائم عندما “تطبق دولة ثانية أو تهدد بتطبيق إجراء يؤثر في التجارة أو الاستثمار” بهدف التدخل “في الخيارات السيادية المشروعة للاتحاد الأوروبي أو لإحدى دوله الأعضاء”.
وكان مفوض التجارة الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، وعند اعتماد هذه الآلية عام 2023، ذكر أن هذه الأداة “ستمكننا من الدفاع عن حقوقنا ومصالحنا المشروعة بثقة أكبر”.
وطرح استخدام هذه الآلية في ربيع عام 2025 رداً على الرسوم الجمركية التي أعلنها البيت الأبيض، إلا أن الدول الأعضاء الـ27 لم تتخذ أي إجراء في شأنها، مما أثار استياء بعض أعضاء البرلمان الأوروبي والمحللين الذين حذروا من محدودية أثر الردع لأي إجراء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عملياً، يمكن للمفوضية بدء الإجراء بمبادرة منها أو بناءً على طلب إحدى الدول الأعضاء، مثلما هي الحال للرئيس الفرنسي حالياً، ويجب أن يقر مجلس الاتحاد الأوروبي قرار تفعيل هذا الإجراء بغالبية مؤهلة، أي بدعم ما لا يقل عن 55 في المئة من الدول الأعضاء التي تمثل ما لا يقل عن 65 في المئة من سكان الاتحاد الأوروبي.
إذا أعطيت الموافقة، تبدأ مرحلة الوساطة، من دون تحديد مدة زمنية، تسعى خلالها المفوضية إلى إقناع الدولة المخالفة بالتوقف عن الإجراءات المتنازع عليها، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق تقترح المفوضية أنسب التدابير المتاحة لديها.
علاوة على ذلك، فإن التهديدات التجارية الأميركية “تثير تساؤلات حول مدى صحة الاتفاقية” في شأن الرسوم الجمركية المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في يوليو (تموز) 2025، وفقاً لمصدر مقرب من الرئيس الفرنسي.
وأشار فريق وزير الخارجية جان نويل بارو إلى أنه “على أهبة الاستعداد لتنسيق رد أوروبي على التهديدات الجديدة غير المقبولة بفرض رسوم جمركية” من دونالد ترمب.
تضاربات في تقييم الميزان التجاري
قالت جورجيا ميلوني، خلال رحلة إلى سيول بكوريا الجنوبية، إنها تحدثت إلى دونالد ترمب لإبلاغه بـ”الخطأ” الذي اعتبرته هذه التهديدات بفرض تعريفات جمركية.
ووصف وزير الخارجية الهولندي، ديفيد فان ويل، الإجراء بأنه “غير مفهوم وغير مناسب.. هذا ابتزاز، ما يفعله الآن هو ابتزاز”، وفق تعبيره.
من جانبها، وصفت وزيرة الخارجية الإيرلندية، هيلين ماكنتي، التهديدات بأنها “غير مقبولة بتاتاً ومؤسفة للغاية”، وقالت وزيرة الثقافة البريطانية، ليزا ناندي، لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، “بالنظر إلى السياق، نعتقد أن هذا الجدل حول الرسوم الجمركية خطأ، نعتقد أنه غير ضروري على الإطلاق، بل ويؤدي إلى نتائج عكسية”.
استياء دونالد ترمب
وأثار انتشار قوات أوروبية بغرينلاند استياء دونالد ترمب، فهدد بفرض رسوم جمركية جديدة إلى حين التوصل إلى اتفاق لبيع غرينلاند بالكامل، وستدخل هذه الرسوم الإضافية البالغة 10 في المئة حيز التنفيذ في الأول من فبراير (شباط)، وقد ترتفع إلى 25 في المئة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل.
وبحسب بيانات صادرة عن المفوضية الأوروبية عام 2024 كانت الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في صادرات السلع بنسبة 20.6 في المئة، وثاني أكبر شريك تجاري له في الواردات بنسبة 13.7 في المئة، بعد الصين بنسبة 21.3 في المئة.
وبلغ حجم التجارة بين الطرفين في السلع والخدمات ما يزيد قليلاً على 1.94 تريليون دولار عام 2024، وعلى وجه التحديد بلغت قيمة تجارة الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة 867 مليار يورو (تريليون دولار)، وهو رقم تضاعف تقريباً خلال الأعوام الـ10 الماضية.
وبلغ إجمال تجارة الخدمات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة 817 مليار يورو (947.7 مليار دولار) في ذلك العام، ومن ثم يميل الميزان التجاري لمصلحة الاتحاد الأوروبي بصورة واضحة، لكن بفارق 58 مليار دولار فحسب، وهو أقل بكثير من مبلغ 348 مليار دولار الذي ذكره دونالد ترمب باستمرار، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.



