برتقال مصر… حارس ميزان الصادرات في مواجهة التحديات

على امتداد البساتين التي تلامس شمس دلتا مصر، لا يزال البرتقال يؤدي دوره القديم كحارس أمين لميزان الصادرات الزراعية، ثمرة صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها، تحمل على قشرتها أكثر من خمس عائدات قطاع الفاكهة والخضراوات من العملات الأجنبية، وتبقي البلاد متربعة على عرش أكبر مصدر للبرتقال في العالم، بحسب تقديرات وزارة الزراعة الأميركية.
تتحدث التقديرات عن موسم واعد، مدفوع بزيادة الإنتاج، ونجاح المصدرين في طرق أبواب أسواق جديدة إلى جانب تطبيق نظام تتبع الإنتاج الزراعي، وتشير أيضاً إلى أن أوروبا والشرق الأوسط سيظلان على رأس الأسواق التصديرية الرئيسة للبرتقال المصري.
انطلق الموسم التصديري للبرتقال 2026-2025 لجميع دول العالم من منتصف ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وسط آمال بتجاوز هذا الموسم عوائد مثيله السابق، وتعززها توقعات وزارة الزراعة الأميركية الصادرة قبل أيام.
كم حجم الإنتاج المتوقع؟
على رغم احتفاظ البلاد بذات المساحة المزروعة بالبرتقال عند 170 ألف هكتار (الهكتار يساوي 10000 متر مربع) كما كانت العام الماضي، إلا أن المتوقع أن يرتفع الإنتاج 15 في المئة في الموسم التسويقي 2025-2026، ليصل إلى 4 ملايين طن، ويُعزى هذا الارتفاع إلى ظروف الطقس المثلى خلال فترة إزهار الأشجار، وارتفاع المساحة المحصودة، مما أسهم في زيادة عقد الثمار وإنتاجها، بحسب تقرير وزارة الزراعة الأميركية.
ويتوقع لصادرات مصر من البرتقال هذا الموسم أن تصل إلى 1.9 مليون طن ويرجح أن يسهم ارتفاع الأسعار العالمية وقوة الطلب الاستهلاكي في تعزيز حجم الصادرات.
ويُعزى النمو في المساحات المحصودة إلى البساتين الجديدة التي زرعت قبل أعوام عدة وبلغت الآن مرحلة النضج وبدأت في إنتاج الثمار، إضافة إلى الظروف المناخية المواتية خلال فترة الإزهار.
المزارع التجارية في مصر
تبدأ أشجار البرتقال عادةً في الإثمار بعد أربعة أعوام من زراعتها، ويمكن أن تعيش حتى 50 عاماً، على رغم أن إنتاجيتها تتراجع بعد 20 عاماً، ويأتي معظم إنتاج مصر من البرتقال المخصص للتصدير من مزارع تجارية أنشئت على أراضٍ صحراوية مستصلحة خلال الـ30 عاماً الماضية.
ويعد البرتقال المحصول الحمضي الرئيس في مصر، إذ يمثل نحو 80 في المئة من إجمالي مساحة زراعة الحمضيات، ويزرع في جميع أنحاء البلاد من الشمال إلى الجنوب.
وعلى مدى العقد الماضي ركز صغار المزارعين والمزارع التجارية على إنتاج فاكهة عالية الجودة للحفاظ على كميات كبيرة في أسواق التصدير ذات القيمة العالية، في حين انشغلت الحكومة المصرية بزيادة فرص الوصول إلى الأسواق للتصدير، مما أدى إلى فتح عديد من الأسواق الجديدة.
انطلاق موسم الحصاد
تزرع أنواع مختلفة من البرتقال في جميع أنحاء البلاد، بخاصة في منطقة الدلتا وعلى طول نهر النيل، ويبدأ موسم الحصاد عادةً في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) وقد يمتد حتى سبتمبر (أيلول)، وذلك تبعاً للأصناف التي تشمل البلدي والسكري والدموي وأبو سرة والخليلي وفالنسيا، ويعد الأخير الأكثر إنتاجاً، إذ يشكل 85 في المئة من إجمال إنتاج البرتقال.
وتحدد لجنة الحمضيات التابعة للمجلس المصري لتصدير المنتجات الزراعية، بالتعاون مع الإدارة المركزية للحجر النباتي التابعة لوزارة الزراعة، موعد بدء موسم حصاد البرتقال للتصدير رسمياً، معتمدين على نضج الثمار ولونها كمؤشرين رئيسين.
وتتوقع وزارة الزراعة الأميركية زيادة طفيفة في الاستهلاك المحلي للبرتقال الطازج خلال الموسم التسويقي 2025-2026، لتصل إلى 1.2 مليون طن، ويعود ذلك بصورة رئيس إلى انخفاض الأسعار تزامناً مع زيادة الإنتاج خلال الفترة نفسها.
أسواق تصديرية
وفي الموسم التسويقي 2024-2025، وصلت صادرات البرتقال المصري إلى 124 دولة، وكان من بين أهم وجهات التصدير للبرتقال المصري الاتحاد الأوروبي وروسيا والسعودية وسوريا والإمارات والهند والمملكة المتحدة.
لكن وراء قصة النجاح تلك تقبع عديد التحديات على المديين المنظور والمتوسط، فثمة اضطرابات في البحر الأحمر ألقت بأثقالها على صادرات البلاد ككل وفي القلب منها الصادرات الزراعية، إلى جانب تحديات ذات صلة بالتنافسية وتوفر الدعم الحكومي، وأخيراً هاجس شح المياه الذي يزعج كثير من المتخصصين والخبراء.
خلال الموسم التسويقي 2023-2024، حدت الاضطرابات في البحر الأحمر من صادرات البرتقال المصري إلى الأسواق الآسيوية، مما أدى إلى فائض في أوروبا، واستجابة لذلك، اتجه المصدرون إلى أسواق جديدة مثل البرازيل والأرجنتين وكندا، وشهدت تلك الأسواق الجديدة نمواً ملحوظاً في الموسم التسويقي 2024-2025.
اضطراب الملاحة
ولا تزال صادرات البرتقال المصري إلى آسيا منخفضة على رغم انحسار التوترات في البحر الأحمر، فبينما تراجعت صادرات البرتقال المصري إلى آسيا خلال أزمة البحر الأحمر بصورة رئيسة من نوفمبر 2023 إلى يناير (كانون الثاني) الماضي، سمح انخفاض هجمات الحوثيين على السفن المارة عبر البحر الأحمر بمرور مزيد من السفن للتجارة المتجهة إلى آسيا.
وعلى رغم أن انخفاض هجمات الحوثيين حسن من إمكان الوصول إلى الشحن عبر البحر الأحمر، فإن الصادرات إلى أهم الأسواق الآسيوية لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل الأزمة، إذ لا يزال عديد من المستوردين الآسيويين يستوردون البرتقال من الدول المجاورة.
يقول رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية أشرف الجزايرلي إن صادرات الغذائية والزراعية بعد خضوعها لعمليات التصنيع، تبلغ حالياً نحو 11 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 12 مليار دولار خلال عام 2026.
يمثل قطاع صادرات الأغذية والحاصلات الزراعية نحو 24 في المئة من إجمال صادرات البلاد، بحسب الجزايرلي الذي تغتمره حماسة وتفاؤل كبيرين بعوائد القطاع التصديري في الأعوام المقبلة.
برنامج لا يلبي الطموحات
وبينما يبدو رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية راضياً عن إنتاج بلاده من الصناعات الغذائية والحاصلات الزراعية من حيث الجودة ومراعاة الاشتراطات التصديرية إلا أنه يتوقف عند تواضع برنامج رد الأعباء التصديرية للمصدرين بوصفه لا يلبي طموحات المصدرين، وسط مطالبات مستمرة بزيادة الحكومة لمخصصاته.
وخصصت وزارة المالية المصرية 45 مليار جنيه (940 مليون دولار) في موازنة العام المالي الحالي 2025-2026 لرد الأعباء التصديرية وتحفيز الصادرات المصرية، لكن هذه الأرقام لا تبدو مرضية للقطاع التصديري في البلاد المسؤول عن قرابة 40 مليار دولار من عوائد العملة الصعبة.
وتواجه مصر تحديات ذات صلة بسلاسل الإمداد والمنافسة في الأسواق الخارجية، لكنها لا تزال تحتفظ بموقع الريادة في صادرات البرتقال الطازج، بحسب وكيل المجلس التصديري للحاصلات الزراعية في مصر محمد خليل.
انخفاض الصادرات المصرية
يثني خليل على بعض الترتيبات الأخيرة بين مصر وأوروبا من قبيل خفض معدلات فحص الشحنات المصدرة من 30 إلى 20 في المئة فحسب، مما يعجل بسيولة الشحنات نحو الأسواق التصديرية ويخفض الكلفة، وسط طلب عالمي مرتفع على الاستهلاك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن المتحدث يعاود التذكير بالتحديات، إذ يشير إلى انخفاض صادرات البرتقال المصري في غالب الأسواق التصديرية باستثناء الأميركتين وأستراليا في الموسم الماضي، بفعل ما أشار إليه من معوقات الإمداد، لكنه يظل متفائلاً في شأن قدرة البرتقال المصري في الحفاظ على مكانته العالمية.
وبحسب بيانات وزارة الزراعة المصرية، تجاوزت صادرات البلاد الزراعية في العام الماضي 8.5 مليون طن بزيادة قدرها 700 ألف طن عن العام السابق بإجمال عوائد 10.6 مليار دولار، وسط مساعي لتسجيل 20 مليار دولار صادرات بنهاية عام 2030.
البرتقال وسد النهضة الإثيوبي
وثمة مخاوف تتعلق بمستقبل المياه في مصر في ضوء ما يخلفه السد الإثيوبي من آثار غير محمودة على الإمدادات، وبالنظر إلى شراهة استهلاك البرتقال للمياه، فإن بقاء هذا المحصول على صادراته التصديرية يظل محفوفاً بالأخطار.
تشير دراسة اقتصادية للبصمة المائية ومؤشراتها لمحصول البرتقال المصري للباحث السيد عبدالعظيم الخشن والمنشورة في المجلة المصرية للاقتصاد الزراعي في ديسمبر 2021 إلى احتمالات فقدان المحصول كميات ضخمة من المياه (البصمة المائية الداخلية) سنوياً بفعل محدودية الموارد المائية والتدهور المستمر لنوعيتها والتي تعانيها مصر، إلى جانب تواضع وانخفاض مساحات الأراضي الصالحة للزراعة، والزيادة المستمرة لعدد السكان والسد الإثيوبي وتأثر حصة البلاد من نهر النيل البالغة نحو 55.5 مليار متر مكعب.
تحتاج شجرة البرتقال ما يعادل 100 إلى 120 غالوناً (375 إلى 450 ليتراً) شهرياً خلال موسم النمو، وتختلف الحاجة حسب المناخ، نوع التربة، وعمر الشجرة، مع تفضيل الري بالتنقيط وتجنب الإفراط لتجنب تعفن الجذور.
محاصيل أقل استخداماً للمياه
ويتحدث الباحث في الدراسة عن ضرورة العمل على حماية الأمن الغذائي المصري من التقلبات الاقتصادية والسياسية والمناخية وتبني آليات ترشيد استهلاك المياه والحفاظ عليها، وضرورة وضع استراتيجية مستقبلية للقطاع الزراعي لضمان تبني نظم إنتاج زراعي لمحاصيل تصديرية أقل استخداماً للمياه كالبرتقال مقارنة بالمحاصيل الأخرى.
يبقى البرتقال المصري أكثر من مجرد محصول زراعي، فهو ركيزة استراتيجية في دعم ميزان الصادرات وعائدات العملات الأجنبية، ويمثل رمزاً لقدرة القطاع الزراعي على مواجهة التحديات.
وعلى رغم النجاحات المتواصلة في فتح أسواق جديدة وزيادة الإنتاج وتحسين الجودة، لا يمكن إغفال الأخطار الحقيقية التي تواجه هذا القطاع، من محدودية الموارد المائية، وتقلبات المناخ، إلى التحديات اللوجيستية والتصديرية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية على المزارعين والمصدرين، مما يستدعي العمل على استراتيجية متكاملة تجمع بين تحسين الإنتاجية وترشيد استهلاك المياه، وتطوير سياسات الدعم الحكومي، لتبقى مصر على صدارة الأسواق العالمية.



