عالمي

توقعات بانخفاض معروض النحاس في السنوات المقبلة

يتوقع المحللون في أسواق المعادن والسلع زيادة كبيرة في الطلب على معدن النحاس في السنوات القليلة المقبلة مع انخفاض الإنتاج ما يمكن أن يصيب السوق بنقص في المعدن الأحمر بنسبة تتجاوز 30 في المئة.

في المؤتمر السنوي لرابطة المعادن المهمة مطلع هذا الشهر، حذر محلل شؤون المعادن في وكالة الطاقة الدولية شوبهان ذير من أن المعدن الأحمر قد يكون في أزمة خلال العقد المقبل، وأن يصبح أكثر حلقات سلاسل الإمداد العالمية عرضة للأخطار، وعدد الأسباب وراء النقص في المعروض من النحاس على مدى السنوات المقبلة، ليس فقط بسبب الزيادة الهائلة في الطلب وإنما أيضاً بسبب معوقات زيادة الإنتاج.

فعلى عكس الليثيوم مثلاً، الذي يشهد زيادة في المعروض من مناطق جغرافية مختلفة من زيمبابوي إلى الأرجنتين، هناك مشكلات بنيوية تعيق زيادة سعة إنتاج النحاس ويصعب التغلب عليها؟

 وأضاف ذير “النحاس فعلاً ما يعترينا القلق بشأنه، فهو معدن يصعب زيادة إنتاجه بسرعة، لذا نحن قلقون بصورة خاصة، وأود الإشارة إلى أن هذه إحدى المشكلات العالمية المقبلة”.

من المشكلات التي تواجه زيادة إنتاج النحاس، وربما غيره أيضاً من المعادن المهمة، تراجع الاستثمارات في التعدين عامة أو عدم زيادتها في الأقل لمواجهة الطلب المرتفع، ذلك فضلاً عن تركز سلاسل الإمداد والتوريد لأغلب المعادن المهمة بما فيها النحاس في حلقة واحدة.

الصين وتركز إنتاج المعادن

مما يزيد من أزمة النحاس المتوقعة تلك الهيمنة الصينية الطاغية على سلاسل الإمداد والتوريد للمعادن بما فيها المعدن الأحمر، وليس فقط معادن الأرض النادرة، فمن بين قائمة وكالة الطاقة الدولية التي تضم 20 من المعادن الاستراتيجية تحتل الصين المرتبة الأولى في تنقية وتشغيل 19 منها.

الاستثناء الوحيد هو إندونيسيا في مجال تنقية وتكرير النيكل، لكن حتى ذلك الاستثناء ليس كاملاً، فأغلب ففأغلبفغلب الشركات العاملة بهذا المجال في إندونيسيا هي شركات صينية.

وما زال معدل الاستثمار في التعدين ينمو ببطء شديد ولم يتجاوز ارتفاعه نسبة 5 في المئة العام الماضي 2024، أما الاستثمار في الاستكشاف والتنقيب فلم يتغير أصلاً أو يشهد أي زيادة تذكر.

ويرجع المحللون في أسواق المعادن ذلك لاستمرار الأسعار منخفضة، ليس بسبب تراجع في الطلب ولكن بسبب زيادة المعروض من الصين وإندونيسيا.

تدخل تلك المعادن الاستراتيجية في صناعات مهمة تتراوح ما بين صناعات الطاقة إلى الصناعات الدفاعية والفضائية وأخيراً الذكاء الاصطناعي.

ويحذر محلل المعادن بوكالة الطاقة الدولية من أن “هذا التركز الاستثنائي لم نشهد له مثيلاً من قبل والمشكلة الأكبر أن ذلك التركز لسلاسل توريد وإمداد المعادن الاستراتيجية يزيد، وليست هناك إشارات على إمكانية التراجع”.

ففي العام الماضي 2024 زاد نصيب أكبر ثلاثة في مجال التنقية والتكرير للمعادن التي تدخل في صناعات الطاقة من 82 الى نسبة 86 في المئة، وجاءت الزيادة كلها تقريباً من نصيب الطرف الأكبر (الصين)، وحذر ذير من أنه إذا استبعدت الصين، فإن بقية العالم لا يمكنه تلبية نصف حاجاته من المعادن التي تدخل في صناعة البطاريات، وهذا يزيد الأخطار التي قد تنجم عن قيود التصدير أو حتى الظروف المناخية السيئة، على حد تعبيره.

زيادة الطلب بقوة

من أسباب استمرار تركز تنقية وتكرير المعادن أن جهود “تنويع” سلاسل التوريد والإمداد لا تحقق نتائج، فحسب وكالة الطاقة الدولية تظل الكلفة للمنتجين الجدد أكبر بنسبة 50 في المئة في الأقل من المنتجين الحاليين، وبالتالي فوعود الحكومات بمزيد من الاستثمار في التعدين تظل في نطاق الوعود.

قبل أيام نشرت صحيفة “الفاينانشيال تايمز” تحقيقاً مطولاً عن كيف يمكن تلبية طلب قطاع الذكاء الاصطناعي على النحاس، واتخذت مما يسمى “مثلث النحاس” بولاية أريزونا الأميركية مثالاً على المشكلات التي تواجه المنتجين.

وتملك مناجم المنطقة شركة “ريزوليوشن كوبر” التي تسهم فيها أكبر شركة تعدين في العالم “بي أتش بي”، وفي أحد مناجمها، انفقت الشركة ما يصل إلى ملياري دولار في الحصول على التصاريح وتجهيز المنجم، إلا أنها تواجه قضية أمام المحاكم سيفصل فيها العام المقبل رفعها السكان الأصليون من الهنود الذين يقولون إن الموقع هو فوق “أرض مقدسة”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كل ذلك في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب بقوة على المعدن الأحمر بسبب الحاجة المتزايدة للنحاس في مد شبكات جديدة ضمن مشروعات التحول في مجال الطاقة وتلبية حاجات مراكز البيانات الكبرى لتشغيل الذكاء الاصطناعي.

وبحسب شركة التعدين “غروبو مكسيكو” فأن هناك حاجة الآن لما بين 27 إلى 33 طناً من النحاس لكل ميغا وات من الكهرباء، وذلك تقريباً ضعف الحاجات المطلوبة لمراكز البيانات العادية، وقدرت مجموعة “بي أتش بي” للتعدين في يناير (كانون الثاني) 2025 أن كمية النحاس المستخدمة في مراكز البيانات حول العالم “سوف تتضاغف 6 مرات بحلول منتصف القرن”.

إلى جانب زيادة الطلب لشبكات التحول في مجال الطاقة ومراكز البيانات الكبرى للذكاء الاصطناعي هناك مصدر آخر لزيادة الطلب على النحاس، لكنه ليس شفافاً تماماً.

مشكلات الإنتاج والأسعار

ويقدر المحللون في بنك “سوسييتيه جنرال” أن الإنفاق الدفاعي حول العالم زاد 9.4 في المئة العام الماضي 2024 ليصل إلى 2.7 تريليون دولار، وبحسب المستثمر في مجال التعدين روبرت فريدلاند فإن “الكثير من الطلب على النحاس طلب خفي، فحاجات الصناعات العسكرية من النحاس لا يتم الكشف عنها علناً”.

ومن أهم مشكلات الإنتاج أن أغلب مناجم النحاس الموجودة قديمة ويعود عمر بعضها إلى نحو قرن من الزمان، وبالتالي أصبحت أقل إنتاجاً، أيضاً الاستكشاف والتنقيب أصبح صعباً في السنوات الأخيرة.

ويقول تشارلز كوبر من شركة “وود ماكينزي” للاستشارات إن عدد المناجم الجديدة “غاية في الضآلة”، لذا يتوقع المحللون أن يبدأ النقص في معروض النحاس في السوق مقابل الطلب الظهور من هذا العام ويزيد العام المقبل 2026، إذ تقدر “وود ماكينزي” نقصاً في النحاس هذا العام بنحو 304 آلاف طن.

بالطبع، ومع اختلال معادلة العرض والطلب، أخذت أسعار المعدن الأحمر في الارتفاع، بل وصلت إلى قفزات غير مسبوقة منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وبحسب أسعار بورصة المعادن في لندن لهذا الأسبوع فإن سعر النحاس وصل إلى 11 ألف دولار للطن الواحد، مقارنة بـ8 آلاف ونصف قبل عام فحسب.

ويقول كوبر إن ارتفاع الأسعار مرشح للاستمرار في ظل نقص المعروض مقابل الطلب، ويرجع ذلك إلى أن من يقيمون مراكز البيانات الكبرى لا تهمهم الأسعار، وغالباً ما يزايدون على المشترين التقليديين للنحاس، ففي النهاية “يحرق” قطاع الذكاء الاصطناعي مئات المليارات من أموال المستثمرين والمقرضين باعتبار شركاته “ناشئة”.

ووصل الأمر بين محللي الأسواق إلى أن يطلقوا على النحاس أنه “الذهب الجديد” في إشارة إلى ارتفاع أسعار الذهب باضطراد مع زيادة الطلب في ظل محدودية المعروض.

ويقول الرئيس التنفيذي لشركة “آي آر أتش غلوبال تريدنغ” فينيت ميهرا إن “النحاس أصبح الذهب الجديد وإن أسعاره ستستمر في الارتفاع في ظل اختلال ميزان العرض والطلب في السوق.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى