عالمي

الموازنة البريطانية في مرمى الانتقادات… لكن للسوق رأيا آخر

ارتفع سعر صرف الجنيه الاسترليني في الأسواق بتعاملات صباح أمس الخميس، بعد ساعات من إعلان وزيرة الخزانة البريطانية راتشيل ريفز بيان الموازنة أمام البرلمان الأربعاء، والذي تضمن زيادة في الضرائب والإنفاق الحكومي، وتداول الاسترليني عند 1.32 دولار، بعدما هبط إلى 1.30 دولار قبل أيام.

وانخفض العائد على سندات الخزانة البريطانية، ما يعني ارتفاع سعرها نتيجة زيادة الطلب عليها، وتراجع العائد على سندات الدين السيادي البريطانية طويلة الأجل، لمدة 30 عاماً، بمقدار 11 نقطة أساس إلى نسبة 5.21 في المئة، وانخفض العائد على سندات الخزانة متوسطة الأجل، لمدة 10 أعوام، إلى نسبة 4.43 في المئة.

ويعدّ ردُّ فعل الأسواق الإيجابي، من خلال الإقبال على شراء الجنيه الاسترليني وسندات الخزانة البريطانية، المؤشرَ الأهم على استقبال المستثمرين للموازنة الجديدة، على رغم الجدل الشديد حولها بين السياسيين من مختلف ألوان الطيف السياسي البريطاني، والاقتصاديين الذين يميلون يميناً أو يساراً سياسياً.

في جولة صحافية صباحية، ردت وزيرة الخزانة على تلك الانتقادات، عبر مقابلات مع شبكات كبرى مثل “بي بي سي” و”سكاي نيوز” وغيرها، وعلى رغم نفيها أنها “خرقت” تعهدات حزب العمال الانتخابية بعدم زيادة الضرائب على الطبقة العاملة، فإنها أقرت بأن تجميد سقف شرائح الضريبة على الدخل ومدفوعات التأمينات الاجتماعية يضرّ بالطبقة العاملة فعلاً، لكنها أعادت التأكيد على أن ما تضمنته في بيان الموازنة ضروري من أجل الالتزام بقواعد السلامة المالية.

انتقادات ومواءمات

لم تتوقف الانتقادات لوزيرة الخزانة وحكومة رئيس الوزراء كير ستارمر منذ الإعلان في البرلمان الأربعاء وحتى صدور صحف الخميس، وكان الانتقاد الأهم أنها موازنة تزيد الضرائب وتثقل كاهل البريطانيين.

لم تقتصر الانتقادات على حزب المحافظين المعارض، وإنما جاءت أيضاً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لكن صيحات نواب حزب العمال الحاكم المهللة لبنود الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وزيادة معاشات التقاعد الحكومية، وتجميد زيادة أسعار تذاكر القطارات (للمرة الأولى منذ عقود)، وغيرها من أوجه الإنفاق مثل المليارات التي خُصصت لخدمة الصحة الوطنية وللإدارات المحلية في المناطق خارج العاصمة لندن، حققت لحكومة ستارمر “استعادة الحزب” إلى جانبها، ولو موقتاً.

في البرلمان، انتقدت زعيمة المعارضة رئيسة حزب المحافظين كيمي بادنوك وزيرةَ الخزانة بأنها “زادت الضرائب على العاملين وأصحاب معاشات التقاعد والمدخرين لتدفع لمتلقي المعونات الاجتماعية”. وقدرت بادنوك أن الموازنة الجديدة ستزيد المخصصات لـ560 ألف أسرة بنحو 5 آلاف جنيه استرليني (6.6 ألف دولار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت بادنوك في ردها على بيان الموازنة “ما كان يمكن أن تختاره (وزيرة الخزانة راتشيل ريفز) هو خفض الإنفاق على الرفاه الاجتماعي، وتوفير فرص عمل للعاطلين، وإدخالهم سوق العمل، لكنها اختارت أن تزيد الضرائب أكثر فأكثر”.

أما زعيم حزب الليبراليين الديمقراطيين السير إد ديفي فحذّر وزيرة الخزانة من أنها لا يمكن “أن تصل إلى تحقيق النمو بزيادة الضرائب”.

وانتقد زعيم اليمين المتطرف نايغل فاراج الموازنة واعتبرها “هجوماً على الطموحات والادخار”، لكن حتى أقصى اليسار لم يكن راضياً عن الموازنة، إذ انتقد زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي الموازنة لأنها لم ترفع الضرائب أكثر على “الأثرياء جداً”.

صدرت صحف اليمين مثل “ديلي تلغراف” وحتى “التايمز” تحمل عناوين مثيرة من قبيل “بريطانيا الآن أصبحت اشتراكية بامتياز”، و”أسوأ موازنة رفع ضرائب على الطبقة الوسطى في التاريخ”، و”موازنة الفوضى والمناقصات والنفاق”.

ولم تسلم وزيرة الخزانة راتشيل ريفز من الهجوم المباشر ومطالبتها بالاستقالة “هذه ليست موازنة، هذه مأساة شخصية… ريفز قريبة خطوة واحدة من أزمة مالية”.

إيجابيات وأخطار

على رغم ردّ الفعل الإيجابي من السوق على الموازنة، فإن بعض المحللين ما زالوا قلقين من احتمالات تراجع الثقة قليلاً، حتى على رغم ما تضمنته الموازنة من مضاعفة “فائض التحرك المالي” لدى الخزانة العامة إلى 22 مليار جنيه استرليني (29 مليار دولار).

يقول رئيس التحليل المالي في شركة “إي جيه بيل” داني هيوسن إنه “ألا يشهد سوق السندات عمليات بيع فهذا أمر مطمئن، وإجمالاً لاقت بنود الموازنة ردّ فعل إيجابياً من المستثمرين”.

لكن شركة “أوكسفورد إيكونوميكس” للاستشارات ترى أن هناك أخطاراً ما زالت قائمة، إذ يقول كبير الاقتصاديين في الشركة أندرو غودوين إن “رد الفعل الفوري من الأسواق كان إيجابياً، مع انخفاض العائد على سندات الخزانة لمدة 10 أعوام وارتفاع سعر صرف الجنيه الاسترليني، ومع أن رد الفعل الأولي إيجابي، إلا أننا نعتقد أن الثقة (في الاقتصاد البريطاني) ستتراجع مع تشكك الأسواق في مصداقية التزام الحكومة بتشديد سياساتها المالية قبل الانتخابات المقبلة، أو ما إذا كانت الزيادة في الضرائب ستوفر عائدات كافية للخزانة العامة”.

في تقريره حول توقعات الفترة المقبلة، الذي يصدر غالباً مصاحباً لبيان الموازنة، قدّر مكتب مسؤولية الموازنة، وهو هيئة مستقلة تراقب عمل الخزانة العامة، أن الدين العام سيرتفع من نسبة 95 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى نسبة 96.1 في المئة بنهاية العقد الحالي، أي في 2030. وقدر تقرير المكتب أن “الناتج المحلي الإجمالي سينمو بمعدل 1.5 في المئة في المتوسط في الفترة حتى نهاية البرلمان الحالي، أي بأقل بنسبة 0.3 في المئة عن التوقعات السابقة في مارس (آذار)”.

من المهم الإشارة إلى أن أغلب التحليلات الاقتصادية والمالية للموازنة تأخذ في الاعتبار ردّ فعل الأسواق الكارثي على موازنة حكومة المحافظين برئاسة ليز تراس في سبتمبر (أيلول) 2022، والتي أدت إلى انهيار كامل لثقة الأسواق في الاقتصاد البريطاني. ولم تستمر حكومة تراس أكثر من أسابيع في السلطة نتيجة ذلك، لذا، فإن ردّ فعل السوق الإيجابي على موازنة الحكومة العمالية يظل مؤشراً إيجابياً، حتى الآن، على السياسات المالية.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى