تونس تفرض ضريبة تصاعدية على الثروة بداية من العام المقبل

شمل مشروع قانون الموازنة في تونس لعام 2026 إجراءً ضريبياً جديداً تحت مسمى ضريبة تصاعدية على الثروة، وتعد هذه المبادرة الفريدة من نوعها في تونس جزءاً من خطة التنمية 2026 – 2030، التي تهدف إلى بناء نموذج اقتصادي قائم على العدالة الاجتماعية والإنصاف تروج له الحكومة التونسية.
إلا أن الهدف من فرضها واضح تماماً وهو تعزيز العدالة الضريبية من خلال توسيع نطاق الضريبة، وستطبق هذه الضريبة على الأفراد الذين يملكون أصولاً عالية القيمة في الأول من يناير (كانون الثاني) من كل عام، بما في ذلك تلك التي تخص أبناءهم القصر (تحت الوصاية).
إلى ذلك تقترح الموازنة لعام 2026 ضريبة تصاعدية بناءً على القيمة الإجمالية للأصول، وهي 0.5 في المئة للأصول التي تراوح ما بين 3 ملايين دينار (مليون دولار) و5 ملايين دينار (1.72 مليون دولار) وواحد في المئة للأصول التي تتجاوز 5 ملايين دينار (1.72 مليون دولار).
عقارات وأسهم في مرمى الضرائب
وستفرض ضريبة الثروة على مجموعة واسعة من الأصول تشمل العقارات والأصول التجارية والمنقولات المكتسبة والودائع المصرفية والاستثمارات المالية والأوراق المالية ورؤوس المال المحتفظ بها.
ووفقاً لاتفاقات تجنب الازدواج الضريبي تطبق هذه الضريبة على الأصول الموجودة في تونس، بغض النظر عن مكان إقامة المشمول والأصول الموجودة في تونس والخارج، إذا كان الدافع مقيماً في تونس وفقاً للتشريعات الضريبية السارية.
ولتجنب عرقلة الاستثمار أو فرض غرامات على السكن الضروري، ستعفى فئات عدة من الأصول مثل المسكن الرئيس والأثاث الموجود فيه والعقارات المخصصة للاستخدام المهني والأصول التجارية قيد التشغيل، والسيارات التي لا تتجاوز قدرتها 13 حصاناً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتحتسب قيمة الأصول الخاضعة للضريبة بعد خصم الالتزامات المرتبطة بها، ويتعين على دافعي الضرائب تقديم إقراراتهم الضريبية ودفعها قبل نهاية يونيو (حزيران) من كل عام، إما لدى الجهة الضريبية المتخصصة أو عبر منصة إلكترونية آمنة.
وتخضع إدارة هذه الضريبة ومراقبتها والتقاضي في شأنها للقواعد نفسها المنصوص عليها في قانون الحقوق والإجراءات الضريبية التونسي.
غنائم مالية متواضعة
من جانبه أشار المتخصص في الشأن الاقتصادي جمال بن جميع إلى أن “المشروع ورد في إطار الرغبة في تحقيق العدالة في توزيع الضرائب، إذ ينص على فرض ضريبة على الثروة تطبق على كل شخص طبيعي مقيم بتونس، وكذلك على التونسيين المقيمين بالخارج الذين يملكون عقارات في التراب التونسي”، وأوضح “تشمل القاعدة الضريبية جميع الأموال المنقولة والعقارات والأراضي
والمباني ومحافظ الأسهم والودائع المصرفية والسندات وأسهم الشركات وكل أصل مالي أو مادي موجود فوق التراب الوطني أو في الخارج، عندما يكون حاملها مقيماً في تونس، مع بعض الإعفاءات البديهية”، واصفاً إياها بـ”ضريبة زوكمان” تونسية (إشارة إلى ضريبة الاقتصادي الفرنسي زوكمان التي أثارت غضب الأثرياء في فرنسا عندما طرحت للنقاش بالبرلمان)، وأضاف “عن المعدلات
المحددة وهي 0.5 في المئة وواحد في المئة وفق حجم الثروة، فهي مسألة عدالة رمزية أكثر منها سلاحاً مالياً، فبالنظر إلى أن عدد السكان الذين يمتلكون أصولاً تتجاوز 3 ملايين دينار محدود للغاية في تونس لا يتجاوز بضعة آلاف من الأسر”.
وتابع بن جميع “وفقاً لتقديرات متقاطعة للودائع المصرفية وأصول الأراضي والأسهم المسجلة، حتى لو بلغت القاعدة الضريبية نحو 10 مليارات دينار (3.4 مليار دولار) كفرضية متفائلة فإن العائد الإجمالي من هذه الضريبة لن يتجاوز بالكاد 100 مليون دينار (31.4 مليون دولار) إلى 120 مليون دينار (34.4 مليون دولار)”، قائلاً “هذا مبلغ زهيد مقارنة بمعدل عجز الموازنة السنوي الذي
يتجاوز 9 مليارات دينار (3.1 مليار دولار)، ودين عام يقارب 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي”، مستدركاً “لكن في المقابل فإن تأثيره ليس ضئيلاً، إذ بإمكانه أن يحدث تحولاً أخلاقياً يتعلق بإعادة طرح فكرة المساهمة المناسبة مع القدرة الفعلية على دفع الضرائب وإشعار الطبقة المتوسطة بأنها لم تعد وحدها من يتحمل العبء الضريبي واستعادة بعض الثقة بالعقد الاجتماعي، وهو
باختصار مشروع مفيد سياسياً، ومفيد رمزياً، ولكنه محدود مالياً ولكي يصبح أداة حقيقية للتعافي يجب أن يكون جزءاً من إطار أوسع يفرض ضرائب دنيا فعالة على الشركات القابضة وضرائب على أرباح إيجارات العقارات، كذلك إمكان التتبع الرقمي للأصول”.
وأشار بن جميع “بعبارة أخرى تفرض ضرائب تونسية مرتفعة على الضعفاء ومنخفضة على الأقوياء، وفرض ضريبة على الثروة لا يصحح هذا الخلل في حد ذاته، ولكنه يرسي أسسه وهو نظام ضريبي لم يعد يكتفي بفرض الضرائب فحسب، بل يشكك أيضاً في مدى صدقية المساهمات، فعلى سبيل المثال بين ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة بنسبة 19 في المئة، والضرائب غير المباشرة على الاستهلاك مثل الوقود والتبغ والاتصالات ومساهمات الضمان الاجتماعي والرسوم الجمركية، يدفع المواطن العادي بالفعل ما بين 22 و26 في المئة من إجمال دخله للدولة، وأحياناً أكثر بالنسبة إلى المهن ذات الراتب المرتفع، هو معدل أعلى من المعدلات في دول مثل المغرب أو كينيا، وهو قريب من مستوى بعض الدول الأوروبية ذات المدخول الأعلى بكثير”.
من جهته، تساءل عضو المكتب التنفيذي بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مستقل) منير حسين عن المقاييس التي سيتم اعتمادها لتقييم الثروة الخاضعة للضريبة الجديدة، وقال “من المتوقع خضوع عملية التقييم في ذاتها للتجاذب إلى درجة النزاع، لا سيما وهي تشمل عقارات ومنقولات قابلة للتفاوت في التقييم، ومن غير المستبعد خضوع عملية تحديد قيمة الثروات للتلاعب والفساد”.
ثم عاد بن حسين ليشير إلى إيجابية الخطوة في المطلق من جهة اعتبارها جزءاً من العدالة الجبائية لكن تحدد مردوديتها بمدى إلحاق آليات رقابة شفافة عند تنفيذها وعدم خضوعها لآليات التلاعب، بينما لا ينتظر تحقيق مردود مالي مهم بخصوص المداخيل الذاتية للدولة، إذ لا تستجيب ضريبة الثروة على الأفراد لإكراهات التمويل العاجل للموازنة التونسي.
وبخصوص العدالة الضريبية والإصلاح الضريبي قال بن جميع “في المجمل فهو لا يطبق في إطار مناخ اقتصادي معتل يسوده التهرب الجبائي وتقوده لوبيات فساد قادرة على الإفلات من ضريبة الثروة مثلما راوغت الأداءات السابقة، وتظل دولة القانون والمؤسسات هي الضامن الأمثل للعدالة الضريبية”.



