هل يهدد الإغلاق الحكومي استقرار الأسر في أميركا؟

في ظل تفاقم الأزمة السياسية في واشنطن، تواجه الولايات المتحدة اختباراً إنسانياً قاسياً يتمثل في تهديد ملايين الأسر بفقدان الدعم الغذائي الحكومي.
ومع استمرار الإغلاق الحكومي الفيدرالي، تتسع دائرة القلق في البلاد من ارتفاع الجوع وتراجع قدرة بنوك الطعام على الاستجابة، في وقت تزداد فيه كلف المعيشة وتتقلص موازنات البرامج الاجتماعية.
الأزمة لم تعد مالية وحسب، بل مرآة لتصدع الثقة في مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية الفئات الأضعف.
قيود التمويل تشل الدعم الغذائي
في الأثناء، اضطرت الرئيسة التنفيذية لبنك الطعام “فيسينج هانجر فود بنك” في ولاية وست فرجينيا سينثيا كيركهارت، إلى تبرير قرارها بترشيد توزيع أكياس البطاطا هذا العام، بعدما أجبرت الزيادة الكبيرة في كلف الغذاء وتزايد الطلب البنك مما دفعه إلى تقليص الحصص، بعدما باتت موازنته غير قادرة على تغطية النفقات المتصاعدة.
ومع احتمال فقدان نحو 300 ألف شخص إعانات برنامج المساعدات الغذائية التكميلية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تبدو الأزمة الإنسانية على الأبواب.
فالبرنامج، الذي يعرف باسم “قسائم الغذاء”، يشكل مصدر الدخل الوحيد لكثير من العائلات المحدودة الموارد.
ما هو الإغلاق الحكومي؟
الإغلاق الحكومي يحدث عندما يفشل الكونغرس والبيت الأبيض في تمرير تشريعات التمويل الفيدرالي، مما يؤدي إلى توقف الأنشطة “غير الأساسية” في مؤسسات الدولة، وبموجب قانون منع العجز (Antideficiency Act)، تمنع الوكالات الحكومية من إنفاق أي أموال من دون تفويض تشريعي.
النتيجة الفورية هي تعليق عمل مئات آلاف من الموظفين الفيدراليين ووضعهم في إجازة قسرية بلا أجر، فيما يطلب من العاملين في القطاعات الحيوية كالجيش والأمن الاستمرار في الخدمة بلا رواتب إلى حين انتهاء الأزمة، وفي حين تصرف الرواتب بأثر رجعي لاحقاً، إلا أن الأثر المعيشي يكون فورياً ومؤلماً.
تشير بيانات منظمة “فيدينج أميركا” إلى أن أكثر من 50 مليون أميركي تلقوا مساعدات غذائية عام 2023، مقارنة بنحو 40 مليوناً في 2019، مما يعكس اتساع رقعة العوز.
وتؤكد تسعة بنوك طعام في ثماني ولايات لـ”رويترز” أنها تواجه صعوبة في تلبية الطلب المتزايد، خصوصاً في ظل تضخم الأسعار وتراجع التمويل الحكومي.
تقول الرئيسة التنفيذية لمجموعة “مانا فود بنك” في ولاية نورث كارولاينا كلير نيل، إن العمل الخيري لا يمكن أن يعوض غياب المساعدات الفيدرالية، مضيفة أن “كل وجبة نوفرها تعادل تسع وجبات يقدمها برنامج الإعانات الحكومي، ولا يمكننا سد هذه الفجوة بمفردنا”.
الانقسام السياسي يفاقم الأزمة
في غضون ذلك، يتبادل الديمقراطيون والجمهوريون الاتهامات في شأن مسؤولية تعطيل التمويل، إذ يسعى الديمقراطيون إلى منع ارتفاع كلف الرعاية الصحية، بينما يرفض الجمهوريون زيادة الإنفاق الحكومي.
وزارة الزراعة الأميركية أكدت أن تراجع الإعانات يمثل “نقطة تحول سياسية” داخل مجلس الشيوخ، بينما رفضت استخدام صندوق الطوارئ الذي يحوي 5 مليارات دولار لتغطية إعانات نوفمبر المقبل، مفضلة الاحتفاظ به للكوارث الطبيعية.
في المقابل، تدخلت بعض الولايات، إذ أعلنت كاليفورنيا ونيويورك تمويلات طارئة لبنوك الطعام، فيما أعلنت فرجينيا حالة الطوارئ لتأمين إعانات الشهر المقبل.
تاريخ من الإغلاقات… والنتيجة واحدة
لم يكن هذا الإغلاق الأول في تاريخ الولايات المتحدة، فقد شهدت البلاد إغلاقاً قياسياً في 2018–2019 استمر 35 يوماً بسبب الخلاف حول تمويل الجدار الحدودي مع المكسيك، أدى إلى تعطيل ربع الأنشطة الحكومية.
وسبقه إغلاق عام 2013 في عهد باراك أوباما دام 16 يوماً نتيجة الخلاف حول قانون “أوباما كير”، إضافة إلى إغلاق آخر عام 1995 خلال رئاسة بيل كلينتون استمر 21 يوماً.
وعلى رغم اختلاف المسببات، فإن القاسم المشترك بينها جميعاً هو أن التسويات النهائية كانت موقتة، مما يجعل الإغلاق ظاهرة متكررة تعكس هشاشة التوافق السياسي في واشنطن.
في ضوء الإغلاق الحكومي الحالي، يرى محللون اقتصاديون أن تبعات الأزمة تتجاوز آثارها الفورية على برامج المساعدات الغذائية، لتطاول الاقتصاد الكلي الأميركي برمته.
فتعليق الإنفاق الاتحادي يضغط على معدلات النمو خلال الربع الأخير من العام الحالي، بينما يؤدي تجميد الرواتب وتراجع الطلب الاستهلاكي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي في الأقل بنقطة مئوية واحدة، وفق تقديرات بنوك استثمار كبرى.
كذلك، يتوقع أن ترتفع معدلات التضخم بصورة غير مباشرة نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد الحكومية وارتفاع كلف التمويل، وفي حال طال الإغلاق لأسابيع إضافية، قد يمتد تأثيره إلى سوق العمل مع تباطؤ التوظيف في القطاعات المتصلة بالعقود الفيدرالية، ما يهدد بدخول الاقتصاد في دوامة تباطؤ جديدة.
خفض الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة
وعلى وقع الإغلاق الحكومية، خفضت وكالة التصنيف الائتماني الأوروبية “سكوب” تصنيف الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، مشيرة إلى “تدهور مستمر في المالية العامة وضعف في معايير الحوكمة”.
وخفضت الوكالة التي تتخذ من برلين مقراً لها بخفض التصنيف الائتماني لأكبر اقتصاد في العالم من “AA” إلى “- AA”.
وعلى رغم أن النظرة المستقبلية تحسنت حالياً من “سلبية” إلى “مستقرة”، جاء التقييم السياسي لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قاسياً للغاية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار تقرير للوكالة إلى ضعف معايير الحوكمة، لا سيما تآكل نظام الضوابط والتوازنات الراسخ، يقلل من إمكانية التنبؤ باستقرار السياسات الأميركية، لافتاً
إلى أن هذا الافتقار للقدرة على التنبؤ يظهر أيضاً في تعاملات واشنطن مع شركائها التجاريين الرئيسين، خصوصاً في سياسات الرسوم الجمركية، مما يزيد خطر الوقوع في أخطاء ضمن إدارة الشؤون السياسية اليومية.
وأعربت “سكوب” عن قلق خاص إزاء “التركيز المتزايد للسلطة داخل الفرع التنفيذي” الذي يفترض أن يخضع لرقابة الكونغرس، والمحاكم المستقلة.
أزمة ثقة تتجاوز الغذاء
وجاء في التقرير “لقد تحدت الإدارة في مناسبات عدة أوامر محاكم، وشككت في سلطتها القضائية، وتجاوزت رقابة الكونغرس، وقلصت من دور الوكالات المستقلة، مما أضعف الضمانات المؤسسية المصممة للحد من سطوة السلطة التنفيذية”.
وأضافت الوكالة أن أحد الأمثلة السلبية على ذلك هو العدد الكبير من المراسيم الرئاسية التي يستخدمها ترمب لفرض سياسات حكومته بصورة منفردة، مما يضعف دور الكونغرس.
وأشارت “سكوب” إلى أن “الاستقطاب السياسي المزمن”، و”ضعف فعالية الكونغرس المتزايد”، اللذين تفاقما جراء سلوك الحكومة، يتجليان في أزمة الموازنة الحالية، وهي ثاني أطول أزمة من هذا النوع في تاريخ الولايات المتحدة.
وأوضحت الوكالة أن هذا الانقسام يجعل التوصل إلى تسويات وتنفيذ الإصلاحات الضرورية أكثر صعوبة، لا سيما في مجالات مثل النظام الضريبي، والرعاية الصحية، والتقاعد.
ويرجح محللون أن تعيد هذه الأزمة فتح النقاش حول حدود السياسة المالية الأميركية، ومدى الحاجة إلى إصلاحات تضمن استقرار التمويل الحكومي بعيداً من التجاذبات الحزبية.أخيراً، لا تبدو أزمة الجوع الحالية مجرد نتيجة للإغلاق الحكومي، بل هي عرض لمشكلة أعمق تتعلق بقدرة الدولة الأميركية على إدارة الخلافات من دون الإضرار بمواطنيها.
ومع اقتراب موسم الشتاء وزيادة الإنفاق الاجتماعي، ستزداد الضغوط على الكونغرس للتوصل إلى حل مستدام.



