6 قوى تعيد رسم خريطة العقارات التجارية عالميا في 2026

بعد عام صعب شهد تقلبات كبيرة في الأسواق المالية والتجارية، تبدو آفاق سوق العقارات التجارية العالمية أكثر إشراقاً في 2026، مدعومة بتحسن الأساسيات الاقتصادية ونمو إيجابي في معظم الاقتصادات الكبرى وتراجع المخاوف التجارية واعتدال معدلات التضخم، إضافة إلى انخفاض أسعار الفائدة. ومع ذلك، فإن التفاعل بين التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية يضع القطاع أمام مرحلة معقدة، مليئة بالتحديات والفرص، ويقربه من تحول جوهري واسع النطاق.
ويحدد تقرير “النظرة العالمية للعقارات” لشركة جونز لانغ لاسال JLL، المتخصصة في إدارة العقارات والاستثمار، ست قوى رئيسة من المتوقع أن تعيد تشكيل القطاع خلال عام 2026، لتوفر للمستثمرين والمطورين والمستأجرين فرصاً استراتيجية، في وقت تتطلب التغيرات مستوى أعلى من المرونة والتخطيط المستقبلي.
بيئة الكلف المرتفعة: التركيز على الكفاءة أكثر من أي وقت مضى
تواجه المؤسسات في مختلف القطاعات بيئة تشغيلية أكثر كلفة، نتيجة تزامن ضغوط خارجية عدة، فقد ارتفعت كلف الاقتراض بفعل المخاوف المتزايدة حول الاستدامة المالية للحكومات، مما انعكس على كلفة الائتمان الخاص، بينما شهدت أسواق العمل زيادة في نفقات الرواتب نتيجة الضرائب الأعلى واستمرار فجوات المهارات ونقص الأيدي العاملة. وفضلاً عن ذلك، تواصل أسعار مواد البناء وأعمال التجهيز ارتفاعها، مع توقعات بمزيد من الضغوط الصعودية خلال العام الحالي.
وتشير التقديرات إلى أن التضخم الشامل في الكلف في أوروبا سيبلغ ما بين 2.7 وثلاثة في المئة في بريطانيا وألمانيا، مقابل 3.5 وأربعة في المئة في الولايات المتحدة، بينما تتوقع الأسواق الآسيوية ارتفاعاً أكبر مثل سنغافورة وأستراليا بنسبة تراوح ما بين خمسة وستة في المئة. وفي هذا السياق، أصبح التحكم في الكلف أولوية قصوى، إذ أكد 72 في المئة من قادة العقارات المؤسسية أن إدارة الموازنة وتحقيق الكفاءة التشغيلية يمثلان محور استراتيجياتهم في العام المقبل. ولتحقيق ذلك، ستتركز الجهود على ثلاثة محاور رئيسة، التدقيق الدقيق في بنود الموازنة وتحسين استخدام المساحات ورفع الكفاءة التشغيلية عبر الأتمتة والاستعانة بالمصادر الخارجية.
فعلى صعيد المستثمرين، يتطلب الأمر تحسين أداء الأصول من خلال الصيانة الاستباقية والإدارة الفاعلة للنفقات الرأسمالية، بينما سيخضع المستأجرون جميع النفقات التشغيلية للتدقيق، بدءاً من استهلاك الطاقة إلى كلف التجهيز والصيانة. وستكتسب الشراكات الاستراتيجية مع مزودي الخدمات الخارجية وتحسين سلاسل التوريد، أهمية أكبر في تعزيز الكفاءة وخفض الكلف.
ومع ذلك، يبقى التحدي في إيجاد التوازن بين خفض النفقات والحفاظ على إنتاجية الموظفين ومرونة العمليات وتجربة المستخدم والقدرة على جذب الكفاءات والاحتفاظ بها، مما يجعل الإدارة الاستراتيجية للكلف فناً بحد ذاته.
نقص المعروض من المساحات عالية الجودة: تحدٍ يتسع
يتوقع أن يشهد عام 2026 استمرار تراجع المعروض الجديد عبر معظم قطاعات العقارات التجارية في أميركا الشمالية وأوروبا، نتيجة حال عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع كلف البناء والتمويل وتباطؤ مشاريع التطوير خلال عام 2025. وسيزيد هذا الانخفاض في التوافر الضغوط على المستأجرين والملاك على حد سواء، مع تركيز الطلب على الأصول عالية الجودة.
في قطاع المكاتب، بلغ مستوى التطوير في الولايات المتحدة أدنى مستوياته، ومن المتوقع انخفاض عمليات التسليم بنسبة 75 في المئة خلال 2026، بينما جرى تأجير ثلاثة أرباع المشاريع الباقية مسبقاً. أما في أوروبا، فشهدت انطلاقات البناء أدنى مستوياتها منذ عام 2010، مع توقع تراجع التسليمات بنسبة خمسة في المئة العام المقبل. وستكون فجوات المعروض في المكاتب الفاخرة أكثر حدة في مدن رئيسة مثل نيويورك ولندن وطوكيو، مما يؤدي إلى ارتفاع الإيجارات وصعوبة إيجاد مساحات كبيرة ومتكاملة.
ولا يقتصر التراجع على المكاتب وحسب، بل يمتد إلى معظم أنواع الأصول الأخرى، بما في ذلك العقارات الصناعية واللوجستية التي من المتوقع أن تنخفض تسليماتها بنسبة 42 في المئة مقارنة بذروة عام 2023، نتيجة تراجع البناء المضاربي وزيادة المنافسة على الأراضي. ويقترب المعروض في قطاع التجزئة من أدنى مستوياته التاريخية في الأسواق الناضجة، بينما يظل تطوير الإسكان متعدد الوحدات محدوداً في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ. والاستثناء الأبرز يبقى قطاع مراكز البيانات الذي يواصل التوسع السريع، مع توقع نمو الطاقة الاستيعابية بنسبة 19 في المئة العام الحالي، مدفوعاً باستثمارات ضخمة من شركات الحوسبة العملاقة.
“التجربة” أصبحت المحرك الأساس للقيمة
في العالم الحديث، لم يعُد الموقع وحده ما يحدد قيمة الأصول، بل أصبحت تجربة المستخدم العامل الحاسم. وتشير الدراسات إلى أن أكثر من ثلثي الأشخاص حول العالم يتوقعون الآن تجارب شخصية عالية الجودة تعزز الصحة النفسية وتدمج التكنولوجيا بسلاسة، بزيادة قدرها خمسة في المئة عن عام 2024.
ومع نقص المعروض من الأصول الفاخرة، أصبح التركيز على تجربة المستخدم أمراً استراتيجياً للاستثمار في 2026، فالموظفون لا يرفضون المكاتب، بل يرفضون تجربة مكتب سيئة، لذلك تعمل الشركات المتقدمة على تحسين بيئة العمل بما يعزز رفاهية الموظف وأداء الأعمال، بدءاً من التصميم الداخلي للمباني وصولاً إلى الموقع والخدمات المحيطة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتظهر البيانات في الولايات المتحدة أن المكاتب في أحياء أسلوب الحياة التي توفر مرافق ترفيهية ومساحات خارجية، يمكن أن تحقق علاوة إيجارية تصل إلى 32 في المئة. ويؤكد الاستبيان أن 67 في المئة من الموظفين يفضلون العمل في أحياء نابضة بالحياة، وترتفع النسبة إلى 74 في المئة بين الفئة العمرية 25-34 سنة. ومع ارتفاع المنافسة على المواهب وظهور تأثير الذكاء الاصطناعي في طبيعة العمل، ستصبح التجربة محوراً رئيساً لتعزيز القيمة في جميع القطاعات والمناطق.
الذكاء الاصطناعي: التحول من الاختبار إلى التطبيق
شهد عام 2025 توسعاً سريعاً في تجارب الذكاء الاصطناعي في القطاع العقاري، حيث أطلقت 92 في المئة من الشركات الشاغلة للعقارات و88 في المئة من المستثمرين برامج تعتمد على الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يبرز تحدي “الفجوة بين الطموح والنتائج”، إذ إن 95 في المئة من المؤسسات لم تحقق بعد معظم أهدافها، مع استمرار محدودية قدرة بعض المشاريع على التوسع وتحقيق عوائد ملموسة.
وعام 2026، سيواجه القطاع ظاهرة “إرهاق التجارب”، نتيجة الاعتماد على برامج متعددة من دون إطار استراتيجي موحد. وتشير البيانات إلى أن 60 في المئة من المستثمرين يفتقرون إلى استراتيجية تقنية متكاملة، و70 في المئة من الشاغلين يفتقرون إلى خطة واضحة لإدارة التغيير المرتبط بالذكاء الاصطناعي. وسيصبح امتلاك كفاءات رقمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي واستراتيجية متكاملة لإدارة البيانات واتخاذ القرارات عاملاً حاسماً لقيادة التحول الرقمي في القطاع العقاري.
الطاقة والمباني: تكامل لا يمكن تجاهله
ستنتقل العلاقة بين العقارات والطاقة خلال العام الحالي من تداخل جانبي إلى اعتماد متبادل كامل، إذ لم يعُد موقع العقار وحده العامل الحاسم، بل أصبحت الطاقة الموثوقة والنظيفة وبأسعار معقولة شرطاً أساساً للتنافسية.
وتواجه شبكات الكهرباء العالمية ضغوطاً متزايدة مع الطلب المتسارع، خصوصاً في مناطق مراكز البيانات، حيث ارتفع الطلب العالمي على الطاقة بنسبة 21 في المئة عام 2025، ومن المتوقع أن يتضاعف أكثر من مرتين بحلول عام 2030. ومع البطء في توسع أنظمة الطاقة، أصبحت الكلف تمثل ما يصل إلى 26 في المئة من القيمة الإيجارية، مما يضع كفاءة الاستهلاك على رأس الأولويات.
وتتيح حلول الطاقة الموزعة للمباني أن تتحول من مستهلك سلبي للطاقة إلى عنصر فاعل في منظومة الكهرباء، من خلال توليد الطاقة وتخزينها وإدارتها والمشاركة في أسواق الطاقة المحلية. ومن المتوقع أن تحقق الأصول المدمجة بحلول الطاقة زيادة في الإيرادات تراوح ما بين 25 و50 في المئة مقارنة بالقيمة التقليدية، مما يفتح أفقاً جديداً في اقتصادات العقار والطاقة.
دمقرطة الاستثمار في العقارات التجارية
كثيراً ما كان الاستثمار في العقارات التجارية حكراً على المستثمرين المؤسسيين والأثرياء، نظراً إلى متطلبات رأس المال والخبرة التشغيلية وحواجز الدخول إلى السوق، إلا أن التغيرات التنظيمية والتطورات التكنولوجية وارتفاع الثروات الفردية، بدأت تفتح المجال أمام فئة أوسع من المستثمرين.
وتتيح سياسات مثل “اتفاق مانشن هاوس” في بريطانيا، والأوامر التنفيذية الأميركية التي أدرجت صناديق العقارات ضمن خطط التقاعد، لموجة جديدة من رؤوس الأموال دخول السوق خلال الأعوام المقبلة. كذلك أسهمت زيادة الثروات الشخصية بنسبة 265 في المئة منذ الأزمة المالية العالمية في ضخ سيولة إضافية، مما يعزز قدرة الأفراد على الاستثمار في العقارات عالية القيمة، بما في ذلك الحصص الجزئية ضمن المشاريع الكبيرة.
ويمثل هذا التحول بداية عصر جديد من “دمقرطة الاستثمار العقاري”، مع إمكانات غير مسبوقة للوصول إلى السوق للأفراد وصناديق التقاعد والمستثمرين من جميع الفئات، مع تعزيز الشفافية وتحقيق التنويع في المحافظ الاستثمارية.



