عالمي

شركات حكومية يكتنفها غموض الاختفاء في مصر

يظهر تقريران حكوميان في مصر، تراجعاً في أعداد الشركات المملوكة للدولة خلال الفترة ما بين سبتمبر (أيلول) عام 2024 والشهر ذاته من العام الحالي، إنفاذاً لسياسات تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي في البلاد، عبر ما يعرف باسم “وثيقة ملكية الدولة” التي دشنت عام 2022 بغرض إفساح المجال للقطاع الخاص الوطني والأجنبي، ومنحه الفرصة من دون مزاحمة أو منافسة أو تقييد.

والتقريران الصادران عن مركز معلومات مجلس الوزراء في مصر بعنوان “موقف الشركات المملوكة للدولة” بنسختي سبتمبر 2024 وسبتمبر الماضي، كشفا عن تراجع عدد الشركات الحكومية من 709 شركات إلى 561 شركة، مما يعني خروج 148 شركة من مظلة الملكية الحكومية إلى ملكيات أخرى لم يحددها التقريران.

وتكشف الإحصاءات التي طالعتها “اندبندنت عربية” عن أن نحو ثلثي تلك الشركات يحقق أرباحاً، في حين يتكبد الثلث الأخير خسارة متباينة، لكن اللافت في سبتمبر عام 2024 أن الدولة كانت تسهم في 163 شركة من الـ709 شركات بنسبة تتجاوز 75 في المئة، قبل أن تتسع تلك النسبة في العام التالي لتشمل 257 شركة من أصل 561 شركة مملوكة للدولة.

تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي

هنا ربما يتناقض مسار تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي المعلن عام 2022 مع نسب زيادة المساهمة في الشركات، أو بمعنى آخر، تبيّن أن الدولة تعزز حضور ملكيتها على نحو أكبر عبر امتلاك مزيد من الأسهم في عدد أكبر من الشركات المملوكة للدولة.

 

ووفق ما نصت عليه وثيقة ملكية الدولة، فإن الحكومة ملزمة التخارج من جميع استثماراتها وملكياتها في نحو 79 نشاطاً ضمن القطاعات المختلفة، والبقاء في 45 نشاطاً، مع الاتجاه لخفضها والسماح بمشاركة أكبر للقطاع الخاص، من بينها صناعات الأسمنت والحديد والألمنيوم واللحوم والطيور والأعلاف والألبان والسجائر والدخان ومحطات توليد الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع ومحطات معالجة مياه الصرف.

ووفقاً للوثيقة، قررت الحكومة الإبقاء على استثماراتها في نحو 27 نشاطاً مع الاتجاه لزيادتها مستقبلاً، ويتعلق معظمها بأنشطة البنية التحتية والقطاعات ذات الأبعاد الاستراتيجية والاجتماعية مثل التعليم والصحة، مع السماح بمشاركة القطاع الخاص في بعضها.

وزارة قطاع الأعمال المصرية

“اندبندنت عربية” توجهت إلى وزير قطاع الأعمال محمد شيمي الذي تملك وزارته 26 في المئة من الشركات الحكومية في مصر، للاستفسار حول مصير 148 شركة كانت مملوكة للدولة حتى سبتمبر عام 2024 قبل أن تختفي من القائمة بحلول سبتمبر الماضي، والتعرف إلى أسباب زيادة الحضور الحكومي في شركات أخرى مملوكة للدولة، إلا أنه لم يعقب.

وأجمع اقتصاديون خلال حديثهم إلى “اندبندنت عربية” على أهمية تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي لمصلحة القطاع الخاص، ما من شأنه دخول الاستثمارات الأجنبية والوطنية إلى السوق بصورة أوسع، وجعل الاقتصاد أقوى وأكثر مرونة وصلابة في مواجهة الأزمات.

على رغم ذلك، يفضل آخرون التريث قليلاً قبل استئناف برنامج الطروحات الحكومية وتخارج الدولة من حصصها في بعض الشركات العامة لحين توافر الظروف المثلى التي تضمن تحقيق العائد المجزي لعملية التخارج، خصوصاً بعد ما شهدته المنطقة من اضطرابات وحروب.

الحد من إنشاء شركات جديدة

ولم يخفِ الرئيس السابق للهيئة العامة للرقابة المالية في مصر شريف سامي أن وجود الدولة عبر شركاتها في بعض الأنشطة الاقتصادية يزعج بعضهم لأنه قد يؤثر في المنافسة سواء بين القطاع الخاص المصري والأجنبي، أو تلك الكيانات مجتمعة والحكومة، مما يفسر توجه الدولة نحو الحد من إنشاء شركات جديدة والعمل على التخارج من بعض الأنشطة.

 

ويتوقع أن تكون مواصلة مسار التخارج الحكومي من النشاط الاقتصادي في مصر على رأس أولويات الحكومة المقبلة، لتستأنف بذلك السياسات التي عملت بها الحكومة الحالية، فمن غير المرجح، بحسب سامي، أن تحيد الحكومة المقبلة عن هذا المسار الإصلاحي بفعل ارتباط مصر باتفاقات معلنة مع صندوق النقد الدولي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أبدت الحكومة المصرية عزمها استئناف برنامج الطروحات الحكومية، وأقرّ رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن برنامج الطروحات الحكومية تعرض لنوع من التأخير بسبب الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة وتداعياتها، في وقت تطالب مؤسسات دولية في مقدمها صندوق النقد الدولي بضرورة إنجازه وفق الجدول الزمني المتفق عليه ضمن اتفاق الإقراض.

حضور الدولة في النشاط الاقتصادي

من جانبه يرى المتخصص الاقتصادي المصري هاني توفيق أن برنامج الطروحات الحكومية الذي تتبناه بلاده بمثابة مقياس لمدى جدية الدولة في التخارج من النشاط الاقتصادي، ويعتقد بأن حضور الدولة في النشاط الاقتصادي يجعلها عند الاختصام في مجال الاستثمار هي الخصم والحكم.

ويؤيد توفيق الذي كان مهندساً قبل أكثر من عقدين لبرنامج خصخصة الشركات العامة، انسحاب الحكومة من منافسة القطاع الخاص بصورة تدريجية ومنظمة، ويرى أن ترك النشاط الاقتصادي على نحو صريح وواضح للقطاع الخاص أمر يخدم الاقتصاد المصري ويجذب الاستثمارات، خصوصاً مع وجود قطاع خاص أقوى حين خروج الدولة من النشاط الاقتصادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفقاً لتقرير حديث لوزارة المالية، فإن الحكومة نفذت قرابة 21 صفقة تخارج ضمن برنامج الطروحات الحكومية محققة حصيلة بيع إجمالية تقدر بنحو 6 مليارات دولار، وفي نهاية عام 2024 قال رئيس الوزراء إن حكومته تخطط لطرح 10 شركات حكومية خلال عام 2025 تتنوع بين طرح في البورصة المصرية والاستثمار المباشر، بينها أربع شركات مملوكة للقوات المسلحة المصرية.

الدولة جادة في أمر التخارج

ويتفق مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية عبدالمنعم السيد مع الرأيين السابقين حول ضرورة تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي، لما له من فوائد عدة وتحفيز للقطاع الخاص، وجذب مزيد من الاستثمارات الوطنية والأجنبية إلى السوق، إلا أنه يفضل التريث وتحيّن الظروف المناسبة ضماناً لتحقيق أفضل العوائد.

ويوضح أن الدولة جادة في أمر التخارج من النشاط الاقتصادي، بدليل طروحاتها السابقة في عدد من الشركات العامة، إلا أن استئناف هذا البرنامج يحتاج إلى ما يكفي من الدراسة تجنباً للخسارة وطرح الشركات بقيمة متدنية، في ظل ما تشهده المنطقة من ظروف واضطرابات عصيبة.

والاستفادة المثلى من الطروحات تتحقق حين تتهيأ الدولة وتستعد لذلك، وتختار الوقت الأمثل والظروف الداعمة، حفظاً للمال العام والأصول المملوكة للدولة وعدم التفريط بها بأسعار وقيم أقل من الأسعار والقيم العادلة، بحسب ما يقول السيد.

دور الدولة في الاقتصاد

وبينما يطالب صندوق النقد الدولي القاهرة، بسرعة العمل على تقليص دور الدولة في الاقتصاد بصورة حاسمة وتوفير فرص متكافئة لجميع الأطراف الاقتصادية، يشير مدبولي إلى أن حكومته تعمل على التوسع في عدد الشركات التي ستطرح خلال الأعوام الثلاثة المقبلة على القطاع الخاص، ويرى أن الإعلان المبكر عن برنامج الطروحات الحكومية ليس من الصواب، لما له من تأثير سلبي في قيمة الأصول المطروحة.

 

ويلفت تقرير متابعة تنفيذ “سياسة ملكية الدولة للأصول”، الصادر عن مركز معلومات مجلس الوزراء المصري، إلى نجاح الدولة في تنفيذ 48 في المئة من المراحل الأربع المتضمنة في برنامج الطروحات الممتد من (2022 – 2025) بإجمالي حصيلة 5.86 مليار دولار.

ويشرح أن آليات الطرح تنوعت ما بين البيع الكلي أو الجزئي لمستثمر محلي أو أجنبي، أو من خلال البيع في البورصة المصرية، أو زيادة رؤوس أموال بعض الشركات المملوكة للدولة، إضافة إلى استثمارات معززة للتنمية السياحية في مصر.

متطلبات الإصلاح ورهانات السوق

ووفّر برنامج الطروحات الحكومية لخزانة البلاد نحو 35 مليار دولار خلال الفترة ما بين عام 2012 وعام 2024، ومن بين ما شملت البنك التجاري الدولي والمصرف المتحد، و”فوري للتكنولوجيا” وشركات “أبوقير للأسمدة” و”موبكو للأسمدة” و”الإسكندرية لتداول الحاويات” و”الشرقية للدخان” و”المصرية للاتصالات” و”باكين” و”الحفر المصرية” خلال الفترة المذكورة.

في المحصلة، يبدو أن ملف تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي يقف عند مفترق طرق بين التزامات دولية تتطلب تسريع الوتيرة، واعتبارات داخلية واقعية تدفع إلى التريث وانتقاء اللحظة المناسبة لضمان حماية الأصول العامة وتعظيم عوائدها.

وبين مسار مخطط وواقع اقتصادي سريع التغير، يظل نجاح البرنامج مرهوناً بقدرة الحكومة المقبلة على تحقيق التوازن الدقيق بين متطلبات الإصلاح ورهانات السوق، بما يضمن انتقالاً سلساً ومدروساً نحو اقتصاد تقوده المنافسة العادلة ويحفّزه قطاع خاص أكثر جاهزية وصلابة.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى