هل تنهار الأسواق في 2026؟

مع مرور أسبوع في العام الجديد 2026، تواصل الأسواق الكبرى حول العالم ارتفاع مؤشراتها في المتوسط، على رغم التذبذب الطفيف.
يأتي ذلك على رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، من التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، إلى التظاهرات الواسعة المستمرة في إيران، مروراً باستمرار حرب أوكرانيا، وزيادة التوتر في مضايق تايوان.
وبنهاية العام الماضي، كان حديث غالب المعلقين والمحللين، ومذكرات شركات الاستثمار الموجهة للعملاء، وتقارير البنوك الاستثمارية، يتمحور حول احتمالات “انفجار فقاعة“، بما يعني أخطار هبوط حاد في الأسواق، أو حتى “انهيار”.
وفي المقدمة كان الحديث، وما زال، عن “فقاعة الذكاء الاصطناعي”، يليه التحذير من “فقاعة الديون العالمية”، ثم الحديث عن “فقاعات” أخرى أقل نطاقاً وحجماً، بما في ذلك “فقاعة الأسهم” مع استمرار ارتفاع مؤشرات الأسواق بصورة مضطردة.
مع ذلك، لم تتأثر الأسواق كثيراً، ولا حتى كما حدث مطلع شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، حين هوت مؤشرات السوق الأميركية مع إعلان الرئيس دونالد ترمب فرض تعريفات جمركية على العالم كله تقريباً، وقتها هبط مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” القياسي من أكثر من 5600 نقطة إلى أقل من 5 آلاف نقطة.
لكن ترمب أعلن لاحقاً تأجيل التعريفات الجمركية وخفضها على بعض الدول، وبنهاية الشهر كان مؤشر الأسهم قد استعاد ما فقده، وأخذ في الارتفاع ليقترب هذا الأسبوع من مستوى 7 آلاف نقطة.
السوق الأميركية مثال عالمي
تمثل السوق الأميركية أكثر من 60 في المئة من أسواق الأسهم العالمية، ومنذ عام 1990 تنمو تلك السوق بمعدل متوسط سنوي أفضل من بقية الأسواق الكبرى في العالم، وبالتالي فإن تصرف المستثمرين فيها يعد مثالاً ونموذجاً لوضع أسواق الأسهم العالمية كلها.
ويتساءل المعلق الاقتصادي هاميش ماكري، في عموده بموقع “آي نيوز” البريطانية هذا الأسبوع، عما يجعل الأسواق لا تهتم كثيراً بما يفعله دونالد ترمب أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو الرئيس الصيني شي جين بينغ، وتهتم أكثر بأسعار الفائدة ومؤشرات سوق الائتمان.
ويجيب أن ذلك “إما توهم، أو اعتقاد لدى المستثمرين بأن الشركات الكبرى ستستمر في تحقيق الأرباح بغض النظر عما يجري من حولها”.
لكنه يصل إلى استنتاج مفاده بأن المستثمرين في أسواق الأسهم يواصلون دفع مؤشرات الأسواق إلى أعلى ما دام أنهم مقتنعون بقدرة الاقتصاد الأميركي، والاقتصاد العالمي عموماً، على الصمود أمام التحديات.
ويدعم ماكري هذا الاستنتاج بوجود عاملين رئيسين يدفعان الاقتصاد الأميركي: استمرار خفض أسعار الفائدة من ناحية، ودعم السيولة المالية الناتج عن زيادة عجز الموزانة، الذي وصل إلى نحو ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، من ناحية أخرى.
لكن إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه العوامل “مستدامة”، بمعنى قدرتها على دعم الاقتصاد الأميركي، وبالتالي الحفاظ على المزاج الاستثماري في أسواق الأسهم إيجابياً؟ هذا ما يقود إلى التساؤل الذي طرحه المحلل الاقتصادي للأسواق سبنسر جاكاب في عموده الأسبوعي بصحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، الذي جاء بعنوان: “هل تنهار أسواق الأسهم في 2026؟”.
ذلك هو السؤال الذي يساوي 64 تريليون دولار، وهو حجم سوق الأسهم الأميركية حالياً، ومع أنه يصعب، أو يكاد يستحيل، على أي شخص التنبؤ بموعد حدوث انهيار في السوق، فإن المستثمرين غالباً ما يعتمدون على التوقعات والتقديرات في اتخاذ قراراتهم في شأن محافظهم من الأسهم والسندات وغيرها من الأوراق المالية.
دورات الهبوط والانهيار
يقيس المحللون والاقتصاديون توقعاتهم باستخدام نماذج تعتمد على تحركات السوق والعوامل المؤثرة في قرارات الاستثمار في الأسهم والسندات، وكذلك بالاستناد إلى التجارب السابقة لهبوط الأسواق في دوراتها المتكررة تاريخياً من الانخفاض والارتفاع. ويفيد ذلك كثيراً المضاربين من المستثمرين الذين يعتمدون على شراء وبيع الأسهم باستخدام عقود الخيارات (Options)، استناداً إلى تقديراتهم لهبوط السوق أو ارتفاعه، مما يمكنهم من تحقيق أرباح مضاعفة إذا صحت توقعاتهم.
وقد حدث ذلك مع من توقعوا انهيار الأسواق في أعوام 1929 و1987 و2007، ويمكن للمستثمرين المضاربين تحقيق أرباح كبيرة من تذبذبات السوق، لكن الانهيار في الأسهم ليس متكرراً بطريقة دورات السوق من الارتفاع والهبوط، حتى لو كان الهبوط حاداً.
فالانهيار يشبه الزلازل، التي يستحيل حتى على العلماء تحديد موعد حدوثها بدقة، ومع ذلك، هناك من يعتمد على الحدس وقدرته على الشعور بالاهتزاز المبكر قبل وقوع الزلزال، لذا ينصح جاكاب المستثمرين بالتعامل مع احتمالات الانهيار كما تتعامل شركات التأمين مع الكوارث الطبيعية التي تكلفها تعويضات هائلة، وذلك من خلال بناء محافظ أسهم بأسس قوية قادرة على الصمود أمام الانهيار وتقليل الخسائر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير غالب المسوح واستطلاعات الرأي بين المستثمرين في شأن احتمالات الانهيار في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” خلال الـ12 شهراً المقبلة إلى نسبة تقارب 30 في المئة، ويرجح أستاذ الاقتصاد في جامعة ييل روبرت شيلر، نسبة مماثلة عند 31 في المئة لاحتمال حدوث انهيار في الأسهم.
وهي نسبة ليست بسيطة، لكنها لا تعكس بالضرورة واقع تصرفات المستثمرين الذين يواصلون ضخ أموالهم في سوق الأسهم، خصوصاً المضاربين.
فغالب هؤلاء المستثمرين يقدرون أن احتمالات حدوث انهيار في الأسهم خلال عام 2026 لا تتجاوز ثمانية في المئة، كذلك يقدر كبير الاقتصاديين في شركة “تي إس لومبارد” ستيفن بليتز، احتمالات انهيار الأسهم هذا العام بنسبة تتراوح بين 8 و10 في المئة.
مؤشر البؤس
مما يعزز ثقة المستثمرين بأن الانهيار يبدو بعيد الاحتمال إلى حد ما، أن النموذج التاريخي للانهيارات يشير إلى أنها تحدث كل فترة تتراوح بين 10 و12.5 سنة، وكان آخر انهيار كبير قبل نحو ست سنوات، في ذروة أزمة جائحة كورونا التي أدت إلى إغلاق اقتصادات العالم تقريباً، وبالتالي بالكاد تعد فترة الصعود الحالية قد تجاوزت نصف دورة الانهيار التاريخية.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أخطار حقيقية لاحتمالات الانهيار، على عكس ما تشير إليه بعض السيناريوهات ونماذج التوقع، فالعامل الأهم الذي يشير إلى زيادة احتمالات الانهيار، ويمكن اعتباره بمثابة الشعور المبكر بالاهتزاز الذي يسبق الزلزال، هو ارتفاع ما يسميه الاقتصاديون والمحللون مؤشر “البؤس”، وهو المزيج من ارتفاع التضخم والبطالة معاً، وهو ما تظهر عليه مؤشرات واضحة حالياً.
ومن شأن ارتفاع مؤشر البؤس أن يجعل أسعار الأسهم أقل جاذبية، مقارنة بأسعار السلع والخدمات في الاقتصاد الحقيقي.
وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الأسهم حالياً وصلت إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً، وأصبحت أغلى من أي معدل سابق، وهو ما يجعل احتمالات انهيارها هذا العام أكبر من التقديرات المستندة فقط إلى النماذج والأمثلة التاريخية.



