عالمي

هل تضرب خطة حزب “العمال” أسعار المنازل في بريطانيا؟

عندما أطلق رئيس الوزراء البريطاني السابق هارولد ويلسون حملة بناء المساكن عام 1964، استحضر روح التعبئة الوطنية التي سادت بريطانيا في زمن الحرب، آملاً في إطلاق نهضة عمرانية كبرى، ونجحت حكومته العمالية في تشييد أكثر من 400 ألف منزل سنوياً بحلول عام 1968، وهو رقم قياسي لم يُكسر حتى اليوم.

وبعد نحو ستة عقود، تجد حكومة كير ستارمر نفسها أمام أزمة إسكان مماثلة، فيما تعهد حزب “العمال” ببناء 300 ألف منزل سنوياً، أي ما مجموعه 1.5 مليون منزل بحلول عام 2030، في ما يصفه بثورة سكنية تعيد التوازن إلى السوق العقارية البريطانية.

غير أن الرسالة التي رافقت الخطة أثارت جدلاً واسعاً، بعدما أشار وزير الإسكان ماثيو بينيكوك إلى أن زيادة المعروض السكني بنسبة واحد في المئة قد تؤدي إلى خفض الأسعار بنسبة اثنين في المئة، معتبراً أن البناء المكثف سيقود إلى “استقرار مستدام” في نمو الأسعار يعقبه تراجع تدرجي مع مرور الوقت.

ركيزة أساسية لخطط التقاعد

هذا الطرح لاقى صدى لدى الشباب العاجزين عن دخول سوق العقارات، لكنه أثار بالمقابل مخاوف شريحة واسعة من الملاك الذين يخشون تآكل قيمة ممتلكاتهم، فالعقار يمثل نحو 40 في المئة من ثروة الأسر في المملكة المتحدة، ويُعدّ ركيزة أساسية لخطط التقاعد.

يقول البروفيسور بول تشيشاير من كلية لندن للاقتصاد لصحيفة “تليغراف”، إن هناك توتراً متزايداً بين “مالكي السكن” و”المحرومين منه”، مشيراً إلى أن الكفة تميل سياسياً نحو الفئة الثانية.

وفي محاولة لاحتواء القلق، خرج وزير الإسكان ستيف ريد ليؤكد أن الحكومة لا تسعى إلى خفض أسعار المنازل التي يملكها المواطنون، بل إلى جعل السوق أكثر قدرة على استيعاب المشترين الجدد.

لكن الأرقام تكشف تحدياً كبيراً، فالحكومة تقول إنها بدأت بناء 310 آلاف منزل منذ توليها السلطة في 2024، بمعدل شهري يبلغ 17200 وحدة، غير أن بلوغ الهدف المعلن يتطلب تسريع الوتيرة إلى نحو 28 ألف منزل شهرياً خلال الأعوام المتبقية.

نقص حاد في المساكن منذ عقود

يرى توم بيل من شركة “نايت فرانك” أن افتراض انخفاض الأسعار تلقائياً مع زيادة العرض يتجاهل آليات عمل القطاع، موضحاً أن شركات التطوير تبني وفق وتيرة وهوامش ربح تضمن استدامة أعمالها، لا وفق الشعارات السياسية.

وتعاني المملكة المتحدة نقصاً حاداً في المساكن منذ عقود، إذ ارتفعت الأسعار بنحو 250 في المئة منذ عام 2000، مما دفع كثراً إلى الإيجار أو البقاء في منازل ذويهم. وبينما يحمّل بعض الوزراء شركات التطوير مسؤولية الأزمة، يرفض مطورون عقاريون اتهامهم باحتكار الأراضي لرفع الأسعار، معتبرين أن ذلك يتنافى مع منطق الأعمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سياسياً، تعكس التصريحات المتباينة انقساماً داخل الحزب بين جناح يساري يدفع نحو تدخل أعمق في السوق، وآخر أكثر حذراً من خسارة أصوات الملاك الذين تحولوا من “المحافظين” إلى “العمال” في الانتخابات الأخيرة، إذ أظهر استطلاع أجرته “إبسوس” تقدماً لحزب العمال بين حاملي الرهون العقارية وتقليص الفجوة مع المحافظين بين الملاك بالكامل.

وتعوّل الحكومة بصورة رئيسة على إصلاحات تخطيطية لتسريع البناء، إضافة إلى استثمار 39 مليار جنيه إسترليني (53.2 مليار دولار) في الإسكان الاجتماعي والميسر، وخطة لإنشاء بلدات جديدة في أنحاء البلاد.

غير أن مراقبين يحذرون من أن طرح أعداد كبيرة من الوحدات دفعة واحدة قد يؤدي إلى شواغر مرتفعة وضغوط سعرية سلبية، مما قد يشكل “صفقة سيئة” للمطورين حتى لو بدت مفيدة للمستهلكين.

ومع اقتراب الكشف عن استراتيجية إسكان جديدة خلال الأشهر المقبلة، يبقى السؤال ما إذا كان حزب “العمال” قادراً على تحقيق وعوده من دون زعزعة ثقة الملّاك الذين يشكلون ثقلاً سياسياً واقتصادياً لا يستهان به.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى