عالمي

هل تتحول شركات السيارات البريطانية إلى الصناعات الدفاعية؟

تواجه صناعة السيارات البريطانية أكبر أزمة تتعرض لها منذ ثلاثة أرباع قرن من الزمن، تحديداً منذ عام 1952، مع خفض الإنتاج إلى أدنى مستوى له لم يشهده منذ أكثر من 70 عاماً.

هذا الهبوط لم يحدث سوى خلال أزمة وباء كورونا، حين أدى الإغلاق الاقتصادي العالمي إلى تعطل المصانع.

تضافرت عوامل عدة لتعمق أزمة صناعة السيارات في بريطانيا إلى هذا الحد، من بينها انهيار الصادرات إلى الخارج، خصوصاً إلى السوق الأوروبية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، إضافة إلى غزو السيارات المستوردة للسوق البريطانية، وكذلك إغلاق شركات صناعة السيارات الأجنبية مصانعها في بريطانيا.

تعود بداية أزمة القطاع إلى سنوات مضت، مع استحواذ شركات صينية وهندية وأميركية وأوروبية على شركات صناعة السيارات البريطانية التقليدية.

ومع أن تلك الشركات الأجنبية أبقت على مصانع سيارات لها في بريطانيا، فإنها بدأت إنتاج تلك السيارات في بلدانها ودول أخرى بغرض التصدير.

وتفكر بعض شركات السيارات البريطانية حالياً في التحول إلى الصناعات الدفاعية، أسوة بنظيراتها الأوروبية، مع اتجاه حكومات القارة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدراتها العسكرية في ظل سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ تضغط واشنطن على الأوروبيين لزيادة مساهمتهم في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل وتهدد سياسات ترمب بالتخلي عن الالتزام الأميركي، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بحماية حلفائها الأوروبيين عسكرياً.

أسوأ خفض لإنتاج السيارات

ربما تسعى شركات صناعة السيارات البريطانية إلى تنويع إنتاجها عبر تحويل بعض خطوط الإنتاج إلى الصناعات الدفاعية كي تستمر المصانع في العمل، بحسب ما نشرت صحيفة “فاينانشيال تايمز” استناداً إلى التقرير الأخير لجمعية مصنعي وتجار السيارات البريطانية.

ويأتي ذلك بعدما شهد العام الماضي خفض إنتاج السيارات المصنعة في بريطانيا إلى أدنى مستوى له منذ خمسينيات القرن الماضي.

وحسب أرقام تقرير الجمعية، انخفض إنتاج السيارات والشاحنات في بريطانيا خلال عام 2025 بنسبة لا تقل عن 15.5 في المئة مقارنة بعام 2024، ليصل عدد ما تم إنتاجه إلى 764 ألفاً و715 سيارة وشاحنة.

ويرجع هذا الهبوط الكبير إلى تراجع الصادرات بقوة، خصوصاً بعد فرض إدارة ترمب رسوماً جمركية على واردات الولايات المتحدة من السيارات.

ويضاف إلى تراجع الصادرات الهجوم الإلكتروني الذي أدى إلى إغلاق مصانع “جاغوار” و”لاند روفر” لأكثر من شهر العام الماضي، كذلك هوى إنتاج السيارات التجارية بنسبة 62 في المئة بعد إغلاق شركة “ستيلانتيس” مصنعها للسيارات في لوتون شمال لندن.

ونتيجة هذا الهبوط الحاد في إنتاج السيارات والشاحنات، فإن كثيراً من المنتجين يتطلعون إلى قطاعات أخرى يمكنهم التوريد لها، كذلك يقول الرئيس التنفيذي لجمعية مصنعي وتجار السيارات البريطانية مايك هوز.

 وبعد تعهد حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر بزيادة الإنفاق الدفاعي، تشجع الجمعية أعضاءها من شركات السيارات على تنويع إنتاجها والدخول في الصناعات الدفاعية.

التحول من السيارات إلى الدفاع

يشير تقرير الصحيفة إلى أنه عندما سئل رئيس الجمعية عما إذا كانت شركات السيارات قادرة على تصنيع الطائرات المسيرة وغيرها من المنتجات الدفاعية، لم يرد بصورة مباشرة أو يقدم تفاصيل، إلا أن مايك هوز قال “أساساً، تمتلك الشركات المهارات والقدرات، والمشكلة تكمن في ما إذا كان يمكن التوريد للصناعات الدفاعية التي تفضل، قدر الإمكان، شراء ما يصنع في بريطانيا”.

في أوروبا، بدأت بعض شركات صناعة السيارات التحول إلى هذا الاتجاه عبر تغيير بعض خطوط الإنتاج غير المستغلة جيداً لأغراض دفاعية، مستفيدة من توجه زيادة الإنفاق الدفاعي في دول القارة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأخيراً توصلت شركة “رينو” لصناعة السيارات إلى اتفاق مع شركة الصناعات الدفاعية الفرنسية “ترغيس غيلارد” لصناعة مسيرات عسكرية.

وربما تستهدف شركات صناعة السيارات البريطانية، من خلال التحول إلى الصناعات الدفاعية، التصدير إلى أوروبا أكثر من التوريد للسوق المحلية، إذ تتطلع تلك الشركات إلى السوق الأوروبية التي تخطط للتوسع في قدراتها العسكرية الذاتية، في مواجهة احتمال ضعف حلف “الناتو”.

وتمثل أوروبا وجهة التصدير الأكبر والأهم لصناعة السيارات البريطانية، باعتبار دول الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا، ومع ذلك، يصعب توقع أن يعوض التحول إلى إنتاج المعدات العسكرية التدهور في صادرات السيارات.

انهيار الصادرات

انخفضت صادرات السيارات المصنعة في بريطانيا إلى الولايات المتحدة خلال عام 2025 بنسبة 18 في المئة، كذلك تراجعت الصادرات إلى الصين بنسبة 12.5 في المئة، أما الصادرات إلى أوروبا، أكبر أسواق التصدير، فانخفضت بنسبة 3.3 في المئة.

وأسهم في تفاقم الأزمة أيضاً إغلاق شركات أجنبية مصانعها في بريطانيا، مثل “ستيلانتيس” و”هوندا” و”فورد”.

وبلغ إجمال إنتاج السيارات في بريطانيا العام الماضي 717 ألفاً و371 سيارة وشاحنة، وهو أدنى مستوى للقطاع منذ عام 1956.

وتستهدف بريطانيا إنتاج 1.3 مليون سيارة بحلول عام 2035، إلا أن الأرقام الحالية تجعل هذا الهدف بعيد المنال، إذ إن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إنتاج نحو مليون سيارة.

ويتوقف ذلك على إنشاء مصانع جديدة لشركات مثل “نيسان” و”جيه أل آر”، فضلاً عن محاولات محتملة لإقناع شركات صينية ببناء مصانع لها في بريطانيا.

ويتوقع أيضاً أن تتعرض صناعة السيارات البريطانية لمزيد من الضغوط مع توجه الاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسة “صنع في أوروبا”، التي تستهدف تحديد سقف حصص للسلع الاستراتيجية، بما فيها السيارات، بحيث تكون مصنعة محلياً، للحد من الاعتماد على الواردات من الصين وحماية الصناعات الأوروبية.

ويناقش المسؤولون الأوروبيون حالياً ألا تقل نسبة السيارات المصنعة محلياً عن 70 في المئة، بينما يرى آخرون إمكان إشراك دول مثل تركيا وبريطانيا في نظام الحصص.

وبما أن بريطانيا باتت خارج الاتحاد الأوروبي بسبب “بريكست”، فهي معرضة لضرر كبير من هذه السياسة، وحتى في حال تحول شركات صناعة السيارات البريطانية إلى الإنتاج الدفاعي، فإن ذلك لن يكون كافياً لإنقاذ القطاع محلياً، إذ تعتمد الجدوى الاقتصادية في النهاية على التصدير إلى أوروبا.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى