نهاية فورة السيارات الكهربائية تكلف الشركات عشرات المليارات

أخذ منحنى إنتاج ومبيعات السيارات الكهربائية حول العالم في الهبوط بعد فترة من الاستقرار، بل عاد الناس إلى شراء السيارات التي تعمل بالوقود، وزاد الإقبال أكثر على السيارات الهجينة (التي تعمل بالوقود والكهرباء معاً من دون حاجة إلى شحن كهربائي خارجي).
وأدى ذلك إلى عودة شركات صناعة السيارات مرة أخرى إلى إنتاج السيارات التي تعمل بالوقود (ديزل وبنزين)، بعدما كانت بدأت في تقليل إنتاجها لمصلحة إنتاج السيارات الكهربائية.
يرجع ذلك إلى عوامل عدة، منها ما يتعلق باختيارات المستهلكين، إلا أن العامل الأهم هو تراجع السياسات الحكومية التي تستهدف وقف الانبعاثات الكربونية لمكافحة التغيرات المناخية.
وفي القلب من هذا التحول سياسة الإدارة الأميركية الجديدة للرئيس دونالد ترمب، التي تعد التغير المناخي مجرد كذبة وليس حقيقة يعانيها العالم بالفعل.
ونشرت صحيفة “فايننشال تايمز” هذا الأسبوع تقريراً خلص إلى أن هذا الارتداد عن تصنيع السيارات الكهربائية كلف شركات صناعة السيارات ما يزيد على 65 مليار دولار خلال العام الماضي 2025 فحسب، مع توقعات بمزيد من الخسائر.
وبدأت بعض شركات صناعة السيارات في إعادة تشغيل خطوط إنتاج السيارات التي تعمل بالوقود، والتي كانت أوقفت تشغيلها، إلا أن التحول إلى صناعة السيارات الكهربائية كلفها استثمارات هائلة لا يبدو أنها ستحقق العائد المتوقع، مما يعني عملياً خسائر كبيرة.
خسائر الشركات مستمرة
يتوقع مديرو شركات السيارات أن الخسائر ستستمر مع تعديل استراتيجيات التصنيع والإنتاج، ويرجعون ذلك بالأساس إلى التخلي النهائي من قبل الولايات المتحدة عن سياسات مكافحة التغيرات المناخية وإلغاء كل حوافز السياسات الخضراء.
وبحسب تقرير الصحيفة، فإن الشركات التي اعتمدت التحول إلى إنتاج السيارات الكهربائية بصورة أكبر هي التي ستعاني خسائر أكبر.
اضطرت شركة “ستيلانتيس” إلى شطب 26 مليار دولار من عائداتها المتوقعة الشهر الجاري، مع إلغاء إنتاج موديلات سيارات كهربائية. وعادت الشركة إلى إنتاج السيارة “هيمي” ثمانية سلندرات بسعة محرك 5.7 ليتر في الولايات المتحدة.
وقررت الشركة إعادة إنتاج محركات الديزل لبعض الموديلات التي تنتجها لأوروبا. ونتيجة تلك التغيرات في استراتيجيتها وشطب المليارات، تعرضت أسهم الشركة لعمليات بيع كبيرة في السوق جعلت قيمتها السوقية تخسر نحو 6 مليارات دولار.
تملك شركة “ستيلانتيس” العلامات التجارية الشهيرة “بيجو” و”فيات” و”جيب” وتنتج سياراتها للأسواق حول العالم، وكانت استراتيجية الشركة السابقة تقضي بأن تستحوذ السيارات الكهربائية على كامل إنتاجها الأوروبي بحلول عام 2030، وأن تمثل نصف إنتاجها للسوق الأميركية بحلول ذلك الموعد، وهي الاستراتيجية التي بدأت تغييرها الآن مما عرضها لخسائر كبيرة.
أما شركة “فورد” فاضطرت إلى شطب 19.5 مليار دولار مع قرار وقف إنتاج الشاحنة الكهربائية F-150، وتعرضت شركات “فولفو” و”فولكسفاغن” و”بولستار” لخسائر أيضاً نتيجة تغيير برامجها لإنتاج السيارات الكهربائية.
ومع إلغاء إدارة ترمب كل حوافز إنتاج وبيع السيارات الكهربائية، والقرارات المتتالية التي تلغي القوانين واللوائح والقواعد الخاصة بالحد من الانبعاثات وحماية البيئة، لم يعد أمام شركات صناعة السيارات سوى إعادة رسم استراتيجياتها مرة أخرى.
ويقدر رؤساء الشركات أن نصيب السيارات الكهربائية من السوق الأميركية لن يتجاوز نسبة خمسة في المئة خلال الأعوام المقبلة، أي نصف نصيبها الحالي.
تجاهل متطلبات السوق
مع أن خسائر شركات صناعة السيارات تعود إلى تراجع كثير من حكومات العالم عن أهداف مكافحة التغيرات المناخية بدرجة أو بأخرى، والأهم طبعاً سياسة إدارة ترمب الداعمة للوقود الأحفوري وإلغاء كل محفزات السياسات الخضراء، لكن تلك الشركات فشلت أيضاً في استقطاب المستهلكين للسيارات الكهربائية.
يقول المحلل في شركة “برنستين” ستيفن ريتمان إن شركة “ستيلانتيس” وغيرها من شركات صناعة السيارات تجاهلت متطلبات المستهلكين، وحاولت فقط تقليد “نجاح شركة ’تيسلا‘”.
لم تطرح تلك الشركات سيارات كهربائية تلبي حاجات الجمهور من حيث الأسعار والتنوع الواسع في الموديلات، ويضاف إلى ذلك أن شبكات شحن السيارات لم تُوفر بالصورة الكافية، مثلما هي الحال مع محطات الوقود التي توفر البنزين لسائقي السيارات التقليدية.
وتنقل “فايننشال تايمز” عن ريتمان قوله، “وقع الجميع أسرى فورة ’تيسلا‘ ولهثوا وراء ارتفاع القيمة السوقية للشركة، لكنهم لم يأخذوا المستهلكين في الاعتبار”.
إلا أن شركة “تيسلا” تعاني أيضاً تراجع مبيعاتها، وبخاصة خلال العام الماضي، إذ تشهد منافسة قوية من شركات صناعة السيارات الصينية التي يغزو إنتاجها العالم، إضافة إلى التصريحات السياسية لرئيسها إيلون ماسك التي أضرت كثيراً بمبيعات الشركة داخل مناطق مختلفة من العالم. لذا، اضطرت الشركة إلى وقف إنتاج موديلاتها الأعلى مثل “S وX”.
وضمن مذكرة للعملاء خلال الشهر الجاري، كتب محلل سوق السيارات العالمية في بنك “أتش أس بي سي” مايكل تيندول متوقعاً مزيداً من الخسائر لشركات السيارات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف تيندول أن “احتمال التعرض لكلفة رأسمالية مع تبعات ذلك على الوضع المالي للشركات، يجعلنا نظل حذرين”، ويتسق ذلك مع توقعات المحللين في الأسواق بأن شركة “ستيلانتيس” تواجه احتمال شطب مزيد من المليارات مع تعديل استراتيجياتها الإنتاجية.
حتى شركة “هوندا”، الشركة الكبرى الوحيدة التي لم تتخل عن هدفها وقف إنتاج سيارات الديزل والبنزين بحلول عام 2040، توقعت هذا الأسبوع خسائر سنوية بنحو 4.5 مليار دولار في ما يتعلق بموديلات السيارات الكهربائية التي تنتجها، وحذرت الشركة مستثمريها من احتمال شطب مزيد من الأموال بينما تعيد تقييم استراتيجية إنتاج السيارات الكهربائية.
وتتضمن إعادة التقييم فض شراكتها مع “جنرال موتورز” الأميركية، التي شطبت من جانبها 7.6 مليار دولار تتعلق بإنتاج السيارات الكهربائية.
سياسات إدارة ترمب البيئية
يظل العامل الأهم في تكبد شركات صناعة السيارات خسائر بعشرات المليارات، هو سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي قررت الأسبوع الماضي إلغاء الأساس القانوني لكل سياسات وإجراءات حماية البيئة ومكافحة التغيرات المناخية. ويتوقع أن يكون لهذا القرار أبعاد واسعة على مختلف الصناعات، وليس فقط صناعة السيارات.
ويعد قانون اكتشاف الأخطار، الذي أقرته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما عام 2009، سابقاً على اتفاق باريس للمناخ عام 2015.
واستند القانون إلى حكم المحكمة العليا عام 2007 الذي أعطى هيئة حماية البيئة سلطة تنظيم كل ما يخص منع تلوث الهواء، بحسب قانون “الهواء النظيف”.
ويشكل هذا القانون الأساس القانوني لكل اللوائح والقواعد التي تعتمدها هيئة حماية البيئة الأميركية، وعلى أساسه صدرت كل القرارات المتعلقة بخفض الانبعاثات والحد من الاحتباس الحراري. ويعني إلغاؤه نهاية كل تلك الإجراءات التي تمت خلال العقدين الماضيين.
منذ عاد الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي، وإدارته تواصل إلغاء كل ما يتعلق بما يسمى “السياسات الخضراء”، إذ يعد ترمب أن مسألة التغيرات المناخية ليست سوى “خدعة كبرى”، على حد قوله.
وتشجع إدارة ترمب الاعتماد أكثر على النفط والغاز، وحتى على الفحم الذي يعد المسبب الأكبر للاحتباس الحراري بانبعاثاته الكربونية الأعلى من النفط والغاز.
وتقول إدارة ترمب إن إلغاء الأساس القانوني لمكافحة التغيرات المناخية سيوفر للحكومة 1.3 تريليون دولار، إلا أن جماعات أنصار البيئة وكثيراً من المحللين وشركات الاستشارات يرون أن إلغاء القانون سيكبد الولايات المتحدة خسائر أضعاف هذا الرقم نتيجة الكوارث الطبيعية الناجمة عن التغيرات المناخية. ويقدر هؤلاء أن تصل الخسائر إلى 4.7 تريليون دولار خلال العقدين القادمين.



