نمو اقتصادي خجول في تونس وسط تحديات مناخ الأعمال

سجل الاقتصاد التونسي نمواً بنسبة 2.5 في المئة خلال كامل عام 2025، في مقابل 1.4 في المئة خلال عام 2024، بعد أن تطور حجم الناتج المحلي الإجمالي بنسبة واحد في المئة في الربع الأخير من عام 2025 مقارنة بالربع الثالث منه، وبنسبة 2.7 في المئة مقارنة بالربع المماثل من عام 2024، مدفوعاً بتحسن أداء القطاع الزراعي الذي أسهم بـ1.08 نقطة مئوية في نسبة النمو للربع الأخير من العام المنقضية وفق المعهد الوطني للإحصاء (حكومي)، وكذلك الصناعة التي أسهمت بنسبة 0.52 نقطة مئوية.
سجل قطاع البناء والتشييد نمواً بـ4.1 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، بينما استمر النمو الإيجابي لقطاع الخدمات مساهماً بـ0.88 نقطة مئوية في نسبة النمو للربع الأخير من عام 2025.
وارتفع حجم الطلب الداخلي، المتكون من نفقات الاستهلاك والاستثمار، بنسبة 3.4 في المئة، وأسهم بـ3.75 نقطة مئوية في نسبة النمو المسجلة للناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير من العام، بينما أسهمت المبادلات الخارجية سلباً بنسبة 1.03 نقطة مئوية في نسبة النمو المسجلة، مع ارتفاع الصادرات من السلع والخدمات بنسبة 10.4 في المئة والواردات بنسبة 10.3 في المئة.
متلازمة سوء التقدير
على رغم تميز نسق النمو بالوتيرة التصاعدية منذ بداية العام الحالي مقارنة بعام 2024، فإنه ظل دون المأمول وفق الخبراء الذين تحدثوا إلى “اندبندنت عربية”.
تطورت نسبة النمو من 1.6 في المئة في الربع الأول من عام 2025 إلى 3.2 في المئة في الربع الثاني، و2.4 في المئة في الربع الثالث، ثم 2.7 في المئة في الربع الأخير.
واعتبر المختص في التنمية حسين الرحيلي أن تحسن مؤشر النمو مقارنة بعام 2024 نتيجة مباشرة لتطور أداء القطاع الفلاحي، وبالتحديد الزراعات الكبرى، لكنه ظل بعيداً من توقعات الحكومة وهي 3.2 في المئة، وهو ما يعكس إشكالاً متواصلاً متمثلاً في عدم واقعية التقييمات، وهو دائم الارتباط بقيمة العجز المتوقع بحكم ارتباط نسبة النمو المحددة بالمداخيل الجبائية.
لا تشير نسبة النمو المعلنة، وهي 2.5 في المئة، إلى خلق للثروة بل تشكل تراجعاً بالنظر إلى نسبة التضخم في حدود 4.8 في المئة، وتطرح تساؤلاً حول مواطن الشغل المفترض خلقها بالنظر إلى تراجع نسبة البطالة إلى 15.4 في المئة، وفق الرحيلي، الذي أضاف أن النمو المعلن ورد نتيجة تطور الاستهلاك فحسب من دون خلق الثروة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشهد الاستثمار المباشر تراجعاً ملاحظاً، علماً أن المؤشرات المعلنة من الحكومة تتناول نوايا الاستثمار من دون الكشف عن المنجز منها، كما تجسد نتيجة حتمية لتواصل العجز الذي يشهده قطاع الطاقة والمناجم، إذ لا يعبر تطور صادرات الفوسفات بنسبة 15 في المئة عن استعادة الإنتاج بل تصدير كميات أنتجت في مراحل سابقة، بالتالي تواصل الإشكال المرتبط بهذا القطاع الحيوي.
أحدثت تحويلات المغتربين الفارق وأسهمت إيجاباً في إنقاذ أرصدة تونس، على رغم غياب المخططات اللازمة لخلق القيمة المضافة لاستثمارات التونسيين المقيمين بالخارج والاكتفاء بمشاريع ذات قيمة مضافة ضعيفة.
وتمثل نسبة النمو الخجولة حصيلة بدهية، بحسب الرحيلي، بالنظر إلى أداء الإدارة نفسها التي تشكو من البيروقراطية وتتأخر عن اعتماد الرقمنة، وتعطل الاستثمارات وتنفر المشاريع الكبرى.
وتعكس المؤشرات المناخ العام المنتظر للإصلاحات، على غرار قانون صرف حديث يجاري المستجدات التكنولوجية، ومنظومة بنكية مرافقة للاستثمار، ومؤسسات بعيدة من الريع والمصالح الضيقة لـ”اللوبيات”.
ويقدم الواقع صورة للتخبط وغياب الرغبة في الإصلاح والاجتهاد، إذ يطرح البرلمان التونسي، على سبيل المثال، مشاريع تنقيح نصوص وردت في موازنة 2026 قبل تنفيذها، مثل الفوترة الإلكترونية أخيراً، كما يشوب مناخ الأعمال توجس مستمر وعدم يقين مكبل على خلفية تداعيات ما يعتبر محاربة الفساد.
عدم استعادة النسق
يظل النمو المسجل بعيداً من المعدلات التي تعجز تونس عن استعادتها لاسترجاع مكانتها كاقتصاد صاعد بالمنطقة، وفق الباحث الاقتصادي كريم الطرابلسي، الذي ذكر بمعدل النمو الذي دأبت تونس على تسجيله في تسعينيات القرن الماضي إلى حدود عام 2010، الذي يراوح ما بين 4.5 و5 في المئة، وهو معدل كفيل بدفع القطاع الخاص وبخلق وافدين على سوق الشغل، والحال أن نسبة البطالة تتجاوز 15 في المئة في الفترة الراهنة.
أما معدل الاستثمار التاريخي في تونس فهو في حدود 20 في المئة من الناتج القومي الخام إلى حدود عام 2010، مما يمكن من خلق الثروة وتحقيق النمو، في حين تشهد نسبة الاستثمار الخاص تدهوراً في الأعوام الخمسة الأخيرة، ولا تتجاوز تسعة في المئة من الناتج القومي، ولا يزيد الاستثمار العمومي على خمسة في المئة من الموازنة لعام 2026، وأربعة في المئة من الناتج القومي الخام لعام 2025، في تعثر يصور مناخاً غير مناسب للاستثمار، والحال أن الاستثمار العمومي يعوض الاستثمارات الخاصة عند تراجعها، بينما تأخر مؤشر المحركين عن مستوياتهما التاريخية في تونس، بحسب الطرابلسي.
أضاف “تحول الاستهلاك إلى المحرك الوحيد للنمو من دون الاستثمار، كما فقد التصدير طبيعته الدافعة للاستثمار واتسم بمستويات ضعيفة جداً، وهي تداعيات عدم وضوح الرؤية لدى المستثمرين على خلفية عدم استقرار القوانين، وأهمها القانون الجبائي والأداءات، والتأخر المسجل في تطوير الإدارة”.
تثير توقعات النمو وفرضيات الموازنة البعيدة من الواقع القلق، بحكم تجاوزها للنسب المسجلة، مما يؤدي سنوياً إلى اللجوء إلى وضع موازنة تكميلية، بما يشير إلى بناء الموازنة على فرضيات خاطئة، بالتالي توقعات غير واقعية للمداخيل الجبائية.
وتساوي كل نقطة نمو ما يراوح ما بين 800 مليون دينار (280.7 مليون دولار) ومليار دينار (350 مليون دولار)، وعدم تحقيقها يشير إلى غياب هذه المداخيل وعدم القدرة على تنفيذ المشاريع.
وأضحت جميع الموازنات منذ عام 2011 غير واقعية، تبنى على فرضيات خاطئة، انطلاقاً من الموارد وصولاً إلى أسعار النفط والصرف.
وتظل نسبة النمو المسجلة عام 2025 ضعيفة جداً مقارنة بالإمكانات المتوفرة وحجم البطالة المرتفع (15.4 في المئة) في اقتصاد صاعد، إذ يتحتم تجاوز النمو هذه النسبة لخلق مواطن الشغل وامتصاص نسب البطالة العالية.



