عالمي

من أزمات المال إلى “التراستات”… بنوك إيران بين فكي الإفلاس والفساد

تزامناً مع الإعلان عن إلغاء قيود استثنائية مفروضة على ستة بنوك إيرانية تصاعدت التكهنات في شأن احتمال انضمام بعض المؤسسات المصرفية إلى قائمة الكيانات المالية التي تواجه أزمات في رأس المال، وربما أخطار تعثر أو إفلاس.

ويرى محللون أن الخطوة لا يمكن قراءتها بوصفها إجراء رقابياً بسيطاً فحسب، بل قد تعكس تعقد أوضاع النظام المصرفي واتساع نطاق التحديات الهيكلية في الشبكة المالية للبلاد.

وبحسب قراءات تحليلية، فإن هذا الإجراء، الذي يقول البنك المركزي الإيراني إنه يأتي في إطار تعزيز الانضباط المالي، يرتبط مباشرة بدور بعض البنوك في ملف عدم عودة عائدات النقد الأجنبي المتأتية من الصادرات، إضافة إلى إصدار ضمانات لشركات وأفراد على صلة بما يعرف بملفات “التراستات”، وهي قضايا تحولت في الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أبرز الإشكالات الاقتصادية في إيران.

وتتداول تقارير أسماء بنوك وكيانات مالية عدة في سياق هذه الأزمة، من بينها بنك “إيران زمين” وبنك “كردشكري” وبنك “مسكن” وبنك “سبه” وبنك “رسالت” و”مؤسسة ملل”.

وفي هذا السياق، نفت العلاقات العامة لبنك “سبه” صحة ما أثير، مؤكدة عدم وجود مشكلات مالية لدى البنك، غير أن طرح أسماء عدة مؤسسات مصرفية بارزة في آن أعاد تسليط الضوء عن التساؤلات المتعلقة بسلامة القطاع المصرفي.

ويحظى إدراج بنكي “كردشكري” و”مسكن” باهتمام خاص، في ظل إشارات وردت في بعض التقارير، لا سيما في شأن بنك “كردشكري”، إلى دوره في إصدار ضمانات لأشخاص مرتبطين بملفات “التراستات”.

وتشير روايات متداولة، نقلاً عن مسؤول نفطي سابق، إلى أن هذه القضايا تتصل بفقدان ما يقارب 11 مليار دولار من عائدات بيع النفط، لم تعد إلى الدورة الاقتصادية الإيرانية.

تشابك ملفات “التراستات” مع الأزمة المصرفية

يعد الترابط بين أزمات البنوك المالية وملفات الفساد الاقتصادي أحد المحاور البارزة في قراءة المشهد الراهن، وقال عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، حسين صمصامي، إن البنوك أدت دوراً في نشوء شبكات فساد، مشيراً إلى تورط بعض المؤسسات المصرفية، بوعي أو من دونه، في التعامل مع “التراستات”.

وبحسب صمصامي، تعتمد حيلة الإيداع الصوري على تواطؤ بين “التراست” والبنك، بحيث يعلن عن دخول عائدات نفطية إلى الحساب من دون أن تحول أموال فعلية.

ويستند البنك المركزي الإيراني، في هذه الحال، إلى تقارير البنك الوسيط لتأكيد الإيداع، على رغم غياب الأموال في الواقع.

وأضاف المتحدث أن قيمة العمليات المرتبطة بهذه الآلية في حال بنك “اقتصاد نوين” تقدر بعشرات ملايين الدولارات، معتبراً أن هذا الرقم لا يمثل سوى جزء من نمط أوسع من المخالفات.

إلى جانب هذه المعطيات، أثار تداول اسم بنك “كردشكري” مزيداً من الاهتمام بوضعه المالي، ويرى اقتصاديون أن مراجعة الأداء المالي للبنك حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تشير إلى دخول موازنته نطاقاً يظهر مستويات خسائر يصعب تجاهلها. وبحسب هذه التقديرات، اتسعت الفجوة بين العوائد المتأتية من القروض وكلفة فوائد الودائع، بما يعكس ضغوطاً متزايدة على النتائج المالية وزيادة في الخسائر المتراكمة.

 وتظهر الأرقام المتداولة أن إيرادات القروض الممنوحة بلغت 315249 مليار ريال إيراني (420 مليون دولار)، مقابل إجمال فوائد ودائع وصل إلى 480693 مليار ريال (641 مليون دولار)، مما يعني تسجيل عجز قدره 165444 مليار ريال (221 مليون دولار).

وتشير البيانات إلى أن إجمال الإيرادات التشغيلية، البالغ 354124 مليار ريال (472 مليون دولار)، قابله تسجيل رصيد سلبي بنهاية نوفمبر عند مستوى 126569 مليار ريال (169 مليون دولار).

ودفعت هذه المؤشرات بعض المحللين إلى مقارنة مسار البنك بالتجارب التي شهدتها مؤسسات مالية أخرى، من بينها “مؤسسة ملل” وبنك “آيندة”، إذ انتهت تلك المسارات إلى إعادة هيكلة عبر الاندماج أو إجراءات تنظيمية مماثلة.

قائمة البنوك المتعثرة ومؤشر كفاية رأس المال

تعكس مراجعة مؤشر كفاية رأس المال صورة مقلقة عن أوضاع عدد من البنوك الإيرانية، ففي قائمة المؤسسات التي تسجل نسباً سلبية في هذا المؤشر، يأتي بنك “آيندة” في الصدارة بنسبة سلبية بلغت 503 في المئة، تليه مؤسسات أخرى، بينها بنك “سرماية” بنسبة سلبية قدرها 328 في المئة، وبنك “دي” بنسبة 81 في المئة، ثم بنك “سبه” بنسبة 23 في المئة.

وتعد الخسائر المتراكمة التي تكبدها بنك “سرماية” أحد أبرز مؤشرات الأزمة في الشبكة المالية، إذ تشير البيانات إلى أن البنك سجل خسائر متراكمة تقدر بنحو 60 ألف مليار ريال (800 ميلون دولار) عام 2025.

ووفق ما أعلن في الفترة ذاتها، فإن مراجعة القوائم المالية للبنك خلال الأعوام الـ10 الماضية تظهر أنه دخل مرحلة ممتدة من الخسائر بعد تسجيل ربح صاف محدود عام 2014.

وبلغت ذروة الخسارة الصافية عام 2023 نحو 8079 مليار ريال (108 ملايين دولار)، كما أظهرت نتائج النصف الأول من عام 2025 أن حجم الخسائر تجاوز بنسبة 9 في المئة إجمال خسائر عام 2024، بما يعكس استمرار الاتجاه التصاعدي للخسائر.

ويضاف إلى ذلك دين البنك تجاه البنك المركزي الإيراني، والمقدر بنحو 45 ألف مليار ريال (600 مليون دولار)، فضلاً عن تعثر محاولات الإدارة لزيادة رأس المال، ويرى بعض المتخصصين أن هذه المؤشرات تضع البنك على مسار مشابه لتجارب سابقة شهدت تدخلات هيكلية واسعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبرز اسم بنك “مسكن” ضمن النقاشات المرتبطة بسلامة القطاع المصرفي، وتشير تقديرات إلى أن مستويات الخسائر الناتجة من قروض متعثرة وصعوبات تعزيز رأس المال دفعت إلى تداول تقارير عن قيود محتملة على أنشطة الإقراض، وعلى رغم نفي إدارة البنك هذه الأنباء، فإن البيانات المالية المتاحة لا تعكس صورة مستقرة بالكامل.

وتظهر الأرقام حتى فبراير (شباط) 2025 أن الضغوط الناجمة عن القروض المرتبطة بمشروع “النهضة الوطنية للإسكان” ألقت بثقلها على موازنة البنك. وعلى رغم تنفيذ زيادة معتبرة في رأس المال عبر بيع أصول عقارية، فإن التحديات المرتبطة بمواءمة الأصول مع الأخطار لا تزال قائمة.

وينظر إلى حجم السحب على المكشوف من موارد البنك المركزي، الذي بلغ نحو 41 ألف مليار ريال (547 مليون دولار) خلال الشتاء، بوصفه مؤشراً إضافياً إلى الضغوط المالية، ويعزى ذلك جزئياً إلى تجميد جزء كبير من الأصول في مشاريع إنشائية غير مكتملة، إضافة إلى محدودية السيولة، مما انعكس على قدرة البنك في تلبية الطلب على القروض السكنية.

 وفي خضم هذه التطورات، انتقد الاقتصادي محمد أمين حاجي لنغري ما يتداول في شأن قيود الإقراض، قائلاً إن تحميل القروض مسؤولية خلق النقود يمثل، وفق تعبيره، قراءة غير دقيقة لآليات العمل المصرفي.

وأضاف أن القروض تلبي حاجات ائتمانية أساسية في الاقتصاد، وأي قيود واسعة عليها قد تنعكس مباشرة على النشاط الاقتصادي والأفراد.

ظل الإفلاس يخيم على البنوك الكبرى

إلى جانب البنوك الخاصة وشبه الخاصة، أثار الوضع المالي لبعض البنوك الكبرى الحكومية جدلاً واسعاً، إذ يعد بنك “سبه”، أحد أقدم البنوك في إيران، نموذجاً واضحاً للبنوك التي تواجه تهديداً حقيقياً بالإفلاس، فهذا البنك، الذي يعد أول بنك إيراني ويملك أكبر عدد من الفروع على مستوى البلاد، دخل مسار الانحدار المالي بعد دمج خمسة بنوك ومؤسسات مالية مفلسة كانت مرتبطة بالقوات المسلحة.

وأعلن عام 2024 أن نسبة كفاية رأس المال للبنك بلغت في 2020 نحو سالب 23.2 في المئة، ويكتسب وضع برنامج الإصلاح المالي للبنك أهمية خاصة، إذ صرح نائب رئيس البنك المركزي الإيراني في نوفمبر 2025 بأن استكمال هذا البرنامج قد يتيح إخراج البنك من حاله المالية الحرجة.

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أنه بالنظر إلى حجم الأزمات الاقتصادية والقيود المفروضة على البنك المركزي، من غير المرجح أن يشهد البنك تحسناً سريعاً أو خروجاً عاجلاً من الأزمة.

وبصورة عامة يخلق تداخل الخسائر المتراكمة والعجز في زيادة رأس المال ووجود فساد متجذر، شبكة معقدة من الأزمات في النظام المصرفي الإيراني، تؤثر في كل من البنوك الكبرى الحكومية والبنوك التي تبدو خاصة.

ويشير تورط بعض البنوك في ملفات ديون شركات “التراستات” إلى أن التحدي الرئيس في الشبكة المصرفية لا يقتصر على الضعف المالي، بل يرتبط بالإدارة الفاسدة وغير الشفافة والموجهة بالمحاباة، التي حولت بعض هذه البنوك إلى أدوات لسحب الأصول لمصلحة مجموعات مرتبطة بالحكومة.

نقلاً عن “اندبندنت فارسية”




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى