أزمة البنوك العمومية التونسية تتعمق والإدارة في قفص الاتهام

تخطط الحكومة التونسية لمعالجة ملف البنوك العمومية في العام الحالي ضمن خطط السياسة المالية وتمويل الاقتصاد، وذلك في إطار تعزيز دور القطاع المصرفي في تأمين التمويلات اللازمة للاقتصاد.
وستعتمد، وفق ما أعلنت عليه، إعادة هيكلة البنوك العمومية، مما يوفر رافعة مالية إضافية لدعم التمويل لفائدة المشاريع الاستثمارية والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
ويبلغ عدد البنوك المقيمة في تونس 22 بنكاً بإجمال أصول يبلغ 174.3 مليار دينار (60.1 مليار دولار)، وإجمال ودائع قدره 114.5 مليار دينار (39.5 مليار دولار)، وإجمال قروض في حدود 110 مليارات دينار (37.9 مليار دولار)، وفق معطيات البنك المركزي التونسي، بنسبة ملاءة مالية في مستوى 14.4 في المئة عام 2024.
القروض المتفحمة
من بين تلك البنوك هناك خمسة بنوك عمومية تشكو من إشكالات هيكلية ومالية، على رغم تفوقها من ناحية حصة المساهمة في السوق.
ويعود ضعف البنوك الثلاثة الكبرى منها إلى تراكم القروض المتفحمة، وقد تشكلت هذه الأزمة منذ تسعينيات القرن الماضي، وانطلقت الدولة التونسية في برامج إصلاحية متتالية منذ ذلك الحين، لكنها لم تؤت أكلها على رغم تحقيق انفراج نسبي.
وتراكمت على البنوك العمومية: الشركة التونسية للبنك، وبنك الإسكان، والبنك الوطني الفلاحي، قروض متعثرة بقيمة تقارب 6.9 مليار دينار (2.37 مليار دولار)، وفق ما ورد في دراسة منصة “إيكو توس” للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات (مستقل)، وهي قروض غير مسددة، وبهذا الحجم أصبحت مؤشراً تحذيرياً للنظام المالي برمته.
وتكشف تلك الأرقام قصة مؤسسات وضعت لدعم التنمية، لكنها أضعفت تدريجاً بفعل خيارات هيكلية وقواعد حوكمة معيبة، وفق المتخصصة في الاقتصاد، مريم السباعي، التي أوردت أن عدم تسديد جزء من القروض يصبح إشكالاً عندما يتجاوز حداً معيناً، فيمتد الخطر ليشمل النظام المصرفي بأكمله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعتبر المعايير الدولية أن تجاوز نسبة 10 في المئة يعد مؤشراً مقلقاً، بينما في تونس تتجاوز نسبة القروض المتفحمة في البنوك العمومية هذا الحد بكثير، إذ تمثل قروضها المتعثرة ما بين 16 في المئة وأكثر من 23 في المئة من محافظها، أي أكثر من ضعف ما هو موجود في البنوك الخاصة.
وتتسبب هذه القروض غير المسددة في تجميد موارد قيمة، فالأموال المخصصة لتمويل المشاريع الفلاحية والإسكانية والاستثمارات لا يجرى استغلالها، والنتيجة الحتمية هي انخفاض التمويلات المتاحة للاقتصاد، وتراجع القدرة الاستثمارية للبنوك، التي تعد مع ذلك ركيزة أساسية في النظام المالي التونسي.
وتدخلت الحكومات مرات عدة لإعادة تمويل هذه البنوك، وعلى رغم ضخ الأموال فلا تزال الصعوبات قائمة، وهو ما يكشف عدم اقتصار الصعوبات على نقص الموارد، بل أيضاً في طريقة إدارة هذه البنوك والرقابة عليها.
رقابة مصرفية
يشير المتخصص في العلوم الاقتصادية عمر الطالبي إلى أن جوهر المشكلة الحقيقي يكمن في حوكمة البنوك العمومية، إذ تسعى هذه المؤسسات إلى تحقيق مهمة مزدوجة، وهي تحقيق الاستقرار المالي مع الوفاء بمهمة خدمة المرفق العمومي، إلا أن هذا التوازن قد تدهور تدريجاً، ولزمن طويل، تأثرت بعض قرارات الإقراض باعتبارات سياسية بدلاً من تقييم دقيق للأخطار.
استفادت شركات كبرى، تربطها أحياناً علاقات وثيقة بالدولة أو السلطة، من امتيازات في الحصول على التمويل من دون ضمانات كافية أو رقابة صارمة، وفي المقابل ظل كثير من الشركات الصغرى والمتوسطة، على رغم أهميتها البالغة للتوظيف والنمو، عرضة للخطر، متأثرة بالصدمات الاقتصادية ومحدودية حصولها على القروض.
ثمة نقاط ضعف داخلية أيضاً متمثلة في أنظمة قديمة، ومراقبة غير كافية للمقترضين، وانعدام الشفافية، مما راكم الأخطار تدريجاً من دون إدارتها بصورة سليمة، وزادت الظروف الاقتصادية الأخيرة الوضع سوءاً، إذ أدى التضخم المرتفع، والنمو البطيء، والبطالة المستمرة إلى إجهاد قدرة الأسر والشركات على السداد بصورة كبيرة.
وتجاوز التضخم سبعة في المئة بين عامي 2023 و2024، وزادت البطالة على 15 في المئة، وللحد من ارتفاع الأسعار رفع البنك المركزي أسعار الفائدة الرئيسة، مما زاد من كلفة الاقتراض وصعوبة السداد، لكن من المضلل اعتبار ذلك السبب الرئيس للأزمة المصرفية، فقد كانت هذه الصدمات بمثابة عامل مساعد أبرز مواطن الضعف المؤسسية المزمنة.
خطوة في الاتجاه الصحيح
وتعد الإصلاحات التي أجريت أخيراً، لا سيما في مجال الرقابة المصرفية، خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ تتيح تحديد الأخطار بصورة فضلى وتمنع تراكم القروض المتعثرة الجديدة.
لكن التعافي الدائم من الأزمة يعتمد في المقام الأول على إصلاح الحوكمة، ويعد تحييد مجالس الإدارة عن السياسة، وتعزيز مساءلة الإدارة التنفيذية، وتحديث أدوات إدارة الأخطار، خطوات أساسية.
من جانبه يرى المدير العام السابق للسياسة النقدية بالبنك المركزي التونسي، محمد سويلم، أن الدور التنموي للبنوك العمومية التونسية، وهو صلب وظيفتها، أحد أهم أسباب ارتفاع مستوى القروض المتفحمة لديها، وذلك بحكم حجم إسهامها، وتمثل حصتها في السوق من ناحية الأصول 35.7 في المئة، ومن ناحية القروض 37.9 في المئة، وهي الأعلى على الإطلاق، مما يعكس ارتفاع مستوى المخاطرة لديها عند تمويل الاقتصاد، مقابل نسبة أقل في مستوى الإيداع التي لا تزيد على 28.4 في المئة.
بينما تمتلك البنوك الخاصة في تونس 32.6 في المئة من إجمال الأصول، لكن مجمل القروض لا يزيد على 30.3 في المئة، مما يعكس عدم مخاطرتها بتمويل المؤسسات، على رغم ارتفاع الودائع لديها إلى 35.5 في المئة، مقارنة بالبنوك ذات رأس المال الأجنبي التي تمتلك 28.5 في المئة من الأصول، و28.9 في المئة من القروض، و33.1 في المئة من الودائع.
وتستحوذ البنوك المختلطة على حصص سوقية تبلغ 3.2 في المئة من ناحية الأصول، و2.9 في المئة من القروض، وثلاثة في المئة من ناحية الودائع.
وهي مؤشرات دالة على تحمل هذه المؤسسات العمومية لأعباء تمويل المؤسسات الكبرى والاقتصاد في العموم على رغم انخفاض المدخرات.
وأضاف سويلم أن الإصلاحات التي نفذت صلب هذه المؤسسات انطلقت منذ تسعينيات القرن الماضي، وخفضت من نسبة العجز لديها على رغم بطء نسق الإصلاح، الذي تنوع بين دمج جملة من البنوك العمومية، وضخ أموال، وتحسين السيولة، وطرح جزء من الأسهم في بورصة تونس.
وأتى برنامج الإصلاح بعد صعوبات ضخمة نتجت من انتظام هذه البنوك في المشاريع الكبرى للدولة في الفترة التالية للاستقلال، وبناء القطاعات الكبرى في الاقتصاد التونسي، وأهمها الزراعة والسياحة.



