عالمي

ملاك العقارات البريطانية في مواجهة معركة قانون الإيجار الجديد

لم يكن بيتر لويزو يريد طرد مستأجره، لكن بعد أربعة أشهر من دفع جزئي أو انقطاع كامل للإيجار منذ مايو (أيار) 2025، قرر التحرك.

عند توجيه إشعار الإخلاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، كانت المتأخرات 3475 جنيهاً استرلينياً (4692 دولاراً)، لكنها ارتفعت إلى 9025 جنيهاً استرلينياً (12188 دولاراً) خلال سبعة أشهر استغرقتها إجراءات المحكمة لاستعادة العقار في شرق لندن. ويصف لويزو التجربة بأنها مرهقة نفسياً ومالياً، قائلاً إن التوتر المستمر أثر في نومه وحياته اليومية.

مدة انتظار قضايا الإخلاء

وفي الـ31 من مارس (آذار) الماضي، حصل أخيراً على أمر استرداد العقار بعد جلسة قصيرة استمرت 10 دقائق، لكن ذلك جاء بعد 201 يوم من بدء الإجراءات، وهذا التأخير لم يكن استثنائياً، إذ وصلت مدة انتظار قضايا الإخلاء في إنجلترا وويلز إلى 27 أسبوعاً في 2025، وهو أعلى مستوى منذ عقدين باستثناء فترة الجائحة.

ويحذر محامون وجمعيات ملاك العقارات من أن هذه التأخيرات مرشحة للزيادة مع بدء تطبيق إصلاحات قانونية جديدة في مايو، أبرزها إلغاء الإخلاء من دون سبب، مما سيجبر الملاك على اللجوء إلى إجراءات أطول وأكثر تعقيداً.

أزمات القانون وسبل الحل

في مشهد يزداد فيه الارتباك الاقتصادي عمقاً، يأتي إقرار قانون الإيجارات الجديد في بريطانيا ليُجسّد أزمة أوسع من مجرد تشريع سكني، إذ يعده المتخصص في الشؤون العقارية بالمملكة المتحدة محمد أحمد عجمي، انعكاساً لسياسات قصيرة النظر تتعامل مع النتائج وتغضّ الطرف عن الأسباب، معتبراً أن القانون يُفترض به أن يحقق التوازن، لكنه في جوهره يهدد بتقويضه بالكامل.

 

من حيث الشكل، يبدو القانون منحازاً للمستأجر بحسب عجمي، إذ يضع قيوداً إضافية على المالكين تحت شعار “الحماية والإنصاف”، لكن من حيث الجوهر، هو نموذج كلاسيكي لتدخل غير مدروس في سوق حساسة، إذ يؤدي الضغط على أحد أطراف المعادلة إلى اختلالها بالكامل.

ويتابع عجمي “المالك، الذي يتحمل أصلاً أعباء ضريبية متزايدة وكلفة تمويل مرتفعة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وارتفاع مجمل تكاليف العقار التشغيلية، يجد نفسه اليوم أمام بيئة تنظيمية أكثر عدائية وأقل جاذبية للاستثمار، والنتيجة الطبيعية انسحاب تدريجي من السوق، أو على الأقل تجميد أي توسع مستقبلي”.

غير أن هذا المشهد لم يبدأ اليوم، كما يوضح عجمي، فجزء كبير من الاختلال الحالي يعود إلى سياسات سابقة أرست بيئة طاردة للاستثمار في قطاع الإيجارات، ولعل أبرزها القرار الكارثي الذي أقره وزير الخزانة السابق جوروج أسبورن عام 2013، حين استُبعدت عملياً فوائد دين القروض العقارية (أي الفوائد المترتبة على الدين المستخدم لشراء العقار) للمالكين من كونها مصاريف قابلة للخصم الضريبي.

ويرى عجمي، في حديث مع “اندبندنت عربية” أن ذلك لم يكن مجرد تعديل تقني، بل تحول جذري في معادلة الاستثمار، إذ ارتفع العبء الضريبي الفعلي على المالكين بشكل ملحوظ، وتآكلت هوامش الربحية، مما دفع كثيرين إما إلى رفع الإيجارات لتعويض الكلفة أو إلى الخروج من السوق بالكامل.

ويشير إلى أن سوق الإيجارات في بريطانيا تعاني أصلاً نقصاً مزمناً في المعروض تفاقم على مدى أعوام بسبب ضعف البناء، وتعقيدات التخطيط العمراني، وغياب الحوافز الاستثمارية، ومع خروج مزيد من المالكين، يتحول النقص إلى أزمة حقيقية، إذ يتقلص العرض بشكل ملموس مقابل طلب متزايد، وتبدأ المفارقة القاسية: القانون الذي وُضع لحماية المستأجر يصبح أحد الأسباب الرئيسة لارتفاع الإيجارات وتشديد شروط الاستئجار.

ما سيحدث ليس فقط ارتفاعاً في الأسعار، بل أيضاً تغيراً في طبيعة السوق، إذ سيصبح الوصول إلى السكن أكثر انتقائية، فيفضل المالكون المستأجرين ذوي الدخل المرتفع والسجلات المالية القوية، تفادياً للأخطار القانونية والتنظيمية، أما الفئات الأكثر هشاشة، الشباب، أصحاب الدخل المحدود، والعائلات الناشئة، فستجد نفسها خارج المعادلة أو مضطرة لدفع نسبة أكبر من دخلها مقابل سكن أقل جودة.

 

لكن المشكلة أعمق من قانون واحد، كما يصف عجمي، فهذا التشريع يأتي في سياق اقتصادي بريطاني مثقل بالضغوط، إذ تراكمت الأزمات خلال العقد الأخير بشكل غير مسبوق، بجانب أن قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي لم يكن مجرد تحول سياسي، بل زلزال اقتصادي أعاد تشكيل بيئة الأعمال والاستثمار، وأضعف تدفقات رؤوس الأموال، وخلق حال مستمرة من عدم اليقين.

تضخم الدين 

ويتابع “ثم جاءت جائحة كوفيد لتفرض إنفاقاً حكومياً ضخماً، غالباً من دون كفاءة كافية، مما أدى إلى تضخم الدين العام واستنزاف الموارد المالية. ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا، ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد، لتضيف عبئاً جديداً على الشركات والأفراد. ولم تكد هذه الصدمة تُستوعب حتى تفاقمت التوترات في الشرق الأوسط، دافعة أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، مما انعكس مباشرة على كلفة النقل والإنتاج، بالتالي على أسعار السلع والخدمات كافة”.

في هذا المناخ، يصبح قطاع الإسكان أحد أكثر القطاعات حساسية لأي قرار سياسي، فهو ركيزة اجتماعية واقتصادية تمس كل أسرة وكل نشاط اقتصادي، وعندما يُدار هذا القطاع بعقلية تنظيمية ضيقة، بعيداً من منطق العرض والطلب، تكون النتيجة اختناقات متتالية تدفع ثمنها شرائح المجتمع كافة.

الأخطر في هذا القانون أنه يُرسل رسالة سلبية للمستثمرين، ليس فقط في قطاع العقارات، بل في الاقتصاد ككل: أن البيئة التنظيمية يمكن أن تتغير بسرعة، وبطريقة تُحمّل المستثمرين أخطاراً إضافية من دون مقابل واضح، وهذه الرسالة، في اقتصاد يعاني أصلاً تباطؤ النمو وضعف الإنتاجية، قد تكون أكثر كلفة من أي بند في القانون نفسه، بحسب عجمي.

والحل برأيه لا يكمن في شيطنة المالك أو تصويره كخصم، ولا في تقديم وعود شعبوية للمستأجرين، بل يبدأ من فهم بسيط، أنه  لا يمكن حماية المستأجر من دون الحفاظ على جاذبية الاستثمار في سوق الإيجارات، فأي سياسة لا توازن بين الطرفين ستؤدي حتماً إلى نتيجة عكسية.

معالجة جذور الأزمة 

ويعتقد أن المملكة المتحدة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من القوانين الانفعالية، بل إلى رؤية اقتصادية متماسكة تعالج جذور الأزمة عبر زيادة المعروض وتحفيز البناء، تبسيط إجراءات التخطيط، تقديم حوافز ضريبية مدروسة، وضمان استقرار تشريعي يعيد الثقة للمستثمرين، ومن دون ذلك، سيبقى أي “إصلاح” مجرد محاولة تجميلية فوق أزمة تتفاقم بصمت.

ويخلص المتخصص إلى أن هذا القانون لا يجب أن يُقرأ كإصلاح، بل كحالة دراسية مكتملة الأركان في كيف يمكن لتدخل حكومي غير متوازن أن يُفاقم الخلل بدل معالجته، فعندما تُصاغ السياسات تحت ضغط الخطاب الشعبوي، وبمعزل عن ديناميكيات السوق، تكون النتيجة تشوهاً هيكلياً يدفع ثمنه الجميع من دون استثناء.

وعليه، فإن هذا القانون، إذا لم يُراجع ويُعاد توازنه، مرشح لأن يُدرّس مستقبلاً كنموذج على فشل السياسات الجزئية في معالجة أزمات هيكلية معقدة، وكمثال حي على أن تجاهل أساسيات الاقتصاد لا يُلغيها، بل يؤجل كلفتها ويضاعفها.

334 يوماً لاستعادة العقار من المستأجر

وفق النظام الجديد، سيعتمد الملاك بصورة أكبر على إخلاء قائم على أسباب محددة مثل تأخر الإيجار أو سوء السلوك، وهي قضايا غالباً ما تكون محل نزاع وتستغرق وقت أطول في المحاكم.

بعض التقديرات تشير إلى أن عملية استعادة العقار قد تمتد إلى 334 يوماً، ويشير محامون أيض إلى أن عدد القضايا المتنازع عليها في ارتفاع، مع استخدام بعض المستأجرين أدوات رقمية للمساعدة في إعداد دفاعاتهم، إضافة إلى نصائح من بعض السلطات المحلية لتأخير الإخلاء لتجنب تسجيل التشرد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، تواجه المحاكم ضغطاً متزايداً مع إغلاق عدد من المحاكم منذ 2010 ونقص الاستثمار، مما أدى إلى تراكم القضايا وصعوبة إدارتها.

تنفيذ الإخلاء عبر محضري المحكمة

ويقول مختصون في القطاع إن التأخير لا ينتهي عند صدور الحكم، إذ قد ينتظر الملاك أشهر إضافية لتنفيذ الإخلاء عبر محضري المحكمة، مع متوسط خسائر إيجارية يتجاوز 12 ألف جنيه استرليني (16.2 ألف دولار) في بعض الحالات.

ويلجأ بعض الملاك إلى المحكمة العليا لتسريع التنفيذ، لكن الموافقة ليست مضمونة، مما يترك كثيرين في حال انتظار طويلة، ومع دخول قانون إصلاح حقوق المستأجرين حيز التنفيذ، يتوقع أن يزداد الضغط على النظام القضائي، وسط تحذيرات من أن النظام “سيزداد سوءاً قبل أن يتحسن، في ظل غياب توازن واضح بين حماية المستأجرين وقدرة الملاك على استرداد ممتلكاتهم”.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى