مصر بعد الحرب: دعوات إلى التخلي عن الأموال الساخنة واستيعاب درس الطاقة

وسط آمال بدخول الحرب في الشرق الأوسط فصلها الأخير بعد هدنة أميركية – إيرانية موقتة مدة أسبوعين، لإفساح المجال إلى اتفاق وقف دائم للحرب، ينظر الشارع المصري باندهاش صوب الأزمة الكاشفة لهشاشة اقتصاد البلاد، وما خلفته من تبعات مكلفة على صعيد معيشة المواطنين، بدءاً من تحريك أسعار الوقود والكهرباء، وصولاً إلى إجراءات الإغلاق المبكر للمحال التجارية ترشيداً لاستهلاك الطاقة.
نأت القاهرة عن الانخراط في الصراع الإقليمي الأخير، ومع ذلك لم تسلم من نيران الحرب، فكانت أحد أهم المتضررين إزاء فاتورة الطاقة التي تستورد معظمها، بجانب تخارج مليارات من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية (الأموال الساخنة)، التي انعكست على تهاوي سعر صرف الجنيه إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة.
أكدت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني العالمية قبل أيام أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط ينعكس على الاقتصاد المصري، من خلال ارتفاع كلفة الطاقة، واضطرابات الإمدادات، وتقلبات تدفقات رؤوس الأموال، محذرة من أن استمرار هذه الضغوط قد يؤثر سلباً في جهود ضبط المالية العامة، من خلال إضعاف النشاط الاقتصادي وتقليص الإيرادات الضريبية، إضافة إلى زيادة الحاجة إلى الإنفاق الاجتماعي.
التضخم في أسعار السلع الغذائية
وعانى المصريون مستويات مرتفعة من التضخم في أسعار السلع الغذائية والأدوية والطاقة والوقود والنقل، مما استدعى من الحكومة قرارات تتعلق بتعزيز قدرة الحماية الاجتماعية لدى الأسر عبر زيادة الأجور والمعاشات، بجانب ترشيد الاستهلاك الحكومي والنفقات، بهدف استيعاب آثار الصدمة، ومع ذلك ظلت الآمال معلقة حيال توقف الحرب، بالتالي تلاشي آثارها الصعبة.
وبلغ التضخم ذروته التاريخية عند 38 في المئة في سبتمبر (أيلول) 2023، قبل أن يبدأ في التراجع عقب توقيع اتفاق إنقاذ مالي مع صندوق النقد الدولي في مارس (آذار) 2024 بقرض قيمته 8 مليارات دولار لمدة 46 شهراً، في وقت كانت تواجه تضخماً مرتفعاً ونقصاً في العملة الأجنبية.
وتعتزم الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور بقيمة 1000 جنيه مصري (19 دولاراً) مع تطبيق زيادات تدريجية، ليصبح الحد الأدنى للأجر في القطاع العام 8 آلاف جنيه مصري (151.7 دولا) شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل، مع زيادة العلاوة الدورية بنسبة 15 في المئة.
الدرس المستخلص من تلك الأزمة
لكن ثمة من يرى أن الدرس المستخلص من تلك الأزمة يجب أن يكون أبعد من مجرد تجاوز القرارات المرحلية الصعبة، إلى ضرورة معالجة تشوهات واختلالات الاقتصاد وسد الثغرات أمام هذا الانكشاف الخطر على الأزمات الإقليمية والعالمية على نحو يعصف بالاقتصاد المصري صوب أزمات جديدة.
في حديث لـ”اندبندنت عربية”، يقول وزير الصناعة والتجارة السابق منير فخري عبدالنور إن الحرب في الإقليم كشفت كيف أن اقتصاد مصر يعاني هشاشة واضحة في هيكله، خصوصاً عند النظر إلى ملفي الطاقة وسعر الصرف، وهو ما يتعين التعامل معه في ما بعد الحرب بأسلوب مختلف، عبر مراجعة أوجه الإنفاق وتحديد الأولويات.
يدرك عبدالنور، كيف أن موارد البلاد الدولارية، من قناة السويس والصادرات والاستثمار الأجنبي وتحويلات المصريين بالخارج قابعة تحت ضغوط شديدة في ظل الحرب الأخيرة، ومن ثم فهو يطرح توصيات من شأنها، كما يقول، أن تدفع نحو تعظيم تلك الموارد في خضم الأزمة.
قناة السويس كمثال، يرى عبدالنور حاجتها إلى تحفيز العبور عبر حزمة من التيسيرات الموقتة، وتعميق اللوجستيات وعدم الاعتماد فقط على تحصيل رسوم عبور المجرى الملاحي للسفن وناقلات النفط، مع تطوير المناطق الصناعية هناك.
تدهور القطاع الخاص في مصر
ويلفت عبدالنور إلى أهمية استهداف أذكى في منظومة الدعم، إذ ينبغي أن تتخلى الدولة عن دعم غير المستحقين، والاستعانة بالبحوث الاجتماعية وبيانات الدخل للتعرف على الفئات الأولى بالرعاية، ويرى أن البنك المركزي المصري مطالب بتحفيز الإنتاج عبر تقديم مبادرات تيسيرية، في خضم معركته الحالية مع التضخم واتجاهه العام نحو التيسير النقدي وخفض أسعار الفائدة.
وقبل أيام أظهر استطلاع لقطاع الأعمال حظي بمتابعة على نطاق واسع أن أداء القطاع الخاص غير النفطي في مصر تدهور في مارس (آذار) الماضي بأسرع وتيرة منذ ما يقارب عامين، إذ أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع الكلفة وتراجع الطلب من العملاء. وانخفض مؤشر مديري المشتريات لمصر التابع لمجموعة “ستاندرد أند بورز غلوبال” للشهر الرابع على التوالي، إذ تراجع إلى 48.0 في مارس من 48.9 في فبراير (شباط)، وهو أدنى مستوى منذ أبريل (نيسان) 2024.
أما المتخصص الاقتصادي هاني توفيق فيقول إنه يتعين على الحكومة المصرية عند انتهاء أزمة الحرب أن تستوعب درسين مهمين، أولهما إيلاء أولوية كبرى في الإنفاق على الطاقة المتجددة واستكشاف النفط والغاز، بالنظر إلى حاجة البلاد الاستهلاكية الكبيرة من الطاقة، وهو ما يفسر اللجوء صوب تحريك أسعار الوقود خلال الأيام القليلة الماضية، مضيفاً بأن هذه الحرب أنهت إلى الأبد عصر الطاقة الرخيصة.
اعتماد الدولة على “الأموال الساخنة”
بينما الدرس الثاني الذي يطالب توفيق الحكومة باستيعابه، فيتعلق بالعمل على خفض اعتماد الدولة على “الأموال الساخنة“، وكذلك السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، وزيادة مواردها في المقابل من الاستثمار الأجنبي المباشر والصادرات، كونهما مصدرين مستدامين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأمام هرب مليارات الدولارات من الأموال الساخنة من السوق المصرية بفعل الاضطرابات اللاحقة على حرب إيران، لم يجد الجنيه سوى الانحناء للعاصفة بتراجع قياسي للمرة الأولى في تاريخه بلغ في البنوك المصرية مستويات تلامس 54 جنيهاً، مما يلقي بتبعات غير محمودة على المالية العامة للدولة وإرباك خطط البنك المركزي لكبح جماح التضخم وغلاء المعيشة.
من جانبه، يرى مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية عبدالمنعم السيد أن الحرب تضع قناة السويس تحت ضغوط صعبة، مع تسببها في رفع كلفة الشحن وأسعار السلع والأسمدة والمحاصيل، خصوصاً في ظل ما تعانيه سلاسل الإمداد من ارتباك واضح نتيجة هذه الأزمة.
وبينما يعرب السيد عن ثقته في تعافي الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة حال توقف الحرب، فإنه يرى أن الحكومة مطالبة بالعمل على ترشيد الاستهلاك من الطاقة لمواجهة ارتفاع أسعار النفط عالمياً، بجانب التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة والعمل على تحقيق استراتيجية الاكتفاء الذاتي من الغاز بحلول 2030، مما يجنب البلاد فاتورة مكلفة من واردات الطاقة، بالتالي الضغط على النقد الأجنبي.
النمو الاقتصادي لمصر قد يتباطأ
في منتصف الشهر الماضي، رفعت وزارة البترول المصرية أسعار مجموعة واسعة من المنتجات البترولية في ظل استمرار معاناة المنطقة من ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية وتوقف الإنتاج في الشرق الأوسط نتيجة الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
والزيادات، التي تراوح ما بين 14 و17 في المئة على مجموعة واسعة من المنتجات البترولية، هي الأولى من نوعها هذا العام، وتأتي بعد زيادة مماثلة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تراوحت ما بين 10.5 و12.9 في المئة.
وزير التخطيط المصري أحمد رستم لم ينف حدود الأزمة المقلقة لبلاده وتبعاتها القاسية على الاقتصاد، مقراً بأن النمو الاقتصادي لمصر قد يتباطأ إلى ما بين 4.9 في المئة و5.1 في المئة خلال العام المالي الحالي بسبب حرب إيران، مشيراً في تصريحات قبل أيام، إلى أن النمو المستهدف يأتي مقارنة مع مستويات 5.2 في المئة مستهدفات ما قبل الحرب.
إن توقفت الحرب، فإن تبعاتها ستدوم على الأرجح إلى حين آخر كما يتوقع كثر من المتخصصين في مصر، لكن الأهم بحسب الآراء هو تجنب تداعيات أزمات مستقبلية كتلك عبر المسارعة نحو برنامج إصلاحي وطني يقضي بعلاج تشوهات المالية العامة ودفع الإنتاج وتحقيق أمن الغذاء والطاقة في البلاد.



