لماذا تبيع تركيا ذهبها بهذا القدر؟

في أوقات الاضطراب يلجأ المستثمرون إلى تسييل الأصول والاحتفاظ بالنقد حتى تستقر الأمور وتتضح رؤى المستقبل، ولم تكن الحرب في الشرق الأوسط استثناءً، فمنذ بدايتها نهاية فبراير (شباط) الماضي وشهدت الأصول التي توصف بأنها “ملاذات آمنة” للثروة تراجعاً في قيمتها، مع عمليات بيع كبيرة.
ومن بين تلك الأصول الذهب، الذي هوى سعره بعدما تجاوز حاجز 5 آلاف دولار للأوقية بكثير، مطلع العام الحالي.
لم يكن ذلك الهبوط نتيجة بيع المستثمرين فحسب للمعدن الثمين، وإنما أيضاً بيع البنوك المركزية بعض حيازاتها من الذهب بعدما كانت من أكبر المشترين له على مدى أكثر من عامين، مما أسهم في رفع سعره.
إلا أن البنوك المركزية توازن بين بيع الذهب لتوفير قدر من السيولة، وبين الاحتفاظ بكميات منه أيضاً ضمن احتياطاتها المنوعة من النقد والأصول الأخرى كالسندات وغيرها.
وربما يُنظر إلى ما حدث في تركيا منذ مارس (آذار) الماضي في هذا السياق، إلا أن الكميات الكبيرة من احتياط الذهب التي باعتها تركيا لا تتسق مع هذا النسق العام.
صحيح أن دولاً مثل روسيا وبولندا وغانا باعت جزءاً من احتياطاتها من الذهب، أو قررت البيع، لتوفير السيولة لمواجهة عبء تبعات الحرب الاقتصادية، لكن ليس بمثل ما حدث مع تركيا، على رغم أن الجميع استفاد من بيع الذهب قبل أن ينخفض سعره بأكثر من نسبة 10 في المئة.
دعم الليرة
وبحسب بيانات البنك المركزي التركي، باعت تركيا ما يزيد على 130 طناً من الذهب أو رهنتها في غضون مارس الماضي، مما جعل احتياط البنك المركزي التركي من الذهب ينخفض إلى أدنى مستوى له في أكثر من عامين.
إلى جانب توفير السيولة لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وغيرهما، كان هدف تركيا من بيع ذهبها أيضاً دعم العملة الوطنية، الليرة التركية، التي انخفضت قيمتها بنحو اثنين في المئة الشهر الماضي.
على مدى 30 يوماً، هوت أسعار الذهب بأكبر معدل لها للهبوط في شهر واحد منذ عام 2008، وكان لعمليات البيع التركية الدور الأكبر في ذلك الهبوط لسعر المعدن الثمين، إذ باعت أنقرة خلال تلك الفترة ما قيمته 20 مليار دولار من الذهب، حسب تقديرات صحيفة “فايننشال تايمز”.
في الفترة من الـ27 من فبراير إلى الـ27 من مارس الماضيين باع البنك المركزي التركي 52 طن ذهب من احتياطاته من المعدن الثمين، وأدى ذلك إلى انخفاض احتياط الذهب في البنك إلى نحو 440 طناً، كذلك قام البنك التركي برهن 79 طناً من الذهب، عبر عمليات “مبادلة”، لتوفير السيولة لدعم الليرة التركية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم تتوقف عمليات بيع تركيا ذهبها، فخلال الأسبوع الأخير من الشهر الماضي باع البنك المركزي التركي 31 طناً أخرى من الذهب، وكل ذلك لمواجهة تدهور سعر صرف الليرة ومحاولة التعامل مع ارتفاع معدلات التضخم التي تجاوزت نسبة 30 في المئة، وبخاصة أن احتياطات تركيا من العملة الأجنبية تراجعت منذ بداية الحرب بمقدار النصف تقريباً لتصل إلى 46 مليار دولار، وفق بيانات شركة “بورومجيكشي” للأبحاث والاستشارات.
وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغت مشتريات البنك المركزي التركي من الذهب العام الماضي نحو 860 طناً، بانخفاض في معدل الشراء عن العام السابق بنسبة 20 في المئة.
من يبيع ومن يشتري؟
لم تضطر كل البنوك المركزية إلى بيع الذهب كما فعلت تركيا، على رغم أن الأضرار الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط لم تستثنِ أحداً حول العالم. على سبيل المثال، باع البنك المركزي الروسي ما يصل إلى 15 طناً من الذهب خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير الماضيين، أي قبل الحرب، أما البنك المركزي البولندي فقد اقترح الشهر الماضي بيع جزء من احتياط الذهب لديه، لكن الحكومة البولندية عارضت الأمر.
في المقابل، اشترى بنك الشعب (المركزي) الصيني الشهر الماضي نحو 160 ألف أوقية من الذهب أضافها إلى احتياطاته، وتلك أكبر عملية شراء يقوم بها البنك منذ عام.
ويرى كثير من المحللين أن الصين تحاول الاستفادة من هبوط سعر الذهب في السوق العالمية لزيادة احتياطاتها من المعدن الثمين.
من المهم الإشارة إلى أن تركيا تعد سوقاً كبيرة للذهب، سواء في صورة سبائك كالتي يحتفظ بها البنك المركزي أو مشغولات ذهبية، خصوصاً من عيار 18 و22 قيراطاً.
وكان البنك المركزي التركي من أكبر المشترين للمعدن الثمين بين عامي 2023 و2024 قبل أن يبدأ في خفض معدلات الشراء وحتى البيع الكبير الشهر الماضي.
يذكر أيضاً أن تركيا كانت إحدى منافذ إيران في السابق للالتفاف على العقوبات بالتعامل بالذهب مع أنقرة، سواء مقابل بيعها الطاقة أو للوصول إلى الأسواق العالمية للاستيراد.
وهناك قضية كبيرة قبل أعوام في شأن “ذهب إيران” وصلت إلى المحاكم في نيويورك بالولايات المتحدة.
من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان بيع الذهب التركي بهذه الكميات الكبيرة أسهم بصورة واضحة في وقف معدلات التضخم، إنما المؤكد أنه أوقف أو في الأقل أبطأ منحى تدهور سعر صرف الليرة التركية.



