كيف يتفادى المستثمرون خسائر كبيرة إذا انهارت السوق؟

أثار هبوط الأسواق قبل أسبوع، قلق المستثمرين وصناديق الأسهم في شأن احتمال انهيار الأسواق، وبدأ الحديث عن سبل التحوط لتقليل الخسائر إذا حدث ذلك.
وضاعف من القلق، بالتالي البحث عن طرق التحوط، زيادة المخاوف في شأن الذكاء الاصطناعي واحتمال “انفجار فقاعة” تهوي بمؤشرات الأسهم.
قبل أيام، أعلنت شركات التكنولوجيا الأربع الكبرى “ألفابيت” و”أمازون” و”ميتا” و”مايكروسوفت” خطط استثمار أكثر من ثلثي تريليون دولار (660 مليار دولار) في الذكاء الاصطناعي، لكن الأسواق قابلت الإعلان ببرود، كذلك فعل المستثمرون، فبدلاً من أن يؤدي الإعلان إلى الإقبال على شراء أسهم شركات الذكاء الاصطناعي هبطت أسهم الشركات الأربع.
كان ذلك تأكيداً عملياً على أن قلق المستثمرين والأسواق من فقاعة الذكاء الاصطناعي حقيقي ويزداد باطراد، وهو قلق يتصاعد منذ العام الماضي مع مخاوف قوية من انهيار الأسواق بسبب المغالاة المستمرة في قيمة الأسهم مقابل العائدات المتوقعة منها.
في مثل تلك الأجواء، يبحث المستثمرون عن طرق حماية استثماراتهم والتحوط لانهيار السوق، مع أن الخيار الأمثل طبعاً هو أن يبيع المستثمرون والصناديق حيازاتهم من الأسهم والسوق في وضع جيد قبل الانهيار لتجنب الخسائر الهائلة، إلا أن ذلك ليس خياراً مطروحاً للمستثمرين التقليديين في الأسواق، فهؤلاء يعدون “مهنتهم” الاستثمار في الأسهم، ومعنى التخلص من أسهم فقدانهم مهنتهم، فضلاً عن أن البيع الكبير المتزامن هو عملياً دفع السوق نحو الانهيار.
وضع الملاذات الآمنة
تقليدياً، كان المستثمرون يلجأون إلى ما تسمى الملاذات الآمنة خلال وقت الاضطراب واحتمال هبوط الأسواق بشدة أو انهيارها، إلا أن تلك الملاذات الآمنة لم تعد مخزناً مضموناً للقيمة خلال الآونة الأخيرة، فالدولار الأميركي فقد نحو 10 في المئة من قيمته منذ تولي إدارة الرئيس دونالد ترمب مطلع العام الماضي، وفي ظل السياسات المالية والاقتصادية الأميركية الحالية يتوقع أن يستمر الدولار في الهبوط.
أما الملاذ الآمن للثروة غير الدولار فهو الذهب، لكن التقلبات الشديدة في أسعار الذهب والفضة خلال الآونة الأخيرة جعلت المستثمرين يترددون إلى حد ما في اللجوء إلى المعدن الثمين كوسيلة تحوط في ظل مخاوف انهيار السوق، وإن كان بعضهم ما زال يلجأ للذهب وحتى الدولار كوسيلة تحوط، لكن تلك الأصول تعني “حبس” الاستثمارات وهو ما يتناقض مع وظيفة المستثمرين في الأسهم.
لم تفلح أيضاً العملات المشفرة في أن تكون الملاذ الآمن للثروة ومخزن القيمة البديل للتحوط تجاه تقلبات السوق، فالتذبذب الهائل في سعر “بيتكوين” خلال الأشهر الأخيرة، إذ فقدت العملة المشفرة نصف قيمتها تقريباً، أفقد المشفرات تلك الميزة المأمولة على رغم إجراءات تضمينها في النظام المالي الرسمي.
فكيف يمكن للمستثمرين والمتعاملين في الأسواق الاستمرار في تداول الأسهم وفي الوقت ذاته التحوط تجاه هبوط المؤشرات وانهيار السوق؟ بدأت شركات الاستشارات وأقسام البحوث في البنوك الاستثمارية العمل على دراسات تجيب عن هذا التساؤل.
ونشرت مجلة “الإيكونوميست” ضمن عددها الأخير تحليلاً حول الخيارات المتاحة أمام المستثمرين والمتعاملين في الأسهم في شأن سبل التحوط تلك، والخلاصة أن عملية التحوط لانهيار الأسواق أصبحت أصعب ما يمكن.
مشكلات البيع والاحتفاظ بالنقد
المستثمر الذي يضع أمواله ضمن صندوق استثمار في الأسهم يتوقع أن يستثمرها المديرون في شراء الأسهم، وإذا كان الخيار هو الاحتفاظ بالنقد فإن المستثمر سيفضل سحب أمواله من الصندوق والاحتفاظ بالنقد في حسابه المصرفي، بدلاً من أن يدفع رسوماً للصندوق ومديري الاستثمار وهم يحتفظون بأمواله في حساب مصرفي أيضاً.
بالنسبة إلى المستثمرين غير المؤسساتيين (المستثمر الفردي)، فهو لا يعاني تلك القيود التي يخضع لها مديرو الاستثمار وإدارة الأموال في الصناديق، وقد يعني انخفاض مؤشرات السوق، كذلك حدث الأسبوع الماضي، أن يلجأ هؤلاء إلى البيع والتخلص من حيازاتهم من الأسهم، إلا أن تجربة انفجار فقاعة “دوت كوم” مطلع القرن تمثل درساً مهماً في هذا الصدد خصوصاً والأسواق تتوقع انفجار فقاعة مماثلة للذكاء الاصطناعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلال الأعوام الخمسة السابقة على مارس (آذار) 2000 الذي شهد قمة ارتفاع شركات الإنترنت قبل انفجار الفقاعة، تعرض مؤشر “ناسداك” لشركات التكنولوجيا لأكثر من عملية تصحيح بالهبوط بنسبة 10 في المئة أو أكثر، وكان يمكن في كل مرة أن يتحوط المستثمرون للخسائر لكنهم لم يفعلوا.
فخلال تلك الفترة تضاعفت قيمة المؤشر بنحو 12 ضعفاً تقريباً، وحتى بعد انفجار الفقاعة وانهيار السوق كان المستثمرون الذين اشتروا عام 1995 وحافظوا على مراكزهم تضاعفت أموالهم.
خيارات التحوط لانهيار السوق
تبقى الاستراتيجية الأمثل للتحوط تجاه احتمال انهيار السوق هي التحسب للأخطار بطريقة لا تقلل من العائدات بشدة مع ارتفاع المؤشرات، وخلال الوقت ذاته تحد من الخسائر مع هبوط مؤشرات الأسهم، وبحسب تحليل المجلة هناك ثلاثة خيارات مهمة لاستراتيجية التحوط تجاه انهيار السوق وتقليل الخسائر في حالة انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي.
الخيار الأول تنويع المحافظ ما بين الأسهم والسندات، وهو الخيار الذي غالباً ما اعتمدته الصناديق التقليدية مثل صناديق معاشات التقاعد وشركات التأمين وغيرها، لأنها استراتيجية تضمن لها عائداً جيداً وتقلل الخسائر في حال انهيار الأسهم، إذ تظل قيمة السندات تحوطاً يعوض الخسارة في الأسهم.
كان ذلك الخيار جيداً ومناسباً بنهاية القرن الماضي، إذ كانت أسعار الفائدة تنخفض بقوة وتنخفض معدلات التضخم التي ارتفعت بشدة خلال السبعينيات وبدأ التراجع نهاية الثمانينيات.
بالتالي انخفض العائد على السندات، وبما أن سعر السند يتناسب عكسياً مع نسبة العائد عليه ارتفعت قيمة السندات.
خلال الفترة من عام 1995 إلى عام 2000 حين انهارت الأسواق مع انفجار فقاعة “دوت كوم” ارتفع مؤشر “بلومبيرغ” الذي يتابع إجمال العائد على سلة سندات للخزانة الأميركية بنسبة 50 في المئة، مع انهيار السوق خفضت البنوك أسعار الفائدة واستفاد حملة السندات نتيجة انخفاض العائد عليها وارتفاع سعرها، لكن مع انهيار مؤشر “ناسداك” ارتفع مؤشر بلومبيرغ بنسبة 30 في المئة إضافية.
أما الآن، فقد تغير ذلك النمط، فمنذ عام 2022 نشهد هبوط قيمة السندات أيضاً مع هبوط مؤشرات الأسهم، وأحدث مثال على ذلك التزامن ما حدث في الأسواق عندما أعلن الرئيس ترمب فرض التعريفة الجمركية على كل شركاء أميركا خلال أبريل (نيسان) 2025، إذ هوت الأسهم والسندات معاً، وهكذا أصبح التحوط تجاه انهيار سوق الأسهم بالاحتفاظ بمقابل من السندات أمراً غير مضمون تماماً.
الخيار الثاني لدى المستثمرين للتحوط تجاه انهيار السوق هو عقود المشتقات المسماة الرهان على تحرك السهمOption ، ويعتمد ذلك على تحديد السعر ضمن عقد ذلك المشتق الاستثماري ومدة التعاقد، فالتعاقدات لمدة عام مثلاً أقل مخاطرة من التعاقدات الشهرية.
كذلك فإن تحديد السعر الذي عنده يُحقق خيار الرهان يحدد أيضاً مقدار المكسب أو الخسارة، إلا أن تعاقدات المستثمرين على أسهم يملكونها أصلاً غالباً لا توفر الحماية الكافية من الخسائر وإن كانت تقلل منها حسب رهان المضاربة، من حيث المدة وسعر نقطة التصرف المحدد مسبقاً.
الخيار الثالث، والذي يفضله المحللون في بنك “غولدمان ساكس” الاستثماري، هو استراتيجية تنويع محفظة الأسهم بمقابل غير السندات يمثل “حيازة” أمان في حال انهيار السوق، ويعني ذلك تقسيم محفظة الأسهم للمستثمر نصفين، مثلاً النصف من أسهم مؤشر “أس أند بي 500” القيادية والنصف من المؤشر الفرعي “منخفض التذبذب”.
يضم المؤشر الفرعي 100 شركة لا تتذبذب قيمة أسهمها كثيراً وإن كانت تحقق عائدات ولديها مستويات دين منخفضة، لكن ما زال المستثمرون يفضلون الأسهم ذات العائد المرتفع والتي تزيد توزيعاتها سنوياً لمدة 25 عاماً في الأقل، وحتى في حالة تقسيم محفظة الأسهم بين تلك عالية الأخطار والمنخفضة الأخطار والتذبذب لن يحقق ذلك سوى عائد مماثل في أحسن الأحوال.



