قوة الوظائف الأميركية تضغط على السندات وتقلص رهانات خفض الفائدة

أدى صدور تقرير وظائف أميركي أقوى من المتوقع إلى تراجع سندات الخزانة، بعدما خفض المتداولون رهاناتهم على قيام الاحتياط الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة في عام 2026. كما تلاشى الارتفاع الأولي في المؤشرات الرئيسة للأسهم، فيما هبطت العملات المشفرة.
وتعرضت السندات قصيرة الأجل لأكبر الضغوط، إذ ارتفع العائد على السندات لأجل عامين إلى 3.5 في المئة. وسعرت أسواق المال الخفض المقبل للفائدة في يوليو (تموز)، بدلاً من يونيو (حزيران) سابقاً. وارتفعت نحو 300 شركة ضمن مؤشر “إس آند بي 500” على أمل أن تدعم قوة الاقتصاد الأرباح، إلا أن المؤشر أغلق على استقرار مع تراجع معظم الشركات الكبرى ذات القيمة السوقية الضخمة. وهبط صندوق متداول يتتبع شركات البرمجيات بنسبة ثلاثة في المئة، فيما تراجع “بتكوين” إلى 67.500 دولار.
ماذا تكشف بيانات يناير عن مسار سوق العمل الأميركي؟
ارتفعت الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة خلال يناير (كانون الثاني) بأكبر وتيرة في أكثر من عام، فيما تراجع معدل البطالة بصورة غير متوقعة، مما يشير إلى استمرار استقرار سوق العمل.
وأضاف أصحاب العمل 130 ألف وظيفة الشهر الماضي، وتراجع معدل البطالة إلى 4.3 في المئة. وجاء ذلك عقب مراجعات لبيانات العام السابق أظهرت تباطؤاً ملاحظاً في التوظيف، إذ بلغ متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 15 ألف وظيفة فقط العام الماضي، مقارنة بـ49 ألفاً، وفق التقديرات الأولية.
وقالت إلين زينتنر من “مورغان ستانلي لإدارة الثروات”، “ربما كانت الأسواق تتوقع تباطؤاً في أرقام اليوم بعد البيانات الضعيفة الأسبوع الماضي، لكن سوق العمل ضغط على دواسة الوقود بدلاً من ذلك”.
واعتبر بريت كينويل من “إي تورو” أن هذا النوع من التقارير ينبغي أن يرحب به المستثمرون، حتى وإن منح الفيدرالي مجالاً أكبر للإبقاء على الفائدة من دون تغيير.
وأضاف “لا يزال هذا مجرد مؤشر واحد، ولا يمحو الضعف الأخير في بيانات أخرى، لكن إذا كانت سوق العمل تستقر فعلاً، فسيكون ذلك إيجابياً لكل من الاقتصاد والأسواق”.
كيف تفاعل الرئيس ترمب والأسواق مع الأرقام الجديدة؟
وأشاد الرئيس دونالد ترمب بالأرقام في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً إن الولايات المتحدة ينبغي أن تتمتع بأدنى أسعار فائدة عالمياً، وكتب “أرقام وظائف رائعة، أفضل بكثير من المتوقع!”.
وحام مؤشر “إس آند بي 500” قرب مستوى 6950 نقطة، وارتفع العائد على السندات لأجل عامين ست نقاط أساس إلى 3.51 في المئة، فيما صعد العائد على السندات لأجل 10 سنوات ثلاث نقاط أساس إلى 4.18 في المئة. وتذبذب الدولار، بينما ارتفعت أسعار النفط مع طغيان الأخطار الجيوسياسية على المخاوف من تخمة المعروض في السوق.
ومن المرجح أن تكون المخاوف في شأن ارتفاع البطالة، التي دفعت إلى ثلاثة تخفيضات في الفائدة نهاية 2025 قبل التوقف في يناير (كانون الثاني)، قد تراجعت بفعل بيانات الأربعاء، وكان مسؤولو الفيدرالي قد أشاروا في اجتماعهم الأخير إلى دلائل على الاستقرار كسبب للإبقاء على الفائدة ثابتة.
هل يشير تحسن التوظيف الصناعي إلى بداية تعاف أوسع؟
ومن الجوانب اللافتة في بيانات الأربعاء ارتفاع التوظيف في المصانع الأميركية للمرة الأوىل منذ أواخر 2024، في إشارة أولية إلى احتمال بدء تعافي القطاع الصناعي بعد سنوات من الضعف. وفي بيان بعنوان “هذا هو اقتصاد ترمب”، أبرز البيت الأبيض تحسن التصنيع كدليل على بدء ثمار السياسات الصناعية بالظهور.
وقال كيفن أونيل من “برانديوين غلوبال”، “على رغم استمرار تركز نمو الوظائف في قطاع الرعاية الصحية، أظهر التصنيع إشارات مشجعة مع عودته للنمو الإيجابي”.
هل تعكس المراجعات ضعفاً أم أن الانتعاش هو الرسالة الأهم؟
وكانت التوقعات تشير إلى مراجعات هبوطية ملاحظة لوتيرة التوظيف العام الماضي، إلا أن الاقتصاديين تفاجأوا إيجابياً بقوة انتعاش سوق العمل في يناير (كانون الثاني)، إذ فاقت الزيادة في الوظائف معظم التوقعات.
وقال مايك ريد من “آر بي سي كابيتال ماركتس”، “لا تدعوا المراجعات تخدعكم، تقرير يناير أظهر تحسناً مستمراً في سوق العمل الأميركي، ونتوقع أن يرسخ ذلك رؤيتنا بأن الفيدرالي سيتجه إلى فترة توقف طويلة في 2026”.
ويرى أوسكار مونيوز وجينادي غولدبرغ من “تي دي سيكيوريتيز” أن المفاجأة الإيجابية في يناير(كانون الثاني)، تعني استقراراً في سوق العمل لا إعادة تسارع، وأضافا “نحتاج إلى مزيد من الأدلة للانتقال إلى هذا الاستنتاج. عموماً، تحسن توقعات التوظيف يمنح الفيدرالي مجالاً للصبر والتركيز أكثر على هدف التضخم”.
ولا يزالان يتوقعان خفضاً للفائدة بواقع 75 نقطة أساس هذا العام، مع التأكيد أن التيسير لن يكون نتيجة تدهور اقتصادي، بل استمراراً لتطبيع السياسة مع تقدم التضخم تدريجاً نحو هدف اثنين في المئة.
هل تعزز البيانات موقف صقور الفيدرالي؟
وبحسب أنجلو كوركافاس من “إدوارد جونز”، فإن البيانات توفر دعماً لصقور الفيدرالي لاعتماد نهج صبور في خفض الفائدة، وتعزز سردية استقرار سوق العمل.
وأضاف “من منظور المحافظ الاستثمارية، نتوقع أن يعود عائد السندات لأجل 10 سنوات نحو منتصف نطاق 4 في المئة -4.5 في المئة، ونرى استمرار التحول نحو قطاعات ’الاقتصاد القديم‘ والدورية”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال كريشنا غوها من “إيفركور” إن التقرير يبدد فكرة خفض الفائدة قبل منتصف العام، وسيغذي نقاشاً داخلياً في شأن مدى تقييد السياسة النقدية وحجم الفجوة في سوق العمل.
وأظهرت عقود مقايضة أسعار الفائدة بعد البيانات أن المتداولين يرون احتمالاً يقل عن خمسة في المئة لخفض الفائدة في اجتماع مارس (آذار)، مع تسعير تيسير إجمالي بنحو 52 نقطة أساس بحلول ديسمبر (كانون الأول).
كيف قد يتعامل الرئيس المقبل للفيدرالي مع هذا المشهد؟
أثارت البيانات تكهنات حول كيفية تعامل كيفن وورش، مرشح ترمب لرئاسة الفيدرالي، مع السياسة النقدية.
وقالت شروتي ميشرا وأديتيا بهافي من “بنك أوف أميركا”، “نتمسك حالياً بتوقعاتنا لخفضين تحت قيادته، لكن الخطر الرئيس لدعوته إلى تخفيضات كبيرة هو تراجع معدل البطالة، وإذا ظل مستقراً أو انخفض أكثر بحلول يونيو (حزيران)، فقد يضطر وورش إلى الإبقاء على الفائدة من دون تغيير لبقية العام”.
هل لا يزال الاقتصاد في وضع “توظيف منخفض وتسريح منخفض”؟
من جانبه، قال رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي في كانساس سيتي جيف شميد إن على البنك المركزي الإبقاء على الفائدة عند مستوى “مقيد إلى حد ما”، مع استمرار القلق من بقاء التضخم مرتفعاً.
وأشارت جينيفر تيمرمان من “ويلز فارغو إنفستمنت إنستيتيوت” إلى أن قوة الاقتصاد الممتدة من 2025 إلى هذا العام قد تجعل الشركات أقل ميلاً لتسريح العمال، فيما يحد شح المعروض من العمالة من ارتفاع البطالة.
وقال مارك هامريك من “بانكريت”، “لا يزال سوق العمل أقرب إلى نموذج ’توظيف منخفض، وتسريح منخفض‘ بدلاً من إعادة تسارع واسعة النطاق. وبالنسبة إلى الفيدرالي، فإن صورة وظائف أكثر استقراراً تقلل الحاجة إلى التسرع في خفض الفائدة، ما دام التضخم تحت السيطرة”.
وأضاف جيسون برايد من “غلينميد” أن متانة سوق العمل تعني عدم وجود حاجة وشيكة إلى خفض الفائدة، مما يمنح الفيدرالي وقتاً لتقييم البيانات المقبلة”.
ويرى مستثمرون أن السيناريو الأساسي يتمثل في نحو خفضين للفائدة في 2026، مرجحين أن يتم ذلك تحت قيادة الرئيس المقبل للفيدرالي.
هل تشكل التراجعات فرص شراء في ظل هذا السياق؟
وبحسب كريس زاكاريلي من “نورثلايت لإدارة الأصول”، فإن التقرير قد يخفف مخاوف تباطؤ اقتصادي وشيك، مضيفاً “ما دام لم نشهد ضعفاً كبيراً في سوق العمل أو الاقتصاد أو أرباح الشركات، فإن تراجعات السوق تظل فرص شراء”.
من جهتها، قالت جينا بولفين إن المستثمرين يتحولون من تداول العناوين إلى التركيز على متانة الأرباح وقوة الموازنات والنمو الانتقائي، مع توقع استمرار التقلبات وإعادة توزيع الاستثمارات خلال 2026.
وأضاف براد كونغر أن سوق العمل القوي سيدعم “اتساع نطاق الصعود”، مع تفضيل شركات بناء المنازل وصناديق الاستثمار العقاري والسلع الفاخرة كمستفيدين محتملين من النمو الأقوى.
وقال ديفيد راسل إن انتعاش القطاع الخاص حال دون تحقق أسوأ السيناريوهات، مضيفاً أن الأرقام تؤكد التعافي في التصنيع.
واعتبر جيف شولزه أن البيانات إيجابية للأصول عالية الأخطار، لأنها تعكس خلفية قوية للاستهلاك.
وقال براد سميث من “جانوس هندرسون”، “حصلت السوق على تقرير الوظائف الذي كان يحتاج إليه، وعلى رغم ضيق الفوارق وارتفاع التقييمات، نرى بيئة مواتية للأصول الخطرة”.
وأشار كاي هاي من “غولدمان ساكس لإدارة الأصول” إلى بوادر تشدد طفيف في سوق العمل، مع تركيز الفيدرالي على مسار التضخم في ظل أداء اقتصادي يفوق التوقعات.
وأضاف “لا نزال نرى مجالاً لخفضين إضافيين هذا العام، لكن مفاجأة صعودية في مؤشر أسعار المستهلكين يوم الجمعة قد تميل بكفة الأخطار نحو التشدد”.
وأوضح مايكل غابين من “مورغان ستانلي” أن استمرار تراجع التضخم هو العامل الحاسم في أي خفض مقبل.
ووفق مكتب تداول “جيه بي مورغان”، إذا جاء مؤشر أسعار المستهلكين الأساس قريباً من التوقعات أو دونها، فهناك احتمال بنسبة 70 في المئة لارتفاع مؤشر “إس آند بي 500″، مع مكاسب محتملة بنحو 1.75 في المئة إذا تراجع التضخم بأكثر من المتوقع.
أما إذا جاء التقرير ساخناً بارتفاع شهري 0.4 في المئة أو أكثر فقد يتراجع السوق بما يصل إلى 2.5 في المئة، بحسب مدى تجاوز الأرقام للتوقعات، إلا أن احتمال هذا السيناريو يبقى منخفضاً، وفق تقديرات البنك.



