قبضة العقوبات تهز سوق الصرف الإيرانية وتسقط الريال أرضا

أدى تفعيل آلية “العودة السريعة للعقوبات” من قبل الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) إلى هزة جديدة في سوق العملات الإيرانية مع بداية الأسبوع الأول من الشهر الإيراني الجاري.
وعلى رغم توقع بعض الخبراء أن اليورو سيتراجع مع احتمال التوصل إلى اتفاق موقت فإن معاملات أمس السبت بدأت بقفزة ملحوظة، والسبب الرئيس لهذه القفزة كان الرد السلبي لطهران على مقترح تمديد تعليق آلية العودة، وهو ما قضى عملياً على آمال المتعاملين في تجنب العقوبات.
في هذا السياق تجاوز سعر اليورو الذي بلغ الخميس الماضي 117 ألف تومان أمس حاجز 120 ألف تومان. وعبور السعر منتصف النهار مستوى 121 ألفاً كان إنذاراً خطراً لاقتصاد يعاني في الأشهر الأخيرة انفلات أسعار الصرف والتضخم، ويقول المحللون إنه في حال استمرار الاتجاه الحالي وعودة العقوبات خلال 30 يوماً قد يسجل اليورو رقماً قياسياً جديداً بين 140 و150 ألف تومان.
هذه القفزة لا تقتصر على الأرقام والرسوم البيانية، بل ستظهر آثارها المباشرة سريعاً على حياة المواطنين وكلفة المعيشة، فالزيادة التي تتجاوز 25 في المئة في قيمة اليورو مقارنة ببداية العام تؤكد تسارع اتجاه جعل الفارق بين سعر العملة منذ نهاية عطلة النوروز (98 ألف تومان) وحتى أمس يتجاوز 23 ألف تومان.
صعود سعر اليورو إلى مستويات غير مسبوقة
كانت النقطة المفصلية لهذا المسار هي عبور اليورو حاجز 100 ألف تومان في يوليو (تموز) الماضي وهو ما وصفه المحللون بـ”بداية القفزة الثانية”. ووفرت حرب الـ12 يوماً في المنطقة فرصة لترسيخ هذا المستوى، ولم تستطع حتى الهدنة المعلنة أن توقف الاتجاه الصعودي، ومنذ ذلك الحين بدت السوق كأنها فقدت إمكان العودة لما دون هذا المستوى.
ويظهر تحليل المدى الطويل أن قيمة اليورو ارتفعت خلال نحو عقد من 3290 – 3500 تومان في 2015 إلى أكثر من 120 ألف تومان في هذه الأيام، وعلى رغم تقلباته الكثيرة صعوداً وهبوطاً، فإن اتجاهه العام كان صاعداً، مما يعكس التآكل المستمر لقيمة الريال.
أهم فترة استقرار نسبي كانت أثناء المفاوضات النووية ثم تنفيذ الاتفاق النووي، إذ تراوح اليورو ما بين 3500 و4000 تومان، بل انخفض لفترة إلى 3890 تومان.
لكن مع اقتراب وصول دونالد ترمب إلى السلطة، وتصاعد الحديث عن انسحاب أميركا من الاتفاق وزيادة العقوبات عاد الاضطراب إلى السوق وقفز اليورو إلى 4500 تومان، وهو مسار تضاعف عشرات المرات اليوم، ليضع الاقتصاد الإيراني أمام أزمة جديدة.
تبعات العقوبات الأميركية وبداية القفزات الكبرى للعملة
كان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعودة العقوبات الواسعة نقطة انطلاق القفزة المفاجئة لليورو في إيران، فالحكومة الثانية لحسن روحاني، التي واجهت في ولايتها الأولى استقراراً نسبياً، اصطدمت بأزمة دفعت اليورو من 5000 تومان في مارس (آذار) 2018 إلى ذروة 22300 تومان في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وعلى رغم التراجع القصير إلى 18000 تومان، فإن الصدمات المتتالية منعت استمرار هذا الانخفاض.
وفي أكتوبر 2019 عاد اليورو إلى حدود 13000 تومان، لكن قرار الحكومة برفع أسعار البنزين فجأة واندلاع احتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) فتح مساراً جديداً لارتفاع العملة، بلغت ذروته في خريف 2020 حين تجاوز اليورو 37000 تومان، بل وصل أحياناً إلى 40000 تومان.
وأقفت انتخابات 2021 وصعود إبراهيم رئيسي بشعار “إدارة سوق الصرف” الارتفاع لفترة قصيرة، إذ اعتمد البنك المركزي سياسة ضخ واسع للعملات الأجنبية فاستقر اليورو بين 25 و29 ألف تومان، لكن تسارع التضخم وزيادة السيولة أفشل هذه السياسة، ليصبح عام 2022 عام القفزات غير المسبوقة.
وبين سبتمبر (أيلول) 2022 ومارس 2023 تضاعف سعر اليورو أكثر من مرتين متجاوزاً 61000 تومان. ويرى المتخصص الاقتصادي سجاد بوربور أن الحكومة السابقة على رغم ضخ 200 مليار دولار من الموارد، لم تتمكن من منع الانفلات الكبير لسعر الصرف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان النمط الثابت في سياسة هذه الحكومة هو التحكم القسري والتدخل الموقت والذي نجح فقط لفترة وجيزة في إيقاف صعود اليورو، لكن في أبريل (نيسان) 2024 سجلت السوق رقماً قياسياً جديداً ببلوغ اليورو 73000 تومان، وهو رقم يكشف عن انهيار تاريخي للريال أمام العملات الأوروبية.
الوعود الضائعة لحكومة بزشكيان
وفاة إبراهيم رئيسي المفاجئة وتولي حكومة مسعود پزشكيان بشعار “إحياء المفاوضات مع الغرب”، بدوا كأنهما فرصة جديدة لإعادة الاستقرار إلى سعر الصرف، إذ أثار نشر خبر استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة موجة من الحماس في السوق، فانخفض سعر اليورو موقتاً إلى 66 ألف تومان.
غير أن العجز عن تنفيذ سياسات اقتصادية ثابتة وإدارة الضغوط التضخمية لم يمنع استمرار الارتفاع، بل ارتفع سعر اليورو في النصف الثاني من عام 1403 بصورة متواصل من 66 ألف تومان إلى حدود 100 ألف تومان، بل وتجاوز هذا السقف التاريخي مرات عدة.
وفي النهاية أقال البرلمان وزير الاقتصاد في حكومة بزشكيان عبدالناصر همتي بسبب فشله في السيطرة على سوق الصرف. وكان المحللون حذروا منذ ذلك الوقت من أنه من دون اتفاق عاجل، ومع بقاء معدل التضخم فوق 30 في المئة ــ وتجاوز 45 في المئة في بعض فترات الأعوام الخمسة الماضية ــ فإن السعر الحقيقي لليورو سيثبت بين 100 و120 ألف تومان.
ويرى المحللون أن اعتماد الحكومة على ضخ البنك المركزي للعملة الأجنبية ليس سوى وسيلة لإخفاء واقع السوق موقتاً، ولا يمكن أن يمنع الأزمة طويلة الأمد.
الرصاصة القاتلة: الحرب وآلية العودة التلقائية للعقوبات
بداية عام 1404 ومع انطلاق المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، ظهر أمل قصير الأمد في تخفيف ضغط سوق الصرف، لكن الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل كانت بمثابة رصاصة الرحمة على حلم الاتفاق، وأثبتت هذه التطورات أن سياسة “إدارة السوق بالصدمة” عبر الأخبار والإشاعات حول استئناف المحادثات لم تعد مجدية.
ويحذر المتخصصون من أنه في حال عودة عقوبات مجلس الأمن فإن المصدر الرئيس لدخول اليورو إلى إيران، أي صادرات النفط والبتروكيماويات، سينخفض إلى أدنى مستوى.
وفي مثل هذا الوضع، ومع تصاعد التوقعات بتجاوز الدولار مستوى 120 إلى 130 ألف تومان، فإن تجاوز اليورو حاجز 150 ألف تومان سيكون السيناريو الأكثر احتمالاً مع بداية الخريف.
وبحسب التحليلات فإن خطر اندلاع حرب جديدة مع إسرائيل والانهيار المستمر لسوق رأس المال والركود في قطاع الإسكان عوامل تدفع السيولة الهائمة نحو سوق الصرف. وفي هذه الحال قد يرتفع الطلب على اليورو إلى درجة يصبح معها وصوله إلى نطاق 150 إلى 180 ألف تومان حتى نهاية العام أمراً غير مستبعد.
معنى هذا الارتفاع هو تدهور أكبر لقيمة الريال وزيادة فقر المجتمع، فمعيشة ملايين الإيرانيين مرتبطة مباشرة بسعر الصرف، وحتى مسعود پزشكيان، رئيس الحكومة الـ14، أقر في مقابلة تلفزيونية أول من أمس الجمعة بأن جزءاً كبيراً من مشكلات البلاد اليوم يعود إلى العقوبات التي كان أول أثر لها دائماً في سعر الدولار واليورو، وأن استمرارها سيعمق الفجوة بين الريال والعملات الأجنبية أكثر فأكثر.