عالمي

 فنزويلا على مفترق اقتصادي جديد والأسواق تراهن والنفط حاضر

مع مرور أيام قليلة على التحول السياسي المفاجئ في فنزويلا عادت البلاد إلى واجهة الأسواق العالمية بقوة غير مسبوقة، بعدما سجلت بورصتها قفزة حادة وضعتها ضمن أفضل الأسواق أداء عالمياً في مطلع 2026، في وقت بدأت فيه مؤسسات استثمارية أميركية اختبار العودة إلى سوق طالما وصفت بـ”المحرمة”.

هذا التحول السريع انعكس مباشرة على مؤشر بورصة “كراكاي” IBC، الذي قفز بأكثر من 110 في المئة خلال أيام، مرتفعاً من 2082 نقطة بنهاية العام الماضي إلى ما يزيد على 4400 نقطة، في صعود حاد أعاد تسعير الأصول الفنزويلية دفعة واحدة، بعد أعوام من الإقصاء والعزوف الاستثماري.

صندوق أميركي يختبر الشهية

في موازاة هذا الصعود تقدمت شركة “تيوكروم” بطلب إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية لإطلاق صندوق مؤشرات متداولة يتيح التعرض للاقتصاد الفنزويلي، وفقاً للمنصة الاقتصادية “انفيستينج”.

الصندوق المقترح يستهدف الشركات ذات الانكشاف المرتفع على السوق المحلية، في خطوة تعكس رهاناً مبكراً على إعادة دمج فنزويلا تدرجياً في النظام المالي العالمي.

التوقيت ليس عابراً، إذ يأتي وسط موجة تفاؤل مدفوعة بإشارات سياسية إيجابية، وتوقعات بإعادة فتح ملفات كانت مجمدة، في مقدمها الديون السيادية والاستثمارات النفطية.

إرث أزمات لم يُمح

وعلى رغم الزخم الحالي، فلا تزال فنزويلا تحمل إرثاً ثقيلاً من الأزمات، فمنذ أعوام، أبعدت العقوبات الأميركية والانهيار الاقتصادي وملف الديون المتعثرة البلاد عن أسواق المال العالمية.

وفي 2017 تخلفت الحكومة وشركة النفط الوطنية PDVSA عن سداد التزامات رئيسة، مما ترك مؤسسات استثمارية كبرى عالقة في سندات عالية الأخطار.

هذا الإرث يفرض نفسه بقوة على أي تقييم استثماري، ويحد من قدرة السوق على جذب تدفقات طويلة الأجل من دون إصلاحات مؤسسية واضحة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جوهر الرهان الاستثماري لا ينفصل عن النفط، ففنزويلا تمتلك أحد أكبر احتياطات الخام في العالم، مما يجعل أي انفتاح سياسي محتمل عامل جذب مباشر لرؤوس الأموال الباحثة عن أصول مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية.

غير أن هذا العامل ذاته يمثل سلاحاً ذا حدين، إذ تبقى السياسة الأميركية تجاه النفط الفنزويلي متقلبة، وقابلة للتشدد في أي لحظة، وفقاً لمعادلات جيوسياسية أوسع.

شركة “تيوكروم” نفسها لم تخف الأخطار، محذرة من أن فرض عقوبات جديدة، أو حتى التلويح بها، قد يضغط على قيمة الأسهم، ويضعف السيولة، ويعيد الاقتصاد الفنزويلي إلى دوامة عدم اليقين، بما في ذلك تدهور العملة المحلية.

خلاصة المشهد

ما تشهده فنزويلا اليوم ليس تعافياً مكتمل الأركان، بل إعادة تسعير سياسية سريعة، تختبر ثقة الأسواق قبل ثبات المسار، فالصعود الحاد يعكس رهانات مستقبلية أكثر مما يعكس تحسناً اقتصادياً فعلياً، فيما يبقى السؤال الجوهري: هل يتحول الزخم إلى مسار مستدام، أم أنه قفزة قصيرة في سوق عالية الحساسية؟

أما على مستوى المؤشرات الاقتصادية والمالية فتشهد العملة المحلية في فنزويلا “البوليفار”، واحدة من أطول موجات التآكل في قيمتها تاريخياً، نتيجة تراكم اختلالات اقتصادية وهيكلية امتدت أعواماً.

فمنذ بدء الانهيار الحاد في منتصف العقد الماضي، فقد “البوليفار” معظم قوته الشرائية، مما دفع السلطات إلى تنفيذ عمليات عدة لحذف أصفار وإعادة تسمية، من دون أن تنجح في استعادة الثقة النقدية.

وعلى رغم تسجيل فترات استقرار نسبي خلال العامين الماضيين بدعم من تشديد السياسة النقدية وزيادة استخدام الدولار الأميركي في المعاملات اليومية، فإن العملة لا تزال شديدة الحساسية لأي صدمة سياسية أو مالية.

أما على مستوى معدل التضخم فيبقى العامل الأكثر تأثيراً في سلوك المستهلكين والمستثمرين على حد سواء، فبعدما سجل مستويات مفرطة Hyperinflation تجاوزت آلافاً في المئة سنوياً في ذروة الأزمة، انخفض التضخم إلى نطاقات أدنى، لكنه لا يزال من بين الأعلى عالمياً.

هذا التراجع النسبي لا يعكس تعافياً اقتصادياً بقدر ما يعكس انكماش الطلب المحلي، والدولرة غير الرسمية الواسعة، وقيوداً مشددة على السيولة بالعملة المحلية، مما حد من وتيرة ارتفاع الأسعار من دون معالجة جذور الأزمة.

النفط… الرهان الأكبر

اقتصادياً، يظل قطاع النفط العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي، إذ يمثل المصدر الرئيس للعملات الصعبة والإيرادات العامة، مستنداً إلى احتياطات تعد الأكبر عالمياً، غير أن ضعف الاستثمارات، وتراجع البنية التحتية، والعقوبات الخارجية، قلصت الطاقة الإنتاجية بصورة حادة، إلى جانب النفط يبرز قطاع التعدين، خصوصاً الذهب، كمصدر بديل للإيرادات، لكنه يعاني ضعف التنظيم وارتفاع الأخطار البيئية.

في المقابل شهدت قطاعات التجارة والخدمات والاتصالات نشاطاً نسبياً في المدن الكبرى، مدفوعة بالدولرة وانتعاش محدود في الاستهلاك لدى شريحة ضيقة من السكان.

ومع ذلك، يبقى الاقتصاد الفنزويلي ككل رهينة الاستقرار النقدي والسياسي، وأي تحسن مستدام في سعر العملة أو التضخم يظل مشروطاً بإصلاحات عميقة، وتدفقات استثمارية طويلة الأجل، وانفتاح مالي منضبط.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى