عالمي

عندما يختنق الدخان… هل يُطفئ الحصار الأميركي السيجار الكوبي؟

في عالم السلع الفاخرة، لا يُقاس تأثير الأزمات بحجم الإنتاج فحسب، بل بمدى انعكاسها على الصورة الذهنية والندرة والقيمة السوقيةKومنذ تشديد القيود الأميركية على كوبا، لم يعد السيجار الكوبي مجرد منتج تقليدي في واجهات متاجر أوروبا وآسيا، بل أصبح مؤشراً اقتصادياً حساساً يعكس تحولات أعمق في سلاسل الإمداد العالمية وسلوك المستهلكين.

ويحتل السيجار الكوبي مكانة استثنائية بوصفه رمزاً تاريخياً للترف وواجهة اقتصادية لكوبا في آن واحد، غير أن تشديد الحصار الأميركي خلال الأعوام الأخيرة، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والتحويلات المالية وسلاسل الإمداد، لم يضع الاقتصاد الكوبي وحده تحت الضغط، بل أعاد رسم خريطة سوق السيجار العالمي بأكمله.

فالمنتج الذي بلغت مبيعاته عبر شركة Habanos S.A  نحو 827 مليون دولار في 2024، يواجه اليوم تحديات مركبة تتراوح بين نقص الوقود وصعوبات النقل وتقلص الفعاليات الدولية التي كانت تمثل منصات تسويقية رئيسة.

وبينما تتصاعد القيود، يترقب المدخنون والموزعون والمستثمرون على حد سواء انعكاسات هذه التطورات على الأسعار والتوافر والحصص السوقية، فهل يتحول السيجار الكوبي إلى سلعة أكثر ندرة وأعلى كلفة؟ أم أن السوق العالمية ستعيد التوازن عبر بدائل جديدة تعيد توزيع النفوذ في صناعة طالما ارتبطت باسم هافانا؟

أهم مصادر العملة الصعبة

وتُدير شركة Habanos S.A عمليات تصدير السيجار الكوبي إلى أكثر من 140 دولة، ويُعد المنتج أحد أهم مصادر العملة الصعبة للجزيرة إلى جانب النيكل والخدمات الطبية.

وقبل جائحة “كوفيد-19″، بلغت مبيعات السيجار الكوبي نحو 531 مليون دولار في 2019، ومع اضطراب الأسواق في 2020 تراجعت الإيرادات قليلاً، قبل أن يبدأ التعافي التدرجي وصولاً إلى قفزة لافتة في 2023، حين تجاوزت المبيعات 720 مليون دولار، مدفوعة بصورة رئيسة بالطلب الآسيوي، لا سيما من الصين.

وفي 2024 سجل القطاع رقماً قياسياً بلغ 827 مليون دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخه، غير أن هذه القفزة لم تكن نتيجة توسع إنتاجي بقدر ما كانت انعكاساً لارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على المنتجات الفاخرة بعد الجائحة، ومع دخول 2025، بدأت الضغوط المرتبطة بأزمة الوقود وتشديد القيود اللوجستية تُلقي بظلالها على القطاع، مما دفع تقديرات 2026 إلى الإشارة لاحتمال تراجع الإيرادات إلى نطاق يتراوح ما بين 730 و780 مليون دولار إذا استمرت القيود الحالية.

وعلى رغم محدودية الإحصاءات الدقيقة الخاصة بمدخني السيجار مقارنة بمدخني السجائر، تشير تقديرات مستندة إلى بيانات أسواق التبغ وتقارير الصحة العامة إلى أن عدد مدخني السيجار عالمياً يتراوح ما بين 30 و50 مليون شخص، أي أقل من خمسة في المئة من إجمالي مستخدمي التبغ في العالم، الذي تُقدّره World Health Organization بنحو 1.3 مليار شخص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم ضآلة هذه النسبة من حيث العدد، فإن تأثيرها الاقتصادي يفوق وزنها الديموغرافي بكثير، فمدخن السيجار، خصوصاً في الفئة الفاخرة، يُعد مستهلكاً مرتفع الإنفاق، وغالباً ما يتعامل مع المنتج بوصفه تجربة ترف أو سلعة قابلة للتخزين والاستثمار، لا مجرد عادة يومية.

وتتركز الكتلة الأكبر من المستهلكين في الولايات المتحدة وأوروبا، مع نمو متسارع في آسيا، ولا سيما الصين، خلال السنوات الأخيرة.

هذه التركيبة تجعل سوق السيجار أكثر حساسية لعوامل الندرة والقيود التجارية من أسواق التبغ الأخرى، إذ إن أي اضطراب في الإمدادات لا يؤثر في قاعدة جماهيرية واسعة، بل في شريحة محددة ذات قدرة شرائية عالية، مما يترجم سريعاً إلى ارتفاع في الأسعار وتحولات في أنماط الطلب العالمية.

الضربة الأبرز

الضربة الأبرز لم تأتِ من الطلب، بل من جانب العرض، فمزارع التبغ في منطقة فويلتا أباخو، القلب الزراعي لصناعة السيجار في كوبا، تعتمد على الوقود في الري والنقل وتجفيف الأوراق، وأي نقص في الطاقة ينعكس مباشرة على جودة الإنتاج وكميته، ومع تزايد صعوبات الإمداد، أصبح المنتج أكثر ندرة، والندرة في عالم السلع الفاخرة تعني شيئاً واحداً: ارتفاع الأسعار.

في أوروبا، تضاعفت أسعار بعض العلامات الكوبية تقريباً خلال خمس سنوات، صناديق كانت تُباع بأقل من 400 يورو قبل الجائحة أصبحت تتجاوز 700 يورو في بعض المتاجر المتخصصة، أما الإصدارات المحدودة، فقد تحولت إلى أصول قابلة للمضاربة في السوق الثانوية، حيث ارتفعت قيمتها بنسب تتراوح بين 15 و30 في المئة خلال ثلاث سنوات فحسب.

هذا الارتفاع فتح الباب أمام منافسين إقليميين، ومنتجو السيجار في جمهورية الدومينيكان ونيكاراغوا وهندوراس استغلوا الفرصة لتعزيز حضورهم العالمي.

شركات مثل Davidoff وArturo Fuente  وسّعت حصتها السوقية في أوروبا وآسيا، مستفيدة من بحث المستهلكين عن بدائل ذات جودة عالية وأسعار أكثر استقراراً.

وتشير تقديرات الصناعة إلى أن الحصة الكوبية من سوق السيجار الفاخر قد تتراجع إلى أقل من 30 في المئة بحلول 2026، مقارنة بنحو 35 في المئة قبل سنوات قليلة.

السوق الأميركية الأكبر عالمياً للسيجار الفاخر

المفارقة أن السوق الأميركية، وهي الأكبر عالمياً للسيجار الفاخر، لا تزال محرومة رسمياً من المنتج الكوبي بسبب الحظر، مما يُبقي الطلب الأميركي مرتفعاً في قنوات غير مباشرة ويزيد الضغط السعري في الأسواق الأخرى.

وهكذا، فإن القيود التي تهدف إلى خنق الاقتصاد الكوبي تسهم في الوقت نفسه في رفع قيمة المنتج خارج الولايات المتحدة.

مهرجان السيجار السنوي في هافانا

إلغاء مهرجان السيجار السنوي في هافانا شكّل ضربة إضافية للقطاع، ليس فحسب بسبب خسارة عائدات المزاد التي كانت تدر ملايين الدولارات سنوياً، بل لما يمثله الحدث من منصة تسويقية عالمية تعزز صورة السيجار الكوبي كرمز للترف والندرة.

في المحصلة، لم يُطفئ الحصار الأميركي السيجار الكوبي، لكنه غيّر قواعد اللعبة، فقد تحوّل المنتج من سلعة فاخرة مستقرة نسبياً إلى أصل نادر تتأرجح قيمته مع كل تطور سياسي أو لوجستي.

بالنسبة للمدخنين حول العالم، يعني ذلك دفع أسعار أعلى والتوجه إلى بدائل جديدة، وبالنسبة للمستثمرين، يعني فرصة للمضاربة على الندرة.

 

أما بالنسبة لكوبا، فهو اختبار جديد لقدرتها على الحفاظ على أحد آخر رموزها الاقتصادية في سوق عالمية لا ترحم.

في نهاية المطاف، لا يبدو أن الحصار الأميركي سيقضي على السيجار الكوبي بقدر ما سيغيّر موقعه داخل السوق العالمية (أ ف ب)

فالطلب على المنتجات الفاخرة لا يختفي بسهولة، بل يتكيف مع الندرة ويرتفع معها في كثير من الأحيان.

توزيع موازين القوى

ومع استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد والإنتاج الزراعي، يُتوقع أن تبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة خلال العامين المقبلين، مما يعزز جاذبية المخزون القديم والإصدارات المحدودة في المزادات الخاصة.

في المقابل، تواصل دول منتجة مثل جمهورية الدومينيكان ونيكاراغوا توسيع حضورها، مستفيدة من الفراغ النسبي الذي يخلّفه تقلص المعروض الكوبي.

وهكذا، فإن الأزمة الحالية لا تعيد تشكيل اقتصاد كوبا فحسب، بل تعيد توزيع موازين القوى داخل صناعة عالمية تُقدّر بمليارات الدولارات، فبالنسبة للمدخنين، تعني المرحلة المقبلة خيارات أوسع ولكن بكلفة أعلى، أما بالنسبة للمستثمرين، فقد يتحول السيجار من عادة استهلاكية إلى أصل نادر تُحدد قيمته السياسة بقدر ما تحدده الجودة. وبين الدخان المتصاعد والتقلبات الجيوسياسية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستعزز الندرة أسطورة السيجار الكوبي، أم تفتح الباب لعصر جديد من المنافسة في عالم الرفاهية؟




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى