عالمي

عائدات الطاقة تكشف عن هشاشة الاقتصاد الروسي بعد 3 سنوات من الحرب

منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022 دخل الاقتصاد الروسي واحدة من أكثر مراحله تعقيداً منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. فعلى رغم الصمود الظاهري لبعض المؤشرات تكشف البيانات المرتبطة بعائدات النفط والغاز (العمود الفقري للموازنة الروسية) عن حجم الضغوط المتراكمة على المالية العامة.

ويظهر تراجع هذه العائدات إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات أن الاقتصاد الروسي لم يعد بمنأى عن آثار الحرب والعقوبات، بل بات يخوض معركة استنزاف طويلة الأمد.

الطاقة… القلب المالي للاقتصاد الروسي

تعتمد روسيا تاريخياً على صادرات النفط والغاز بوصفها المصدر الرئيس للإيرادات الحكومية والعملات الأجنبية، وقبل الحرب، كانت عائدات الطاقة تمثل ما بين 35 و45 في المئة من إيرادات الموازنة الفيدرالية، إضافة إلى دورها المحوري في دعم الروبل وتمويل الإنفاق الاجتماعي والعسكري.

وفي عام 2021، وهو آخر عام كامل قبل الحرب، استفادت موسكو من ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، محققة فوائض مالية ومعدلات نمو مستقرة نسبياً، مع احتياطات نقدية تجاوزت 600 مليار دولار أميركي، مما عزز ثقة الكرملين بقدرته على مواجهة الصدمات.

مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزم عقوبات غير مسبوقة استهدفت، صادرات النفط والغاز والتمويل والتأمين البحري والتكنولوجيا المستخدمة في الاستخراج والتكرير، أيضاً استهدفت الشركات الروسية الكبرى، وعلى رأسها “روسنفت” و”لوك أويل”

هذه العقوبات لم توقف الصادرات الروسية بالكامل، لكنها غيرت مساراتها وأسعارها، إذ اضطرت موسكو إلى بيع نفطها بخصومات كبيرة لدول مثل الصين والهند وتركيا، مما قلص الإيرادات حتى مع استمرار التدفقات.

أرقام صادمة: أدنى عائدات منذ 2020

وفق بيانات وزارة المال الروسية، التي نقلتها وكالة “رويترز” بلغت عائدات النفط والغاز عام 2025 نحو 8.4 تريليونات روبل (108.6 مليارات دولار أميركي)، مسجلة انخفاضاً بنسبة 24 في المئة مقارنة بالعام السابق، وأدنى مستوى منذ عام 2020.

ويرى محللون أن هذا التراجع لا يعكس فحسب انخفاض أسعار المواد الهيدروكربونية عالمياً، بل أيضاً، تأثير سقف الأسعار المفروض على النفط الروسي، مما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتقلص العائد الصافي نتيجة الخصومات وتضرر البنية التحتية للطاقة بسبب الهجمات بالطائرات المسيرة

الروبل تحت الضغط والموازنة في مأزق

أدى تراجع عائدات الطاقة إلى زيادة الضغوط على الروبل، الذي فقد جزءاً من قوته خلال 2024 و2025، مما دفع البنك المركزي الروسي إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة في أكثر من مناسبة.

وانعكس هذا التراجع مباشرة على الموازنة، إذ اضطرت الحكومة إلى السحب من صندوق الرفاه الوطني وزيادة الاقتراض الداخلي وتقليص بعض بنود الإنفاق غير العسكري

ويؤكد متخصصون اقتصاد أن استمرار هذا المسار يحد من قدرة موسكو على تمويل الحرب من دون إحداث اختلالات أعمق في الاقتصاد المحلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم العقوبات، لم تعزل روسيا بالكامل عن أسواق الطاقة العالمية، فقد أعادت توجيه صادراتها نحو آسيا، مستخدمة ما يعرف بـ”أسطول الظل” وشبكات وسطاء لتجاوز القيود الغربية.

لكن محللين يحذرون من أن هذا النموذج، أقل ربحية وأكثر كلفة ومحفوف بأخطار قانونية وسياسية وغير مستدام على المدى الطويل، إذ تبقى روسيا رهينة الطلب الآسيوي وقدرته على امتصاص الصادرات بأسعار مخفضة.

مقارنة قبل وبعد الحرب

قبل 2022 كانت موسكو تحقق فوائض مالية واحتياطات مرتفعة واعتماد واسع على أوروبا مما أدى إلى استقرار نسبي في سعر الصرف. أما بعد الحرب، فالعجز متزايد وتآكل الاحتياطات وبات اعتماد روسيا أكبر على آسيا وتسبب ذلك في ضغوط تضخمية ونقدية وهذه التحولات تعكس انتقال الاقتصاد الروسي من مرحلة الاستقرار النسبي إلى إدارة أزمات مستمرة.

ولا تعني قدرة روسيا على الاستمرار في تصدير النفط والغاز أن اقتصادها في وضع مريح، فالأرقام الأخيرة لعائدات الطاقة تكشف بوضوح أن الحرب والعقوبات أعادتا رسم المشهد المالي الروسي، وقلصتا مهمش المناورة أمام صانعي القرار.

وبينما نجحت موسكو حتى الآن في تجنب الانهيار، فإن استمرار تراجع عائدات النفط والغاز يضع الاقتصاد الروسي أمام اختبار صعب، عنوانه الرئيس: كم يمكن لاقتصاد يعتمد على الطاقة أن يصمد في حرب طويلة الأمد؟

إلى أين يتجه الاقتصاد الروسي؟

مع دخول الحرب عامها الرابع، يواجه الاقتصاد الروسي مفترق طرق حاسماً خلال عامي 2026 و2027، إذ ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة وفق ثلاثة عوامل رئيسة: أسعار الطاقة العالمية، فاعلية العقوبات، وقدرة موسكو على تمويل الموازنة من دون استنزاف طويل الأمد.

السيناريو الأول: استمرار الضغوط وتآكل الهوامش

يرجح عدد من المحللين أن يظل هذا السيناريو هو الأقرب على المدى القصير في حال استمرار سقف الأسعار المفروض على النفط الروسي، كذلك بقاء الطلب الأوروبي عند مستويات متدنية في ظل تباطؤ النمو العالمي، مما يضغط على أسعار الطاقة، ففي هذا الإطار، قد تبقى عائدات النفط والغاز عند مستويات قريبة من 2025، أو أقل منها، مما يعني، عجزاً مالياً مزمناً وزيادة الاعتماد على صندوق الرفاه الوطني وضغوطاً إضافية على الروبل مع تضييق مهمش الإنفاق الاجتماعي لمصلحة الإنفاق العسكري

ويرى متخصصون أن هذا المسار قد يدفع الحكومة الروسية إلى سياسات مالية أكثر تشدداً، تشمل رفع الضرائب على الشركات والطاقة، وزيادة الاقتراض المحلي.

السيناريو الثاني: تعافٍ محدود تقوده آسيا

في حال تحسن الطلب في الصين والهند، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، قد تشهد روسيا تعافياً جزئياً في عائداتها خلال 2026–2027، إلا أن هذا التعافي، وفق تقديرات اقتصادية، سيكون، أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب مشروطاً بخصومات سعرية مستمرة ومقيداً بقدرات لوجيستية معقدة.

لذلك، يحذر محللون من أن الاعتماد المتزايد على آسيا، وإن وفر متنفساً موقتاً، يضع موسكو في موقع تفاوضي أضعف، ويجعل اقتصادها أكثر حساسية لأي تباطؤ في الاقتصادات الآسيوية.

السيناريو الثالث: صدمة جديدة غير محسوبة

لا يستبعد اقتصاديون احتمال تعرض الاقتصاد الروسي لصدمة إضافية خلال 2026–2027، سواء عبر تشديد جديد للعقوبات أو استهداف أوسع للبنية التحتية للطاقة أو حتى اضطرابات حادة في أسواق المال أو العملات، وفي هذا السيناريو، قد تواجه روسيا تراجعاً حاداً في احتياطات النقد الأجنبي، وارتفاعاً في التضخم، مما يفرض تدخلات قاسية من البنك المركزي، ويزيد كلفة الحرب اقتصادياً واجتماعياً.

في النهاية، بين هذه السيناريوهات، يبدو أن الاقتصاد الروسي مقبل على مرحلة إدارة أخطار لا مرحلة نمو، فحتى في أفضل الأحوال، لن تعود المؤشرات إلى ما كانت عليه قبل 2022، وستبقى عائدات النفط والغاز، التي شكلت لعقود نقطة قوة، عنصر ضغط دائم على المالية العامة.

وبينما تراهن موسكو على الزمن وتكيف الأسواق، يظل السؤال المفتوح خلال 2026–2027:

هل يستطيع الاقتصاد الروسي الصمود طويلاً في ظل حرب مستمرة، وعقوبات ممتدة، واقتصاد عالمي يتغير بسرعة؟




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى