صورة قاتمة للاقتصاد البريطاني قبل أيام من بيان الموازنة

قبل بضعة أيام من بيان وزيرة الخزانة البريطانية راتشيل ريفز أمام البرلمان معلنة موازنة حكومة العمال برئاسة كير ستارمر، صدرت بيانات وأرقام سلبية عدة في شأن الاقتصاد البريطاني، ويزيد ذلك من التحديات والمصاعب التي تواجهها الحكومة في شأن الاقتصاد بعد نحو عام في السلطة.
خلال الأسبوعين الأخيرين تجول مسؤولو الخزانة البريطانية بصورة مكثفة لإقناع قطاعات الأعمال والدوائر المالية بأن الموازنة الجديدة ليست “كارثية” كما يتردد في الإعلام، على رغم الجدل الذي أثير حولها في الشهر الأخير.
وسافر مبعوث الأعمال في حكومة ستارمر إلى الولايات المتحدة لإقناع الأسواق هناك بأن موازنة ريفز الأسبوع المقبل تستهدف “تثبيت أسس الاقتصاد”.
كل تلك المحاولات لطمأنة الأسواق والجمهور البريطاني العام لم تغير كثيراً من حال الاضطراب التي تحيط بالوضع الاقتصادي والمالي لبريطانيا، وزاد من قتامة الصورة وعدم اليقين تراجع وزارة الخزانة عن زيادة الضريبة على الدخل، بعدما نشرت صحيفة “فاينانشيال تايمز” مطلع هذا الشهر تقريراً كشف عن أن وزيرة الخزانة ستضمن بيان الموازنة زيادة في الضريبة على الدخل.
وعلى رغم أن ريفز وستارمر رفضا في كل التصريحات تأكيد ذلك أو نفيه، لكنهما أيضاً لم يؤكدا أن الموازنة لن تخرق التزامات الحزب الحاكم قبل انتخابات العام الماضي بألا يرفع الضريبة على الدخل أو مستقطعات التأمينات الاجتماعية أو ضريبة القيمة المضافة.
وبدأ عدد من المعلقين يقارنون الموازنة المتوقعة بموازنة وزير الخزانة جورج أوزبورن عام 2012 لحكومة المحافظين برئاسة ديفيد كاميرون، التي بدأت مسلسل تراجع ثقة الأسواق في الاقتصاد البريطاني.
ومع اضطراب الأسواق اضطرت الحكومة ووزارة الخزانة إلى التصريح بأنه لا زيادة في الضريبة على الدخل ضمن بيان الموازنة، إلا أن الكل يتحدث عن زيادات ضريبية أخرى، من استهداف معاشات التقاعد إلى “ضريبة البيوت” على العقارات.
بيانات وأرقام سلبية
أمس الجمعة، أي قبل أيام قليلة من إعلان بيان الموازنة، صدرت مجموعة من البيانات والأرقام حول الاقتصاد البريطاني كلها سلبية وتزيد من قتامة الصورة بالنسبة إلى مستقبل الاقتصاد، إذ ارتفعت معدلات الاقتراض الحكومي في أكتوبر (تشرين الأول) بأكثر من التوقعات، وتراجع النشاط في القطاع الخاص بصورة واضحة وانخفضت مبيعات التجزئة بأكثر من المتوقع.
بحسب تقرير مكتب الإحصاء الوطني الصادر أمس، ارتفع اقتراض القطاع العام إلى 17.4 مليار جنيه استرليني (22.8 مليار دولار) الشهر الماضي، بينما كان مسح لوكالة “رويترز” قدر أن يصل الاقتراض الحكومي إلى 15 مليار جنيه استرليني (19.6 مليار دولار).
وهكذا تكون الخزانة البريطانية اقترضت ما يصل إلى 116.8 مليار جنيه استرليني (152 مليار دولار) في الأشهر السبعة الأولى من السنة المالية الحالية التي تبدأ مطلع أبريل (نيسان)، ويزيد ذلك بمقدار 10 مليارات جنيه استرليني (13 مليار دولار) عن تقديرات مكتب مسؤولية الموازنة المستقل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يشير معهد الدراسات المالية إلى أن نحو ثلث الزيادة في العجز هذا العام يعود إلى اقتراض الإدارات المحلية بقدر أكبر من المتوقع، وعلى رغم استمرار ارتفاع التضخم فإن عائدات ضريبة القيمة المضافة والضرائب على الدخل ظلت أقل من التوقعات، وبالطبع يسد القدر الأكبر من هذا العجز بزيادة الاقتراض.
في تقرير آخر صدر عن مكتب الإحصاء الوطني الجمعة أيضاً، أظهرت الأرقام انخفاض مبيعات التجزئة لشهر أكتوبر بنسبة 1.1 في المئة، وهو انخفاض أسوأ مما كان متوقعاً بكثير. وذلك هو أول انخفاض في مبيعات التجزئة منذ مايو (أيار) الماضي، وشمل تراجع مبيعات محال البقالة والملابس ومنافذ بيع التجزئة بتوصيل الطلبات.
ومع أن بعض التجار فسروا الهبوط في مبيعات التجزئة بتأخر المستهلكين في الإنفاق قبل موسم “الجمعة الحزينة”، فإن روب وود من “بانثيون إيكونوميكس” يرى أن “زيادة الجدل والاضطراب في شأن الموازنة قبل إعلانها بدأ يؤثر سلباً في إنفاق المستهلكين”.
تراجع الثقة في الاقتصاد
هذا التأثير السلبي في شأن توقعات الموازنة والجدل حولها هوى بمؤشرات ثقة المستهلكين في الاقتصاد، إذ أظهر تقرير مؤشر “جي أف كيه” الصادر الجمعة كذلك انخفاض ثقة المستهلكين نقطتين ليصل إلى سالب 19 الشهر الماضي، بينما أظهرت قراءة أولية لمؤشر مديري المشتريات الذي تصدره مؤسسة “أس أند بي غلوبال” عدم حدوث أي نمو في نشاط القطاع الخاص الشهر الماضي.
يقيس مؤشر مديري المشتريات النشاط في قطاعات التصنيع والخدمات، وبحسب القراءة الأولية هبط المؤشر للشهر الجاري إلى 50.5 نقطة، أي بالكاد فوق المستوى الفاصل بين الانكماش والنمو، بينما كانت التقديرات أن تكون قراءة المؤشر عند 51.8 نقطة، متراجعة قليلاً عن قراءة أكتوبر الماضي التي كانت عند 52.2 نقطة.
يقول كبير الاقتصاديين في شركة “آر أس أم يو كيه” توماس بو إن كل هذه البيانات والأرقام تشير إلى “صورة واضحة من القلق والانزعاج بين المستهلكين والأعمال تؤثر سلباً على النشاط” قبل إعلان الموازنة.
ويتوقع أن هناك “خطر توقف النمو تماماً في الربع الأخير من العام، بخاصة إذا أثار إعلان الموازنة مزيداً من القلق والاضطراب”، أما روث غريغوري من “كابيتال إيكونوميكس” فترى أن هذه الأرقام “ترسم صورة قاتمة جداً” وتشير إلى أخطار محتملة إذا أدت “زيادة الضرائب في الموازنة إلى الضغط سلباً على الإنفاق الاستهلاكي في فترة عطلات الأعياد (عيد الميلاد ورأس السنة) وامتدت إلى العام المقبل”.
ويتوقع أن تعلن وزيرة الخزانة راتشيل ريفز الأربعاء المقبل أمام البرلمان في بيان الموازنة إجراءات الحد من الفجوة في المالية العامة التي تراوح ما بين 20 و30 مليار جنيه استرليني (26 و29 مليار دولار).
ريفز زادت الضرائب في موازنتها العام الماضي بنحو 40 مليار جنيه استرليني (52 مليار دولار) وتعهدت بألا تزيد الضرائب مجدداً، إلا أن الأوضاع المالية للحكومة البريطانية واصلت التدهور منذ ذلك الحين نتيجة الضعف الشديد في النمو الاقتصادي والزيادة الهائلة في أعباء خدمة الدين العام.
وبدأت الأسواق بالفعل تعكس تلك المخاوف في شأن بيان الموازنة في ظل بيانات وأرقام الاقتصاد المحبطة، فانخفض الجنيه الاسترليني مجدداً إلى مستوى 1.3 دولار، وتترقب أسواق السندات بقلق بيان الموازنة.



