عالمي

ماذا يجري في الأسواق مع موجة البيع الكبير؟

واصلت الأسواق حول العالم هبوط مؤشراتها في آخر أيام تعاملات الأسبوع أمس الجمعة لتكمل أسبوعاً من الخسائر الكبيرة وسط عمليات بيع هائلة للأسهم عالية الأخطار في قطاعات التكنولوجيا وصناديق تداول العملات المشفرة، إضافة إلى تراجع أسعار المعادن، خصوصاً الفضة.

وبدأت ما يسميها بعض المحللين موجة “بيع كل شيء” بخفض أسعار أسهم شركات البرمجيات، ومعها شركات التكنولوجيا خصوصاً المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

تلك البداية السلبية للعام الحالي بالنسبة إلى الأسواق تعزز ما تحدث عنه كثر بنهاية العام الماضي من مخاوف المستثمرين في شأن “فقاعة الذكاء الاصطناعي”.

ومما أذكى تلك المخاوف أن موسم إفصاح الشركات عن أدائها المالي شهد تحقيق شركات تكنولوجيا كبرى عائدات وأرباح هائلة في الربع الرابع، بل والعام الماضي كله، وتعهدت غالب الشركات ضخ مئات المليارات من عائداتها للاستثمار في الذكاء الاصطناعي مجدداً، لكن بدلاً من أن يكون ذلك محفزاً للسوق، التي تلقت دعماً كبيراً في موجة ارتفاعها أخيراً من أسهم شركات الذكاء الاصطناعي والشركات المرتبطة بالقطاع، تراجعت الثقة لدى المستثمرين وزاد الشعور بأخطار ألا يحقق الذكاء الاصطناعي النتائج المأمولة منه.

ومما عمق تلك المخاوف وتراجع الثقة تقدير شركات البرمجيات وشركات التكنولوجيا الأخرى من غير قطاع الذكاء الاصطناعي أن إعطاء الأولوية للقطاع يأتي على حساب قطاعات التكنولوجيا الأخرى، مما يهدد العائدات والأرباح المستقبلية لها.

رد فعل عكسي

مع إعلان شركات التكنولوجيا الكبرى في إفصاحاتها المالية ربع السنوية خلال الأسبوع الماضي عن عائدات وأرباح جيدة، كان المتوقع أن تشهد أسهمها ارتفاعاً كبيراً، لكن ما حدث هو العكس في صورة موجات بيع هائلة من قبل المستثمرين لأسهم شركات التكنولوجيا عموماً بما فيها الشركات الكبرى وتلك التي تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي.

منذ الأربعاء الماضي، وحتى أمس الجمعة، خسر سهم شركة “مايكروسوفت” ما يزيد على نسبة 18 في المئة، وفقدت شركات كبرى مثل “غوغل” و”أمازون” و”ميتا” و”أبل” مئات مليارات الدولارات من قيمتها السوقية، ويقدر أن الشركات الكبرى فقدت ما يقارب تريليون دولار (900 مليار دولار) خلال الأسبوع.

ضمن بيانات الإفصاح المالي هذا الأسبوع أعلنت تلك الشركات عن مضاعفة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، وكشفت عن خطط لاستثمار 660 مليار دولار إضافية في تطوير هذا القطاع الذي يركز عليه الجميع باعتباره “تكنولوجيا المستقبل”.

تلك الاستثمارات تمثل زيادة بنسبة 60 في المئة عن استثمارات العام الماضي في الذكاء الاصطناعي عند 410 مليار دولار، وزيادة بنسبة 165 في المئة عن استثمارات عام 2024 في الذكاء الاصطناعي لتلك الشركات الكبرى، والتي كانت عند 245 مليار دولار.

ولم يكن ذلك مستغرباً، مع تحقيق تلك الشركات الكبرى زيادة في عائداتها في ربع العام الأخير بنسبة 14 في المئة لتصل إلى 1.6 تريليون دولار، إلا أن كل تلك العائدات الكبيرة والاستثمارات الموعودة في الذكاء الاصطناعي لم تقنع المستثمرين بشراء أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، بل على العكس استمرت موجة البيع الكثيف، مما هوى بأسهمها وأدى إلى استمرار انخفاض مؤشرات الأسواق الكبرى من آسيا إلى الولايات المتحدة مروراً بأوروبا.

لماذا المخاوف والبيع

بدأت المخاوف منذ مطلع الأسبوع، وتحديداً الثلاثاء مع تلميح بعض شركات البرمجيات إلى أن تركيز الأولوية في إنتاج الرقائق الإلكترونية على تلك التي تحتاج إليها مراكز البيانات الكبرى للذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى نقص في إنتاج الرقائق الأخرى التي تدخل في إنتاج إلكترونيات المستهلكين وغالب قطاعات الصناعة عامة.

لذا جاءت تقديرات تلك الشركات في إفصاحها المالي هذا الأسبوع في شأن العائدات والأرباح المستقبلية أقل من توقعات السوق، وكانت تلك الشرارة التي أطلقت موجات البيع الهائلة لأسهم التكنولوجيا، والتي جعلت الأسواق العالمية تمر بأسوأ أسبوع من الخسائر منذ فترة.

ولم يقتصر البيع على أسهم شركات التكنولوجيا وغيرها، بل إن المستثمرين بدأوا يخرجون من كل الأصول عالية الأخطار، وفي مقدمها العملات المشفرة، حتى سوق المعادن، بما فيها الثمينة مثل الذهب والفضة، شهدت موجات بيع كبيرة أيضاً.

ينقسم المحللون في شأن القلق من أن الذكاء الاصطناعي “يشفط” مكونات التكنولوجيا من القطاعات الأخرى والصناعات التي تحتاج إلى رقائق إلكترونية، فالبعض يسير مع مخاوف شركات البرمجيات معززاً توجه المستثمرين نحو استمرار البيع، بالتالي هبوط الأسهم وانخفاض مؤشرات الأسواق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما المتحمسون للذكاء الاصطناعي فيرون أن تلك المخاوف مبالغ فيها، وأن الذكاء الاصطناعي لن “يقتل” شركات البرمجيات الأخرى، وفي رأي هؤلاء أن قطاع التكنولوجيا عموماً يمر بفترة “تحول وإعادة ضبط”، وأن الجميع في النهاية سيتكيفون مع التغيرات الجديدة.

لكن ثقة المستثمرين في إمكان أن يحقق الذكاء الاصطناعي عائدات كافية تعوض ما تم ضخه فيه من استثمارات اهتزت بشدة بالفعل، بل إن إعلان الشركات الخمس الكبرى عن استثمار ثلثي تريليون دولار إضافية في الذكاء الاصطناعي زاد من تلك المخاوف بدلاً من استعادة الثقة، إذ يرى المستثمرون أن تلك الأموال الطائلة “تغذي فقاعة” ستنفجر مع عدم تحقيق عائدات وأرباح.

المشفرات والمعادن

لم تذهب أموال المستثمرين الذين يصفون مراكزهم في أسهم التكنولوجيا بعمليات البيع الهائلة إلى أصول أخرى تميزت في الآونة الأخيرة بالارتفاع الكبير في قيمتها ولا حتى إلى ما تعد ملاذات آمنة كالذهب والفضة، بل إن بعض المحللين يصف ما حدث في السوق خلال الأسبوع بأنه موجة “بيع كل شيء”، سواء الأصول عالية أو متوسطة الأخطار.

بالنسبة إلى سوق العملات المشفرة كان الاضطراب أكبر في ظل موجة البيع العامة من قبل المستثمرين باعتبارها من الأصول عالية الأخطار، وبالنظر إلى العملة الأهم بينها، “بيتكوين”، فقد فقدت نحو نصف قيمتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة، بعدما هوت خلال الأسبوع بنسبة أكثر من 15 في المئة، فبعدما كان سعر “بيتكوين” في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي فوق 120 ألف دولار هبط إلى متوسط 60 ألف دولار هذا الأسبوع.

ومنذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي شهدت سوق المشفرات تحسناً قوياً، إذ تعهد ترمب بأن يجعل أميركا “عاصمة المشفرات” في العالم، كذلك أن أسرته استثمرت بكثافة في المشفرات حتى إن إحدى شركاتها أطلقت عملة مشفرة جديدة، لكن الهبوط الأخير، والذي محا ما يصل إلى تريليوني دولار من قيمة سوق المشفرات، يعني بنظر كثيرين أن “فورة ترمب” انتهت.

كذلك، فقدت المعادن زخم موجة الارتفاع في ظل اضطرابات الأشهر الأخيرة، حيث لجأ إليها المستثمرون كملاذ آمن للقيمة، خصوصاً الذهب والفضة في ظل تراجع سعر صرف الدولار الذي فقد أكثر من 10 في المئة من قيمته، إذ عاد الذهب إلى أقل من 5 آلاف دولار للأوقية بعدما تجاوز ذلك الحاجز قبل أيام، أما الفضة ففقدت ما يصل إلى 40 في المئة من سعرها.

توقعات متضاربة

إذا كان المستثمرون يتخلصون من مراكزهم في الأصول عالية الأخطار، كالمشفرات وأسهم التكنولوجيا، خصوصاً شركات الذكاء الاصطناعي، بعمليات بيع هائلة فأين يذهبون بأموالهم؟ الطبيعي تقليدياً أنهم يحولون ثرواتهم إلى الملاذات الآمنة، لكن الأمر لا يبدو كذلك مع عدم وجود طلب شراء كبير في الذهب والفضة يوازي البيع في الجوانب الأخرى، يعني ذلك على الأرجح أن المستثمرين يحتفظون بالنقد، باعتبار الحكمة التقليدية أن “النقد هو الملك”.

هناك من يطرح الآن التساؤل الذي ساد في الأشهر الأخيرة من العام الماضي: هل بدأ التخلص من فقاعة الذكاء الاصطناعي، سواء بالانفجار أو الهبوط الشديد؟ تصعب الإجابة طبعاً عن السؤال بصورة دقيقة، إذ إن ذلك يعني توقعاً محدداً لانهيار الأسواق، مما لا يمكن تحديده بدقة، إنما أخذاً بالمؤشرات العامة، فإن موجة البيع الكبير الحالية قد تغذي شعور غالب المستثمرين أن الأسواق على وشك الانهيار فيقبل آخرون على البيع في سلسلة من التدهور قد تنتهي بالانهيار.

مقابل ذلك، هناك من يرى الهبوط الحالي عملية تصحيح، حتى وإن كانت كبيرة، تعمل على “تبخير” الزيادة الهائلة في قيمة الأصول نتيجة المغالاة، خصوصاً الأصول التكنولوجية المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، أما بالنسبة إلى المشفرات فإن التذبذب الهائل في قيمتها يبدو غير استثنائي في ظل تاريخ الاضطراب المعروف عنها.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى