دافوس يحذر: الاقتصاد العالمي هش وسط الديون وفقاعات الأصول

في اجتماعه السنوي الـ56 في دافوس بسويسرا، ينعقد المنتدى الاقتصادي العالمي اليوم الإثنين تحت شعار “روح الحوار” بحضور 3 آلاف مشارك من نحو 130 دولة، وسط عالم مثقل بالحروب والتوترات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية السريعة. ويشارك في الاجتماع قادة دول، ومديرون تنفيذيون لكبرى الشركات، وشخصيات من المجتمع المدني، فيما تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يعتزم الحضور على رأس وفد رفيع يضم وزير الخزانة سكوت بيسنت، والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف.
وتسعى اجتماعات دافوس التي تمتد حتى الـ23 من يناير (كانون الثاني) الجاري إلى معالجة القضايا العالمية وتحديد الأولويات في مرحلة تتسم بتزايد التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، في محاولة لإعادة صياغة مسارات التعاون الدولي وتعزيز فرص الاستقرار والنمو في عالم يشهد تحولات متسارعة.
وعلى رغم التحسن النسبي في آفاق الاقتصاد العالمي لا يزال القلق يخيم على كبار الاقتصاديين في شأن ارتفاع أسعار الأصول، وتفاقم الديون، وإعادة رسم الخريطة الجيواقتصادية، إلى جانب الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، وفقاً لأحدث تقرير “توقعات كبار الاقتصاديين” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد حالياً في دافوس السويسرية.
وأظهر الاستطلاع أن 53 في المئة من كبار الاقتصاديين يتوقعون تراجع الأوضاع الاقتصادية العالمية خلال العام المقبل، مقارنة بـ72 في المئة في سبتمبر (أيلول) 2025، في مؤشر إلى تحسن محدود في المزاج العام، وإن ظل محاطاً بدرجة عالية من عدم اليقين.
وقالت المديرة العامة للمنتدى الاقتصادي العالمي، سعدية زاهدي، إن نتائج الاستطلاع تكشف عن ثلاث سمات رئيسة لعام 2026 هي تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتأثيراته الواسعة في الاقتصاد العالمي، واقتراب مستويات الدين من حدود حرجة مع تحولات غير مسبوقة في السياسات المالية والنقدية، إضافة إلى إعادة اصطفاف التجارة العالمية، وأكدت أن الحكومات والشركات مطالبة بإدارة المرحلة المقبلة بمرونة، مع تعزيز القدرة على الصمود والاستثمار في أسس النمو الطويلة الأجل.
تراجع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي
في حين تباينت آراء كبار الاقتصاديين حول مستقبل أسهم الذكاء الاصطناعي، إذ يتوقع 52 في المئة منهم تراجع أسهم الشركات الأميركية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل، مقابل 40 في المئة يرجحون استمرار ارتفاعها، وفي حال حدوث تراجع حاد، يرى 74 في المئة أن التداعيات ستنتقل إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
أما العملات المشفرة فتبدو آفاقها أكثر قتامة، مع توقع 62 في المئة من المشاركين مزيداً من الانخفاضات بعد التقلبات الأخيرة، في حين يعتقد 54 في المئة أن الذهب بلغ ذروته عقب موجات الصعود الأخيرة.
وتختلف التوقعات في شأن العوائد الإنتاجية للذكاء الاصطناعي باختلاف المناطق والقطاعات، فقرابة 80 في المئة من كبار الاقتصاديين يتوقعون تحقيق مكاسب إنتاجية خلال عامين في الولايات المتحدة والصين.
ويرجح أن يكون قطاع تكنولوجيا المعلومات الأسرع في تبني الذكاء الاصطناعي، تليه الخدمات المالية وسلاسل الإمداد والرعاية الصحية والهندسة وتجارة التجزئة، ويتوقع أن تستفيد الشركات الكبرى، التي تضم أكثر من 1000 موظف، من هذه المكاسب قبل غيرها.
وفي ما يخص سوق العمل، يتوقع ثلثا الاقتصاديين خسائر وظيفية محدودة خلال العامين المقبلين، إلا أن الآراء تنقسم على المدى الطويل، إذ يتوقع 57 في المئة صافي خسائر في الوظائف خلال 10 أعوام، مقابل 32 في المئة يرجحون تحقيق مكاسب مع ظهور مهن جديدة.
الديون معضلة متصاعدة
أظهر تقرير “توقعات كبار الاقتصاديين” لدافوس، أن إدارة مستويات الدين المرتفعة باتت تحدياً محورياً لصناع السياسات، في ظل تصاعد الضغوط على الإنفاق، إذ يتوقع 97 في المئة من كبار الاقتصاديين ارتفاع الإنفاق الدفاعي في الاقتصادات المتقدمة، و74 في المئة في الاقتصادات الناشئة، إضافة إلى زيادة الإنفاق على البنية التحتية الرقمية والطاقة.
في المقابل، يتوقع كثر تراجع الإنفاق على حماية البيئة في كل من الاقتصادات المتقدمة والناشئة، وتنقسم الآراء بالتساوي حول احتمال حدوث أزمات ديون سيادية في الدول المتقدمة، بينما يرى 47 في المئة أن هذه الأزمات مرجحة في الاقتصادات الناشئة خلال العام المقبل.
ويتوقع أكثر من 60 في المئة من كبار الاقتصاديين أن تلجأ الحكومات إلى التضخم المرتفع وزيادة الضرائب للتعامل مع أعباء الدين، فيما يرى 53 في المئة احتمال إعادة هيكلة الديون أو التخلف عن السداد في الأسواق الناشئة خلال الأعوام الخمسة المقبلة، مقابل ستة في المئة فقط في الاقتصادات المتقدمة.
إعادة تشكيل التجارة والنمو الإقليمي
يتوقع التقرير استمرار التوترات التجارية، مع بقاء الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين مستقرة نسبياً، إلى جانب تشديد القيود الأميركية على صادرات التكنولوجيا للصين، والقيود الصينية على المعادن الحيوية.
وفي هذا السياق، يتوقع 94 في المئة من كبار الاقتصاديين زيادة الاتفاقات التجارية الثنائية، و69 في المئة توسع الاتفاقات الإقليمية، ويرجح أن تتجه الصادرات الصينية بصورة متزايدة إلى أسواق غير أميركية.
وعلى صعيد النمو، تتصدر جنوب آسيا التوقعات الإيجابية، مع توقع 66 في المئة نمواً قوياً، مدفوعاً بزخم الاقتصاد الهندي، ويتوقع نمو قوي إلى معتدل في شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحسنت التوقعات للاقتصاد الأميركي، مع توقع غالبية نمو معتدل، فيما تواجه أوروبا أضعف آفاق نمو بين المناطق الرئيسة.
بحسب محللين أميركيين وأوروبيين ومسؤولين سابقين، فإن أجندة النقاش في دافوس ستشمل الحرب الروسية على أوكرانيا، وآفاق التجارة والأسواق العالمية، واحتمالات إقدام الصين على غزو تايوان، إضافة إلى أخطار تصعيد جديد في الشرق الأوسط على خلفية الانتفاضة الأخيرة في إيران، لكن كثيراً من هذه الملفات، كما يرى مراقبون، قد يتوقف على سؤال واحد: ماذا سيفعل ترمب بعد ذلك؟
الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، الذي تزامنت ولايته جزئياً مع الولاية الأولى لترمب، قدم رؤيته في مقابلة حديثة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، إذ قال إن للرئيس الأميركي “تأثيراً مباشراً في العالم”، لكنه استبعد في الوقت نفسه أن يقدم ترمب على غزو غرينلاند أو إشعال مواجهة عسكرية كبرى، وأضاف “ترمب لا يشن الحروب، بل يستخدم التهديد بالقوة، ويحرص على الحد من استخدامها الفعلي”، معتبراً أن هدفه الأساس هو توظيف النزاعات لتحقيق مكاسب اقتصادية.
واستعاد هولاند أول اتصال هاتفي جمعه بترمب بعد فوزه في انتخابات 2016، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي أبدى إعجابه بفرنسا وثقافتها، قبل أن يشكو من كلفة الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، وعندما سأل هولاند نظيره الأميركي عن التزامه اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران، أوضح ترمب “بلباقة”، أنه لا يرى فيهما مصلحة اقتصادية للولايات المتحدة.
ويرى هولاند أن ترمب يختلف عن أسلافه الذين قدموا أنفسهم قادة للعالم الحر، إذ “لا يبني سياساته على القيم أو المبادئ، بل على الضرورات الاقتصادية باعتبارها المحرك الأساس للقرار الأميركي”.
أخطار عالمية
في حين تذهب بعض التقديرات إلى أبعد من ذلك، ففي تقرير جديد، صنفت مجموعة “أوراسيا” الولايات المتحدة باعتبارها “المصدر الرئيس للأخطار العالمية عام 2026″، ويعزو رئيس المجموعة إيان بريمر ذلك إلى الثقل الهائل للولايات المتحدة، معتبراً أن أي تحولات داخلها تكون لها انعكاسات مضاعفة على العالم.
ويقول بريمر إن الولايات المتحدة باتت أقل استعداداً لقيادة النظام الدولي القائم على القيم والمؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وأقل ميلاً للقيام بدور “شرطي العالم” أو المدافع عن التجارة الحرة وسيادة القانون، وأضاف أن ترمب “ليس سبب هذا التحول بقدر ما هو نتاج له، لكنه يسرعه بصورة واضحة”.
التجارة والرسوم الجمركية
على صعيد التجارة، يتوقع الرئيس السابق للبنك الدولي، روبرت زوليك، أن يواصل ترمب استخدام الرسوم الجمركية كسلاحه المفضل، إذ فرض الرئيس الأميركي خلال العام الماضي تعريفات جمركية واسعة على واردات من أكثر من 100 دولة، وصلت في بعض الحالات إلى أعلى مستوياتها منذ قرن، في محاولة لتقليص العجز التجاري وتعزيز التصنيع المحلي.
ويرى زوليك أن ترمب “ينظر إلى الرسوم كأداة ضغط سهلة”، لا يهتم بكلفتها بقدر اهتمامه بفاعليتها السياسية، ومع ذلك، أشار إلى أن الولايات المتحدة تمثل نحو 14 في المئة فقط من التجارة العالمية، مما يعني أن شركاءها سيواصلون توسيع علاقاتهم التجارية مع أطراف أخرى.
الأسواق والطاقة
من أبرز محاور دافوس أيضاً مستقبل الأسواق العالمية، والطرح العام الأولي للشركات، وصفقات الاستحواذ، إضافة إلى هوية الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وعلى رغم المكاسب الكبيرة التي حققتها الأسواق في 2025، يحذر متخصصون من أخطار متعلقة بالطاقة، في ظل اعتماد العالم بنسبة تتجاوز 80 في المئة على الوقود الأحفوري.
وتشير الباحثة الأميركية ميغان أوسوليفان إلى أن الطاقة عادت لتكون أداة جيوسياسية رئيسة، بخاصة بعد الحرب في أوكرانيا، إذ ارتفعت أسعار النفط والغاز ودفعت التضخم إلى مستويات عالية.
الصين وإيران
في ما يخص الصين، يتوقع متخصصون استمرار نهج الرئيس الصيني شي جينبينغ في ضخ استثمارات ضخمة في التكنولوجيا المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي إلى الروبوتات، مع الحفاظ على هيمنة قوية على التجارة العالمية، أما إيران فدخلت عام 2026 على وقع انتفاضة واسعة بسبب انهيار العملة وارتفاع الأسعار، مما أعاد طرح سيناريوهات التغيير السياسي وتأثيرها المحتمل في استقرار الشرق الأوسط.
دافوس بين الواقع والرمزية
منذ تأسيسه عام 1971، تحول منتدى دافوس من لقاء لرجال الأعمال إلى تجمع عالمي للنخب السياسية والاقتصادية، وعلى رغم الانتقادات التي تطاوله بوصفه مساحة للنقاشات النخبوية وعقد الصفقات خلف الكواليس، فلا يزال ينظر إليه كأحد الأماكن القليلة التي تتيح حواراً مباشراً بين قوى متنافسة في عالم منقسم، وإن ظل التحدي الأكبر هو تحويل الكلام إلى أفعال.
وتركز اجتماعات دافوس هذا العام على خمسة تحديات عالمية رئيسة، وفقاً للموقع الرسمي للمنتدى:
كيف يمكننا التعاون في عالم يزداد تنافساً؟
تعيد المنافسة المتصاعدة بين القوى الكبرى رسم ملامح النفوذ العالمي والاستقرار الإقليمي، في وقت تشهد فيه مجتمعات كثيرة حول العالم مستويات غير مسبوقة من الاستقطاب الداخلي، ويعرف هذا العصر الجديد بصراعات على القيم والمعايير، وتحالفات متغيرة، وتآكل متزايد في الثقة.
ومع تصاعد التقلبات وتراكم الأخطار، باتت المؤسسات على اختلاف أنواعها مطالبة بالتكيف المستمر مع منظومة شديدة التعقيد من المتغيرات، وأصبحت الجغرافيا الاقتصادية في صميم صنع القرار داخل الشركات، إذ تسعى إلى تعزيز فهمها للأخطار الجيوسياسية في بيئة سريعة التحول، تختبر فيها افتراضات راسخة حول الأمن والسيادة والتأثير بصورة يومية.
في هذا السياق، يقول منظمو دافوس إن هناك حاجة ملحة إلى تعاون أوثق بين قطاع الأعمال والحكومات والمجتمع المدني، بهدف التوصل إلى حلول مشتركة واتخاذ خطوات عملية وحاسمة، ومن خلال مراكزه المتخصصة يعمل المنتدى الاقتصادي العالمي على دمج الجهود بين القطاعين العام والخاص لتحقيق تأثير أوسع وأكثر استدامة.
كيف يمكننا فتح مصادر جديدة للنمو؟
في ظل تصاعد التوترات التجارية وعدم اليقين السياسي، من المتوقع أن يسجل النمو العالمي معدلاً منخفضاً يبلغ 3.1 في المئة في 2026، مما يعكس بيئة تشغيلية شديدة التقلب، إذ أصبح من المتوقع أن ينمو قطاع التجارة، وهو المحرك التقليدي للنمو، بنسبة 0.9 في المئة فقط في 2025، مع تحدي القواعد القائمة وغياب قواعد جديدة واضحة بعد.
وفي وقت بدأت فيه الضغوط التضخمية الرئيسة بالانحسار تدريجاً، لا تزال الضغوط التضخمية الأساسية مرتفعة، فيما وصل معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى قياسي عند 95 في المئة، ويحدث كل ذلك في ظل محدودية المساحة المالية والنقدية أمام صانعي السياسات.
ويعتمد المستقبل بصورة متزايدة على قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات قصيرة الأجل، وفي الوقت نفسه استغلال الابتكار لتعزيز الإنتاجية طويلة الأمد، كذلك يجب أن تكون السياسات الاقتصادية حساسة لحاجات القوى العاملة والمجتمع بصورة عامة، لضمان وصول فوائد النمو إلى عدد أكبر من الناس ومكافأتهم عليها.
في هذا السياق، تبرز أهمية تعاون أوثق بين قطاع الأعمال والحكومات والمجتمع المدني، بهدف التوصل إلى حلول مشتركة واتخاذ إجراءات حاسمة، ومن خلال مراكزه المتخصصة، يعمل المنتدى الاقتصادي العالمي على دمج الجهود بين القطاعين العام والخاص لتحقيق تأثير أوسع وأكثر استدامة.
كيف يمكننا الاستثمار بصورة فضلى في البشر؟
في ظل التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، أصبح الاستثمار في إعادة التأهيل المهني وتطوير المهارات أمراً حيوياً لبناء قوة عاملة قادرة على الصمود، فمن المتوقع أن تتغير 22 في المئة من الوظائف الحالية حول العالم خلال الأعوام الخمسة المقبلة، ويأتي هذا التحول بصورة كبيرة مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي الاقتصادات الناشئة، سيكون على سياسات التشغيل أن تتسارع لتستوعب فائض العمالة المتوقع، إذ سيصل عدد الشباب الذين سيصبحون في سن العمل خلال العقد القادم إلى نحو 800 مليون شخص.
ويظهر التوجه نحو الصمود متعدد الأبعاد أيضاً في قطاع الصحة، إذ يفتقر 4.5 مليار شخص حالياً إلى الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية، ويواجه القطاع فجوة تمويلية تقدر بنحو 10.5 مليار دولار سنوياً، مما يبرز الحاجة الملحة إلى الاستثمار في تحسين نتائج الصحة البشرية.
في هذا السياق، يبرز الدور المحوري للتعاون بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، من أجل التوصل إلى حلول مشتركة واتخاذ إجراءات فعالة، ومن خلال مراكزه المتخصصة، يسعى المنتدى الاقتصادي العالمي إلى دمج الجهود العامة والخاصة لتحقيق تأثير أوسع وأكثر استدامة.
كيف يمكن نشر الابتكار على نطاق واسع؟
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل طريقة عمل الصناعات وتنافسها وخلقها للقيمة، ومن المتوقع أن يضيف أكثر من 15 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030، ويترقب ما يقارب 90 في المئة من الشركات في مختلف القطاعات أن تحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها تحولاً جذرياً في أعمالها على المدى القصير، لا سيما من خلال تعزيز الإنتاجية.
غير أن تحقيق هذا الإمكان الهائل لا يتطلب فقط نشراً مسؤولاً وأطر حوكمة فعالة، بل يحتاج أيضاً إلى استثمارات مستدامة في تقنيات المستقبل المتقدمة، بدءاً من التكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية، وصولاً إلى الفضاء وأشباه الموصلات وأجهزة الاستشعار.
وفي الوقت نفسه تزداد الحاجة إلى الوفاء بمتطلبات التحول في مجال الطاقة أكثر من أي وقت مضى، ولم يعد التحدي مرتبطاً بالطموح، بل بالتنفيذ، فتوسيع نطاق التقنيات الجديدة، وتحديث شبكات الكهرباء، وتحسين الوصول إلى الابتكار – خصوصاً في الأسواق الناشئة – تمثل عناصر أساس لتحقيق الاختراقات المطلوبة لتلبية حاجات الطاقة في المستقبل.
في هذا السياق، يصبح التعاون بين قطاع الأعمال والحكومات والمجتمع المدني أمراً حاسماً للتوصل إلى حلول مشتركة واتخاذ خطوات عملية وحاسمة، ومن خلال مراكزه المتخصصة، يعمل المنتدى الاقتصادي العالمي على دمج الجهود بين القطاعين العام والخاص لتحقيق تأثير أوسع وأكثر استدامة.
كيف يمكن بناء الازدهار ضمن حدود الكوكب؟
تتأثر البنية التحتية، وأنظمة الغذاء، والنظم البيئية الطبيعية بصورة مباشرة بتغير المناخ، مما يعزز الحاجة إلى تطوير حلول قائمة على الطبيعة ضمن نهج متكامل للتنمية، إذ أدى تدهور الطبيعة إلى التأثير في نحو 75 في المئة من أراضي كوكب الأرض، مما يفرض أخطاراً اقتصادية جسيمة على المدى الطويل.
ومع ذلك، فإن التحول نحو نماذج أعمال داعمة للطبيعة لا يمثل عبئاً اقتصادياً، بل فرصة واعدة، إذ يمكن أن يفتح آفاقاً اقتصادية تصل قيمتها إلى 10 تريليونات دولار سنوياً بحلول عام 2030، وعلى عكس الاعتقاد السائد، فإن المفاضلة بين حماية البيئة وتحقيق النمو الاقتصادي ليست حتمية، فالنظم البيئية المرنة تشكل أساساً لازدهار اقتصادي واجتماعي مستدام.



