حكومة مدبولي الثالثة أمام اختبار الإنقاذ الاقتصادي

أعاد التشكيل الوزاري في مصر رسم خريطة المجموعة الاقتصادية، بحسب ما يتضح من التغيرات التي طرأت على وزراء تلك الحقائب بعد موافقة مجلس النواب المصري، في جلسة طارئة أمس الثلاثاء، على التعديل الحكومي الذي أبقى على مصطفى مدبولي رئيساً للوزراء للمرة الثالثة في مفاجأة غير متوقعة، مع تعيين نائب و13 وزيراً جديداً.
وسيواصل مدبولي رئاسة الحكومة الثالثة له، بعد ثمانية أعوام في منصبه، بدأت في الـ14 من يونيو (حزيران) 2018، قبل أن يعاد تكليفه بعد الانتخابات الرئاسية بحكومة ثانية في الثالث من يوليو (تموز) 2024، وصولاً إلى حكومته الثالثة، وسط آمال في أن يتجاوز التغيير الجديد حدود الوجوه إلى السياسات والقرارات.
التعديل الحكومي الجديد
خلال الأعوام السبعة الماضية عانت البلاد تبعات جائحة كورونا وانكشفت مالياً بتخارج مليارات الدولارات من الأموال الساخنة، في حين بلغ التضخم ذروته التاريخية عند 38 في المئة في سبتمبر (أيلول) 2023، قبل أن يبدأ في التراجع عقب توقيع اتفاق إنقاذ مالي مع صندوق النقد الدولي في مارس (آذار) 2024 بقرض قيمته 8 مليارات دولار لمدة 46 شهراً، في وقت كانت تواجه تضخماً مرتفعاً ونقصاً في العملة الأجنبية.
التعديل الحكومي الجديد استحدث منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية والذي كان من نصيب حسين عيسى، وألغى وزارة قطاع الأعمال العام، وأسند وزارة التخطيط إلى أحمد توفيق رستم بعد فصل الوزارة عن “التعاون الدولي” وإلحاقه بوزارة الخارجية التي ألغت بدورها “المصريين بالخارج” التي كانت قبل عامين وزارة مكتملة للهجرة والمصريين بالخارج.
تغيرات هيكلية في غالب الوزارات
في التعديل الوزاري، جرى تعييين رئيس هيئة الرقابة المالية محمد فريد صالح وزيراً للاستثمار، وتعيين خالد هاشم علي ماهر وزيراً للصناعة بعد فصل وزارة الصناعة عن وزارة النقل، وإبقاء الأخيرة فقط للفريق كامل الوزير، فيما تولى رأفت عبدالعزيز منصب وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وراندة المنشاوي وزيرة للإسكان.
ومع التغيرات الهيكلية في غالب وزارات المجموعة الاقتصادية، وجوهاً وحقائب، يتبدى اهتمام القيادة السياسية في البلاد بالدفع نحو تبني سياسات اقتصادية مختلفة عن تلك التي سادت طوال أعوام حكومتي مدبولي الأولى والثانية، وتحقق آمال الشارع في بلوغ وعود “جني الثمار” التي تعهدها رئيس الحكومة في 2026.
لكن هل يتجاوز التعديل الوزاري حدود تغيير الوجوه إلى انتهاج سياسات مختلفة على أرض الواقع؟ أم أنه يقف عند عتبة البروتوكول المعمول به بعد انتخاب البرلمان الجديد فقط؟
روشتة انقاذ اقتصادي
سؤال طرحناه في “اندبندنت عربية” على عدد من المسؤولين السابقين والاقتصاديين، ممن رأوا وجوب العمل على أجندة مختلفة تفضي إلى نتائج مرجوة من قبل السلطة السياسية وتلبي طموحات الشارع الفترة المقبلة، وإنقاذ الاقتصاد المصري من تحديات صعبة.
مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية عبدالمنعم السيد يرى في التعديل الوزاري تحركاً وازناً، مع ما أحدثه من تغييرات في هيكلة 17 حقيبة وزارية اقتصادية وخدمية، ومع استجلابه خبرات أكاديمية ومهنية مشهود لها بالكفاءة، كما يقول.
تحدث السيد عن وزير التخطيط الجديد القادم من البنك الدولي وما يملكه من خبرات تنموية واسعة، ونائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية والقادم من مجلس النواب و”مطبخ السياسات الاقتصادية”، إذ شغل في الماضي منصب رئيس لجنة الخطة والموازنة، إلى جانب وزير الاستثمار الجديد المزود بخبرات هيئة الرقابة المالية، معرباً عن تفاؤله بهذه التشكيلة الوزارية.
ثِقل التركة الاقتصادية
لكن مع ذلك يتوقف السيد عند ثِقل التركة الاقتصادية بما تحمله من تحديات صعبة، فيقول إنه سيتعين على الحكومة الجديدة في مصر، أن تتعامل بجدية وسرعة مع ملف الديون، بشقيه، العام (12.5 تريليون جنيه أي 270 مليار دولار)، والخارجي (161.2 مليار دولار)، والوصول إلى خفض نسبة الدين إلى 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويسمي السيد ملف الدين “أكبر التحديات” التي تواجه الموازنة المصرية، بما يمثله من عبء كبير بفعل فوائد الدين وخدمته وأقساطه وأصله، التي تتجاوز إيرادات الموازنة العامة للدولة، مما يؤثر سلباً في نصيب قطاعات أخرى كالصحة والتعليم من الإنفاق.
ثاني الملفات التي سيتعين على الحكومة الجديدة الاشتباك معها سريعاً، التضخم بما يعنيه من تبعات غير محمودة في الشارع المصري، بحسب المتحدث، وذلك عبر ضبط الأسعار وتشديد الرقابة على الأسواق، والحد من سياسات الاحتكار مع تطبيق قواعد حماية المستهلك، لافتاً إلى أن تطوير الصناعة المصرية حجز زاوية مهمة في هذا الملف، عبر تقديم حوافز ضريبية واستثمارية للصناعات ذات القيمة المضافة، وتشجيع الشراكات الدولية وربط البحث العلمي بالقطاع الصناعي، ورفع الحد الأدنى للأجور.
الحكومة تحتاج خطة جديدة
يخلص مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إلى حاجة الحكومة الجديدة إلى خطة متكاملة تجمع بين الإصلاحات الهيكلية ودعم الصناعة مع تحسين المناخ الاستثماري وبناء قدرات الإنسان المصري، ويرى في ذلك أن الحل لا يكمن في خطوة بل خطوات، خصوصاً مع وجود تحديات كبيرة تستلزم تحقيق الاستقرار المالي وخفض الفقر والبطالة وضمان العدالة الاجتماعية.
وأنهت مصر السنة المالية 2024-2025 بمعدل نمو اقتصادي بـ4.4 في المئة، في حين نما الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من السنة المالية الحالية 5.3 في المئة، بحسب بيانات وزارة التخطيط، لكن مع ذلك، التهمت فوائد الديون كافة إيرادات الموازنة، في الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية 2025-2026، مفاقمة العجز إلى 3.2 في المئة، ومتجاوزة إجمال الإيرادات بحوالى 104 في المئة، لتشكل العبء الأكبر على اقتصاد البلاد، وفق وزارة المالية المصرية.
وتواجه القاهرة التزامات خارجية بنحو 50.8 مليار دولار من الديون التي يتعين سدادها بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، وفقاً لجدول استحقاقات الدين الخارجي الصادر عن البنك الدولي، من بينها قرابة 21 مليار دولار من الودائع والعملات لدى البنك المركزي المصري، وغالبها يخص دولاً خليجية ويُجدد بصورة دورية.
ثلاثة أهداف رئيسة
وسبق أن قال رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، الشهر الماضي، إن الدين لم يكن نتاج مشاريع وحسب، بل تشكل في سياق صدمات خارجية متلاحقة فرضت على الدولة تمويل فجوات قائمة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتعهد رئيس الوزراء المصري، قبل أسابيع، بالعمل على إجراءات متكاملة يجري الانتهاء من ملامحها النهائية خلال الأيام المقبلة بهدف خفض أعباء الدين، قبل أن يؤكد تبنيه خطة طموحة لخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ نحو 50 عاماً.
لا يحبذ الرئيس السابق للهيئة الاقتصادية لقناة السويس أحمد درويش حلولاً سريعة من قبيل صفقة “رأس الحكمة” مع الإمارات، بحثاً عن الاستقرار، بل يرى أن الحكومة الجديدة مطالبة بالتركيز على تحقيق ثلاثة أهداف رئيسة، والاتجاه أكثر صوب التصنيع والتصدير.
إنقاذ اقتصاد هذه البلاد
وفي حديثه إلينا يوضح درويش أنه يتعين على الحكومة الجديدة تحفيز الصناعة الوطنية ودفع الصادرات واستهداف حصيلة 150 مليار دولار في غضون عامين من التصدير بدلاً من 40 مليار حالياً، مشيراً إلى أن التصنيع والتصدير وحدهما القادران على إنقاذ اقتصاد هذه البلاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتمسك درويش بالدعوة إلى تمكين أكبر للقطاع الخاص وتخارج الدولة من النشاط الاقتصادي، ويثمن في ذلك وثيقة ملكية الدولة التي أصدرتها الحكومة قبل أعوام وكانت بمثابة خريطة طريق لهذا التخارج لولا أن الإجراءات اتسمت بالبطء، كما يقول، مشيراً إلى أن إنفاذ تلك السياسة سيجذب مزيداً من الاستثمارات إلى البلاد.
تكليفات الحكومة الجديدة
أما الملف الثالث الذي تناوله الرئيس السابق للهيئة الاقتصادية لقناة السويس ووزير التنمية الإدارية السابق، فتمثل في عدالة التيسيرات الاستثمارية عبر إلغاء ما يعرف بـ”الرخصة الذهبية” التي تمنحها الحكومة لكبار المستثمرين فقط دون غيرهم على أساس حجم استثماراتهم، معتبراً أن المبدأ الأمثل هو إتاحة الخدمات للجميع بسرعة وسهولة بلا تفرقة بين المستثمرين على أساس حجم رؤوس أموالهم.
وبحسب بيان لرئاسة الجمهورية، فإن رئيس الحكومة مكلف بالعمل على وضع خطة لكل وزارة تتضمن المستهدفات والإجراءات ومدة التنفيذ والتمويل اللازم ومؤشرات قياس الأداء وستكون محلاً للمتابعة والتقييم بصفة مستمرة، ومواصلة تنفيذ سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في المجال الاقتصادي.
خفض الفقر ومكافحة التضخم
وطالب رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة بدفع المجموعة الاقتصادية لتحسين الوضع الاقتصادي باستمرار من خلال قيام نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية بالمشاركة في وضع الخطط المستقبلية والتنسيق بين أعضائها وتحقيق الانسجام بين مهماتهم ومتابعة الأداء، والتوجه نحو خفض حجم الدين العام بأفكار جديدة يجب أن تدرس بعناية فائقة من حيث سلامة إجراءاتها وإيجابية آثارها على المديين القريب والبعيد.
من بين الخبراء من يولي اهتماماً أكبر بوجوب تحقيق الحكومة الجديدة في مصر للعدالة الاجتماعية عبر العمل على خفض معدلات الفقر ومكافحة التضخم، إذ تقول أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة عالية المهدي، إن العمل على توفير فرص عمل سيكفل تلقائياً خفض معدلات الفقر في البلاد، وهو ما يتعين على حكومة مدبولي الثالثة أن توليه اهتماماً أكبر.
تجنب “الأموال الساخنة”
المهدي تحدثت عن ضرورة التخلي عن سياسات التوسع في أدوات الدين الحكومية “الأموال الساخنة” بوصفها مدمرة للاقتصاد والعمل على جذب رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة، إلى جانب خفض التضخم الذي لا يزال يشكل تحدياً حقيقياً أمام خفض أسعار الفائدة المرتفعة من جانب البنك المركزي المصري.
ولعل خلق تناغم بين المجموعة الاقتصادية والبنك المركزي، أمر مُلحّ خصوصاً مع اقتراب نهاية برنامج صندوق النقد الدولي آخر العام، بحسب ما تعتقد أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، وهو ما يفرض على الحكومة مسؤولية صياغة السياسة المالية بعد حقبة الصندوق، ويتعين إخضاع تلك السياسة إلى مراجعة دقيقة لمواجهة العجز المزمن والدين العام.
أياً ما كانت الأولويات والملفات التي سيتعين على الحكومة بثوبها الجديد أن تتعامل معها فهي كثيرة، والمؤكد أن التركة الاقتصادية ثقيلة بالأعباء والتحديات، الإقليمية منها والمحلية، وهو ما يضع مجلس الوزراء المصري الفترة المقبلة أمام تحدي تحقيق اختراق في ملفات ذات تأثير في حياة الناس في وقت ناجز.



