حرب الشرق الأوسط تهدد الاقتصاد البريطاني وتضع لندن أمام اختبار صعب

على رغم تأكيد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده لا تشارك في العمليات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، وأن مشاركة القوات والطائرات البريطانية تقتصر على الجهود الدفاعية المنسقة لحماية مصالح البلاد وحلفائها، فإن تداعيات الحرب القائمة، والتي يتوقع أن تصبح أكثر ضراوة خلال الأيام القليلة القادة، قد يكون لها انعكاسات مباشرة وسريعة على بريطانيا.
ثمة قاعدة اقتصادية شائعة تشير إلى أن كل زيادة بنسبة 5 في المئة في سعر النفط تضيف 0.1 نقطة مئوية إلى التضخم في الاقتصادات المتقدمة، علاوة على أن ارتفاع كلفة الوقود لا يعني فقط دفع المزيد عند تعبئة السيارة، بل ينعكس على أسعار النقل، والمواد الغذائية، وتذاكر الطيران، وفواتير الطاقة المنزلية.
ويضع هذا السيناريو بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) أمام معضلة صعبة، فبدلاً من المضي قدماً في خفض أسعار الفائدة لدعم النمو، قد يضطر إلى التريث أو حتى التشدد إذا عادت الضغوط التضخمية، وفي الولايات المتحدة قد يواجه “الاحتياط الفيدرالي” ضغوطاً مماثلة، على رغم رغبة ترمب في رؤية خفوض أسرع للفائدة.
إلى جانب الطاقة، بدأت تداعيات النزاع تمتد إلى التجارة العالمية، إذ أعادت شركة الشحن العملاقة “ميرسك” توجيه سفن الحاويات بعيداً من قناة السويس نحو مسار أطول حول أفريقيا، ما يزيد كلفة الشحن والوقت، إلى جانب أن إغلاق الأجواء في أجزاء من الشرق الأوسط يعقد أيضاً حركة الشحن الجوي، ويرفع كلفة الخدمات اللوجيستية.
تباطؤ اقتصادي وضغوط على المالية العامة
بالنسبة إلى الحكومة البريطانية تأتي هذه التطورات في توقيت حساس، فوزيرة الخزانة راشيل ريفز تستعد لبيانها المالي الربيعي وسط تباطؤ اقتصادي وضغوط على المالية العامة.
أيضاً ارتفاع أسعار الطاقة قد يقلص الإيرادات الضريبية إذا تراجعت أرباح الشركات، ويزيد الإنفاق الحكومي لمواجهة كلف المعيشة أو تعزيز الجاهزية الدفاعية في المنطقة، إلى جانب أن تقلص “الهامش المالي” سيصعب تمرير زيادات في الإنفاق لإرضاء نواب حزب العمال، مما يضيف تحديات سياسية داخلية إلى الضغوط الاقتصادية الخارجية.
وكان هناك اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر مقتضب وبادر البيت الأبيض إلى ترتيب المكالمة.
واكتفى البيان الرسمي الصادر عن “داونينغ ستريت”، والذي أوردته هيئة الإذاعة البريطانية” بي بي سي” في وصف ما جرى، بالقول إن الطرفين “ناقشا الوضع في الشرق الأوسط”، دون أن يعكس حقيقة الموقع البريطاني من العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
أعلن ستارمر مراراً موقفه الثابت ضد النظام الإيراني، وخصوصاً رد طهران الصاروخي على إسرائيل وقواعد أميركية في دول الخليج التي تستضيف قوات بريطانية، لكنه شدد على أن مشاركة المملكة المتحدة كانت في إطار عمليات دفاعية لحماية مصالحها وحلفائها، وضمن القانون الدولي، وليست ضمن الضربات نفسها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي بيان مصور أوضح ستارمر أن طائرات سلاح الجو الملكي (RAF) موجودة في سماء المنطقة لأغراض دفاعية فحسب، في إطار جهود منسقة لحماية القوات والمصالح البريطانية من أي هجمات انتقامية محتملة من إيران، مع تعزيز حماية القواعد والأفراد إلى أعلى مستوى، وأكد أن بلاده لم تسهم في الغارات الأميركية – الإسرائيلية على أهداف في إيران خلال الأيام الأخيرة.
في الوقت نفسه، حاول ستارمر التمييز بين موقف لندن والدعم العام لأهداف واشنطن في منع إيران من تطوير برامج نووية وصاروخية، وبين المشاركة في موجة ضربات عسكرية تستهدف تغيير النظام. ويلتزم رئيس الوزراء البريطاني، مع قادة فرنسا وألمانيا، بدعوات خفض التصعيد وإعادة فتح قنوات التفاوض من أجل حل دبلوماسي طويل الأمد.
لكن الموقف الحكومي أثار ردود فعل متفاوتة داخل الساحة السياسية البريطانية، إذ انقسمت الآراء تقريباً على خطوط يمينية ويسارية. ويتهم بعض نواب المعارضة من “الحزب المحافظ” وحزب “ريفورم” ستارمر بـ”التردد” أو الافتقار إلى الدعم الكافي للولايات المتحدة، مثل فتح قواعد بريطانية للقوات الجوية الأميركية.
أما من جهة أخرى فأعربت أحزاب مثل الليبراليين الديمقراطيين والحزب القومي الاسكتلندي عن تحفظات واضحة تجاه الأعمال العسكرية الأميركية، معتبرين أن لندن يجب أن تتجنب الانجرار إلى صراع أوسع خارج حدود الدفاع عن مصالحها.
آلاف البريطانيين في الخليج
تزداد المخاوف الحكومية حول عدد كبير من المواطنين البريطانيين الموجودين في دول الشرق الأوسط، إضافة إلى آلاف آخرين الذين ينوون السفر عبر المطارات الكبرى في المنطقة، وأطلقت وزارة الخارجية نظام تسجيل “وجودك” (Register Your Presence) ليتمكن السفراء والقنصليات من البقاء على اتصال بالمواطنين في كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات وغيرها من الدول المعنية.
وتتزايد المخاوف حول التداعيات الاقتصادية المحتملة لاضطرابات في مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط البحرية العالمية، وتلي ذلك انعكاسات على التضخم وأسعار الوقود وأسعار الفائدة في الأسواق الدولية.
ويتساءل مسؤولون في الحكومة عن أثر إشعال توترات جديدة في سوق الطاقة، وهو ملف اقتصادي حساس يجمع بين السياسة الدولية والأمن الاقتصادي.
وعلى الصعيدين العسكري والدبلوماسي، تبقى هذه اللحظة ربما أكبر اختبار حتى الآن أمام الحكومة في لندن، بما يحمله من تبعات وطنية وإقليمية وعالمية لم تتضح كل ملامحها بعد.



