عالمي

حكومة “العمال” البريطانية تجمع المليارات بزيادة الضرائب على الثروة

في وقت تشجع فيه الحكومة البريطانية المواطنين على الادخار الذي يمثل قاعدة السيولة الائتمانية للنشاط الاقتصادي بصورة عامة لتشجيع النمو الاقتصادي تواصل الخزانة العامة استهداف المدخرات بمزيد من الضرائب المباشرة وغير المباشرة لسد عجز الموازنة.

إذا كان الشائع تقليدياً أن حزب العمال هو حزب زيادة الضرائب والإنفاق العام، وحزب المحافظين هو حزب التخفيضات الضريبية وتقليل الإنفاق الحكومي، فإن ذلك تغير تماماً في السنوات الأخيرة، إذ بدأت الضرائب في الزيادة خلال حكومة المحافظين السابقة وتواصل حكومة العمال الحالية ذلك وتخطط للاستمرار في زيادة الضرائب في السنوات المقبلة في الأقل حتى عام 2030.

هذا ما تشير إليه بيانات وأرقام مصلحة الضرائب ووزارة الخزانة التي نشرت صحيفة “صنداي تايمز” تقريراً مطولاً حولها، ومن أهم ما تعكسه تلك البيانات والأرقام حجم الزيادة الضريبية على المدخرات الشخصية وعلى معاشات التقاعد، إضافة إلى الضريبة على أرباح رأس المال مثل ما تحصله الخزانة من المتعاملين في الأسهم البريطانية وأوراق المال الأخرى أو من الربح العادي لمن يبيع عقاراً غير سكنه الأصلي ويحقق منه عائداً، فضلاً عن التوسع في ضريبة الإرث بإضافة ما كان معفى سابقاً إلى تركة المتوفى مثلما ادخره لمعاشه التقاعدي.

ماذا عن الإشاعات والتعديلات؟

هناك كثير من الإشاعات والمبالغات حول الضرائب في بريطانيا في الآونة الأخيرة، بعضها عن جهل غير متعمد وبعضها من باب التضليل المعلوماتي لأهداف سياسية، ومن ذلك مثلاً ما انتشر على مواقع التواصل في شأن استهداف مصلحة الضرائب لأي شخص يسافر للخارج أكثر من ثلاث مرات سنوياً، وذلك ليس فيه جديد بحسب كل ما هو متاح رسمياً على موقع الحكومة الإلكتروني، بما في ذلك صفحات مصلحة الضرائب ووزارة الخزانة، وأيضاً موقع البرلمان البريطاني.

تلك سياسة قائمة منذ زمن وتتعلق بالمراقبة على من يتلقون المعونات الاجتماعية كإعانات البطالة والدعم للأسر منخفضة الدخل أو إعانات رعاية الأطفال، وتستخدم السلطات بيانات السفر كدليل على الإنفاق على العطلات بأكثر مما هو معلن من دخل لضبط من يستحقون الإعانات والدعم المالي الحكومي.

كذلك الإشاعة الأخيرة حول أن مصلحة الضرائب ستستهدف أي شخص يوجد في حسابه بالبنك أكثر من 3.5 آلاف جنيه استرليني (4.7 آلاف دولار)، وذلك أيضاً لا جديد فيه، إذ خفضت الحكومة من قبل سقف حد السماح والإعفاء للضريبة على فوائد الادخار في البنك إلى هذا الرقم، وذلك لمن لديهم حساب ادخار بفائدة وليس حساباً جارياً معتاداً.

في كل الأحوال تدفع البنوك مباشرة للضرائب النسبة المقررة على الأرباح – الفائدة على الادخار – التي تتجاوز سقف الحد المسموح. وحد الإعفاء للفائدة على المدخرات الشخصية هو ألف جنيه استرليني (1.35 ألف دولار) لمن هم على الشريحة الضريبية الأدنى و500 جنيه استرليني (670 دولاراً) لمن هم على الشريحة الضريبية الأعلى، ولم يتغير سقف حد الإعفاء منذ إقراره عام 2016.

وبالنسبة إلى من يحصلون على رواتبهم وأجورهم من خلال نظام المدفوعات Payee فإن الضرائب ومستقطعات التأمينات الاجتماعية تخصم من دخلهم مسبقاً طبقاً للنسب المحددة للشرائح الضريبية على قدر حجم الدخل السنوي. ومن لديهم مصادر دخل أخرى يكون عليهم تقديم صحيفة ضريبية مطلع كل عام كي تحسب الضريبة عليهم أو ترد لهم مصلحة الضرائب ما حصلته منهم بزيادة على النسب التي يخضعون لها.

الجديد والوحيد في كل ذلك هو تجميد الحكومة لسقف شرائح ضريبة الدخل الذي كان يرتفع مع معدلات التضخم سنوياً، وهذا التجميد بدأ مع حكومات المحافظين السابقة وجددته حكومة العمال الحالية، وهو يشكل زيادة غير مباشرة في الضريبة على الدخل ترفع من قيمة ما تحصله الخزانة العامة على رغم عدم زيادة نسب الضريبة على الدخل.

هناك وعاء ادخاري الفائدة عليه معفاة من ضريبة الدخل والضرائب على الأرباح الاستثمارية يسمى ISA، إذ يمكن لأي شخص أن يودع فيه حداً أقصى كل عام، وحتى عام 2017 كان الحد الأقصى للادخار المعفى من الضريبة على فوائده في ذلك الوعاء هو 20 ألف جنيه استرليني (27 ألف دولار) في العام، وتجمد سقف الحد الأقصى منذ ذلك الحين، ويستمر هذا التجميد حتى عام 2030، ويوفر ذلك للخزانة مبلغ 605 ملايين جنيه استرليني (812 مليون دولار) من الضرائب على أرباح ذلك الادخار.

يمكن للادخار في هذا الوعاء المعفى ضريبياً أن يكون في صورة نقد أو أسهم وسندات، لكن من يدخرون في شكل أسهم وسندات، وبحسب التعديلات الحكومية للضريبة على أرباح وعائدات الادخار في شكل أسهم وسندات ضمن ISA يخضعون للضرائب، فالجزء غير النقدي سيكون عرضة لضرائب بنحو خمسة أضعاف: ضريبة دمغة على الأسهم لدى شرائها، وضريبة على أرباح الأسهم وضريبة أرباح استثمارية عند بيعها ثم ضريبة الإرث على تركة المتوفى الذي في ادخاره أسهم أو أوراق مالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في عام 2021، خفضت حكومة المحافظين السابقة حد الإعفاء الضريبي لضريبة أرباح راس المال من 12300 جنيه استرليني (16500 دولار) إلى ثلاثة آلاف جنيه استرليني (4 آلاف دولار) فقط. وخفض حد الإعفاء من الضريبة على عائدات الأسهم إلى 500 جنيه استرليني (670 دولاراً) من ألفي جنيه استرليني (2.7 ألف دولار) سابقاً.

في أبريل (نيسان) الماضي قررت حكومة العمال الحالية أن تكون نسبة ضريبة أرباح راس المال لمن هم على شريحة ضريبة الدخل الأدنى عند 18 في المئة وعند نسبة 24 في المئة لمن هم على شريجة ضريبة الدخل الأعلى، وقررت أن تكون نسبة الضريبة على أرباح الأسهم عند 8.75 في المئة لمن هم على الشريحة الضريبية الأدنى ونسبة 33.75 لمن هم على الشريحة الضريبية الأعلى.

كم حصيلة ضرائب الادخار والاستثمار؟

حصلت الخزانة العامة من ضريبة الدمغة على شراء الأسهم في العام المالي الماضي، من أبريل 2024 إلى نهاية مارس (آذار) الماضي، ما يصل إلى 4.3 مليار جنيه استرليني (5.8 مليار دولار)، بينما حصلت الخزانة العامة ما يصل إلى 25.5 مليار جنيه استرليني (34 مليار دولار) من ضريبة أرباح رأس المال وضريبة الإرث (التركات) في العام المالي الأخير بحسب الأرقام الرسمية. ويتوقع مكتب مسؤولية الموازنة أن تصل عائدات تلك الضرائب إلى 44.9 مليار جنيه استرليني (60 مليار دولار) بحلول العام المالي 2029 – 2030.

بحسب الأرقام الرسمية المعلنة بلغت حصيلة الخزانة العامة من الضرائب على عائدات الأسهم والفائدة على المدخرات ما يصل إلى 24.2 مليار جنيه استرليني (32.5 مليار دولار) في العام المالي الأخير. ويمثل المبلغ نسبة 7.8 في المئة من إجمال حصيلة الضرائب على الدخل التي تجمعها الخزانة، وإذا استمرت نسب الضريبة الحالية فإن ما تحصله الخزانة من هاتين الضريبتين سيصل إلى 31 مليار جنيه استرليني (41.5 مليار دولار) بحلول العام المالي 2029 – 2030.

وبحسب تحليل الصحيفة فإنه إجمالاً يمكن أن توفر الضرائب على الثروات، من الضريبة على فائدة المدخرات وضريبة أرباح رأس المال الأخرى وضريبة الإرث وغيرها، ما يصل إلى 76 مليار جنيه استرليني (102 مليار دولار) للخزانة العامة بحلول عام 2030.

ما أبرز التغيرات المتوقعة؟

من تصريحات وزيرة الخزانة راتشيل ريفز، وما يبدو من سياسات حكومة كير ستارمر، يتوقع أن تدخل الحكومة تعديلات أخرى على النظام الضريبي سيكون المتضرر الأكبر منها ليس فقط أصحاب الثروات الكبيرة، لكن أيضاً صغار المدخرين وأصحاب معاشات التقاعد.

وتعتزم وزيرة الخزانة خفض سقف الادخار النقدي في وعاء ISA من 20 ألف جنيه استرليني (27 ألف دولار) إلى 4 آلاف جنيه استرليني (5.4 ألف دولار) فحسب، وسيعني ذلك دخول ملايين المدخرين تحت طائلة ضريبة أرباح رأس المال وضريبة فائدة الادخار.

وبدءاً من أبريل 2027 سيصبح وعاء معاش التقاعد للمتوفى ضمن تركته الخاضعة لضريبة الإرث، ولا يعني ذلك أن مدخرات معاش التقاعد ستدفع عنها ضريبة فحسب، بل إن دخولها ضمن التركة سيرفع قيمتها بما يجعل أعداداً أكبر يخضعون للضريبة ونسبتها 40 في المئة، لأن دخول معاش التقاعد ضمن التركة مع تثبيت حد الإعفاء من ضريبة الإرث سيعني زيادة حصيلة الخزانة العامة.

حتى الآن حد الإعفاء من ضريبة الإرث هو 325 ألف جنيه استرليني (436 ألف دولار)، ويرتفع حد الإعفاء إلى 500 ألف جنيه استرليني (670 ألف دولار) إذا ترك المتوفى بيته للشريك/ الشريكة أو الأبناء وكانت قيمة البيت في السوق تقل عن مليوني جنيه استرليني (2.7 مليون دولار)، وما فوق ذلك من التركة يدفع عنه الورثة ضريبة الإرث للخزانة العامة بنسبة 40 في المئة.

وحتى إذا ظل حد الإعفاء من ضريبة الإرث مجمداً عند الأرقام أعلاه، فإن إضافة معاش التقاعد للمتوفى ضمن التركة سيجعل عدداً أكبر من دافعي الضريبة خاضعين لها ويزيد من حصيلة مصلحة الضرائب ووزارة الخزانة.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى