ترمب يهز النظام العالمي القديم والحلفاء يترقبون التبعات

على مدى عقود، روج صانعو السياسات الأميركيون للتكامل الاقتصادي العالمي باعتباره وسيلة لتحقيق السلام والازدهار، أما اليوم، فيعيد قادة أجانب ومستثمرون تقييم تلك الروابط، مع تركيز متزايد على تجنب الأخطار الجيوسياسية، خصوصاً تلك الصادرة عن الولايات المتحدة التي باتت أقل قابلية للتنبؤ.
جعلت الروابط التجارية بين الدول الاقتصاد العالمي أكثر كفاءة، لكنها في الوقت ذاته خلقت مواطن ضعف استغلتها الولايات المتحدة ودول أخرى عبر الرسوم الجمركية والعقوبات المالية وقيود سلاسل التوريد.
واستغل الرئيس دونالد ترمب أخيراً اعتماد أوروبا على واشنطن حين هدد بفرض رسوم جمركية على حلفاء أوروبيين عارضوا خطته للاستحواذ على غرينلاند.
هذا التصعيد عرض تجارة عابرة للأطلسي تقدر بنحو تريليون دولار للخطر، فضلاً عن اتفاق تجاري جديد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كان يتضمن تعهدات باستثمارات أوروبية بقيمة 600 مليار دولار داخل الولايات المتحدة. وعلى رغم انحسار الأزمة الفورية، تعهد قادة الدول الحليفة بعدم ترك أنفسهم عرضة لمثل هذه التهديدات مجدداً.
وقال كبير الاقتصاديين في شركة “كابيتال إيكونوميكس” في لندن نيل شيرينغ لصحيفة “واشنطن بوست”، “حدث تحول أساسي. المسألة تتعلق بالقوة والاعتماد والإكراه. سيكون هناك جهد واضح لتقليص الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة”.
وقام الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية على أساس أميركي، إذ تولت البحرية الأميركية حماية طرق الملاحة الدولية، مما أتاح لسفن الشحن العملاقة نقل البضائع بأمان بين الموانئ البعيدة، بينما اعتمد المستثمرون على سندات الخزانة الأميركية بوصفها أصلاً خالياً من الأخطار.
أما اليوم، فتتبنى الولايات المتحدة نهج “أميركا أولاً” من دون مواربة، مستخدمة نفوذها لتحقيق مصالحها بغض النظر عن الكلفة التي يدفعها رصيدها من الثقة والنفوذ العالميين.
وبالنسبة إلى المستثمرين، لا تزال قوة الاقتصاد الأميركي، المدفوعة بازدهار الذكاء الاصطناعي، تفوق المخاوف في شأن تآكل المكانة الدولية لواشنطن، إذ تراجعت أسعار الأسهم والسندات عندما هدد الرئيس بالاستيلاء على غرينلاند، قبل أن تتعافى بعد أيام حين أعلن عن “إطار لاتفاق مستقبلي” في شأن الجزيرة الغنية بالمعادن.
دعوات إلى تطوير نظام مدفوعات بديل
الموقف الأميركي الجديد، وما نتج منه من اندفاع دولي لاستبدال الكفاءة الاقتصادية بالمرونة، سيترك أثراً تدريجياً متنامياً على الاقتصاد العالمي، فالتخلي عن النظام العالمي القائم على القواعد لمصلحة نظام تهيمن عليه القوى الكبرى من شأنه رفع كلفة رأس المال وتهديد مصالح بعض الشركات الأميركية وزيادة أسعار السلع اللازمة لبناء سلاسل توريد بديلة.
ومع تصاعد المخاوف حيال السياسات الاقتصادية والأمنية الأميركية خلال العام الماضي، ارتفع سعر الذهب، وهو ملاذ تقليدي في أوقات الأزمات، نحو 80 في المئة.
ودعا عضو في البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي المفوضية الأوروبية إلى تطوير نظام مدفوعات بديل عن “فيزا” و”ماستركارد”، محذراً من أن “دونالد ترمب يمكنه قطعها بين ليلة وضحاها”.
ويتوقع أن تواصل أسعار سلع مثل النحاس الذي ارتفع أكثر من 30 في المئة خلال عام، صعودها مع توجه الدول لبناء مصانعها الخاصة لأشباه الموصلات والأدوية بدلاً من الاعتماد على الواردات.
“خطوط المبادلة”
حتى قبل أزمة غرينلاند، كانت هناك شكوك حول موثوقية الحكومة الأميركية، فقد عبّر محافظو بنوك مركزية ووزراء مالية أجانب خلال أحاديث خاصة عن قلقهم من احتمال تدخل إدارة ترمب في أدوات “الاحتياط الفيدرالي” المصممة لمساعدة الدول الأخرى أثناء الأزمات المالية، بحسب رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي آدم بوزن.
وتعرف هذه الأدوات باسم “خطوط المبادلة” التي تتيح إقراض الدولارات للبنوك المركزية الأجنبية عند الحاجة، وهي خاضعة لسيطرة “الاحتياط الفيدرالي”.
لكن في ظل واقع يمكن فيه للولايات المتحدة في أي يوم مداهمة عاصمة أجنبية واعتقال رئيس فنزويلا، أو شن ضربات جوية على إيران، أو التهديد بالاستيلاء على أراضي حليف (غرينلاند)، بات المسؤولون الأجانب غير متيقنين مما يمكن توقعه من واشنطن.
وزادت تهديدات ترمب المتكررة بإقالة رئيس “الاحتياط الفيدرالي” جيروم باول من حدة هذه المخاوف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال بوزن “هناك الآن نقاش صريح بين حكومات أجنبية مفاده بأننا لا نستطيع الاعتماد على خطوط المبادلة. قد يتعرض بنك في دولة ما لأزمة، وعندما تطلب من الاحتياط الفيدرالي دولارات طارئة، قد يقول شخص من إدارة ترمب ’قبل أن نضغط على زر التحويل، نريد منكم السماح لنا بشراء مينائكم، أو التزام شراء أسلحتنا، أو التصويت بطريقة معينة في منظمة دولية‘”.
وبحسب مصدر مطلع لـ”واشنطن بوست”، اتخذ مسؤولو “الاحتياط الفيدرالي” خطوات لطمأنة نظرائهم الأجانب بعد تبلغهم بهذه الشكوك.
ومع ذلك، يمكن رصد هذا التآكل في الثقة من خلال تراجع الدولار أمام عملات اقتصادات متقدمة صغيرة مثل الكرونة النرويجية أو الدولار النيوزيلندي، إضافة إلى تقلص الفارق بين عوائد سندات الشركات وسندات الخزانة الأميركية، فعادة ما تدفع حتى الشركات الأكثر جدارة ائتمانية فائدة أعلى من الحكومة الأميركية، إلا أن هذا الفارق انخفض حالياً إلى 0.72 نقطة مئوية فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 1998.
“أخطار تراجع الدولار”
وبدأ مديرو صناديق استثمار حكومية وصناديق تقاعد واحتياطات بنوك مركزية في الخارج بتحويل جزء من أموالهم إلى عملات أخرى بدلاً من إعادة استثمارها في أدوات مقومة بالدولار.
وأعلنت شركة “أكاديميكربنشن” الدنماركية الأسبوع الماضي بيع سندات خزانة أميركية بقيمة 100 مليون دولار، مبررة ذلك بمخاوف تتعلق بالدين العام الأميركي.
وقال بوزن للصحيفة “مديرو الصناديق يتحوطون من أخطار تراجع الدولار بطرق لم نشهدها منذ سبعينيات أو أوائل ثمانينيات القرن الماضي”.
وحتى الآن، لا تزال هذه التحولات محدودة، ويرجح معظم الاقتصاديين أن تستمر هيمنة الدولار الدولية لأعوام مقبلة، غير أن العالم الناشئ مرشح لمواجهة نقص في رؤوس الأموال الاستثمارية، مع تسارع وتيرة إعادة التسلح في أوروبا وكندا، ومحاولة اللحاق بركب التكنولوجيا في الولايات المتحدة والصين، في وقت تجد الدول الآسيوية سريعة النمو استخدامات داخلية لرؤوس أموالها.
ترمب وتفكيك النظام الدولي
وقال كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي مارسيلو إستيفاو “نحن نتجه نحو عالم سترتفع فيه أسعار الفائدة العالمية لأن الطلب على المدخرات العالمية سيزداد”.
ويمثل ذلك خبراً سيئاً للولايات المتحدة التي تدين بأكثر من 30 تريليون دولار، وتسجل عجزاً سنوياً في الموازنة بحجم الأزمات على رغم نمو الاقتصاد. وبحسب مكتب الموازنة في الكونغرس، ستحتاج الحكومة الفيدرالية إلى اقتراض أكثر من 21 تريليون دولار حتى عام 2035. ويبلغ متوسط سعر الفائدة على الدين الحالي 3.4 في المئة، وكل ارتفاع بمقدار 0.1 نقطة مئوية يضيف 351 مليار دولار إلى فاتورة الفوائد خلال 10 أعوام.
وبددت أزمة غرينلاند أية شكوك حول عزم ترمب تفكيك النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية والذي يرى أنه ألحق ضرراً بالولايات المتحدة. وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، هاجم ترمب وكبار مساعديه الدول الأوروبية، واصفين إياها بالضعف وكثرة القيود وانعدام التنافسية. وفي المقابل، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني “حدوث قطيعة” في التحالف عبر الأطلسي.
وعلى رغم ذلك، شدد البيت الأبيض على أن الخلافات لا تعني التخلي عن الحلفاء، وقال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي إن “ضمان أن يتحمل الحلفاء مسؤولياتهم لا يتعارض مع التزام الولايات المتحدة تجاههم”.
وترى إدارة ترمب أن الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم وصاحبة أعمق أسواق مالية، تمتلك مزايا فريدة تجعل من الصعب على الدول تقليص علاقاتها بها، وسخر وزير الخزانة سكوت بيسنت من الحديث عن التخلي عن الدولار واصفاً إياه بـ”السردية الزائفة”.
وفي دافوس، تفاخر ترمب بما وصفه بإنعاش اقتصاد “كارثي” ورثه، وتوعد بالرد على أية دولة تتخلص من سندات الخزانة الأميركية، مؤكداً أن واشنطن “تمتلك كل الأوراق”.
وتؤكد الإدارة أن شعار “أميركا أولاً” لا يعني “أميركا وحدها”، إلا أن غياب خريطة طريق واضحة للنظام العالمي الجديد يدفع المحللين والمستثمرين والدبلوماسيين إلى استنتاجاتهم الخاصة.
وقال مؤسس “إيفركور” ونائب وزير الخزانة الأميركي السابق روجر ألتمان للصحيفة “أعتقد بأن ترمب عازم على التخلي عن التحالف الأطلسي والنظام العالمي الذي عرفناه منذ 80 عاماً، واستبداله بما يمكن وصفه بديكتاتورية عالمية ثلاثية الأقطاب” إلى جانب روسيا والصين.
وكان دعم الولايات المتحدة للنظام القائم على القواعد يستند إلى قناعة بأن النمو العالمي سيحول دون تكرار كوارث الثلاثينيات من كساد وحروب، وقد نجح ذلك، إذ أصبح الاقتصاد العالمي اليوم أكبر بنحو تسعة أضعاف مما كان عليه عام 1960، وتجنبت أوروبا صراعات كبرى حتى الهجوم الروسي على أوكرانيا عام 2022.
لكن ترمب كثيراً ما اعتبر أوروبا مستفيداً مجانياً من الحماية الأميركية، ورأى في العولمة فشلاً للنخب أضعف المجتمعات الصناعية الأميركية. وفي دافوس، وصف أوروبا واليابان بـ”الشركاء”، لكنه شدد على أن الازدهار سيكون وفق شروطه.
وقال أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جونز هوبكنز هنري فاريل “اعتادت الولايات المتحدة العيش في عالم يعكس رغباتها ومطالبها بطريقة غير مرئية لمعظم الأميركيين. الآن نحن في عالم لم تعُد فيه الدول الأخرى تملك الحافز لمجاراة ذلك”.



