بعد الديون الكارثية والأجور المنخفضة… هل يبدأ الأميركيون شد الأحزمة؟

أظهرت بيانات رسمية حديثة أن محرك الاقتصاد الأميركي بدأ يتباطأ، مع تراجع دخل الأميركيين وتفاقم ديونهم، إذ كشفت وزارة التجارة عن أن مبيعات التجزئة كانت ثابتة بصورة غير متوقعة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، وهو شهر العطلات الرئيس، وهي أقل بكثير من نسبة النمو البالغة 0.4 في المئة التي توقعها الاقتصاديون ضمن استطلاع أجرته شركة “فاكت سيت”، وبالمقارنة ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 0.6 في المئة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.
كذلك شهدت أجور الأميركيين في الربع الأخير من العام الماضي، أبطأ وتيرة نمو لها منذ أكثر من أربع سنوات، وتزايدت نسبة الأسر التي تراكمت عليها الديون.
وتشير البيانات إلى أن أكبر اقتصاد في العالم أنهى العام الماضي على أسس غير مستقرة وسط استمرار المخاوف في شأن القدرة على تحمل الكلفة.
ومع ذلك، يتوقع اقتصاديون على نطاق واسع أن تؤدي زيادة العوائد الضريبية وسلسلة خفوض أسعار الفائدة التي أقرها مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) خلال العام الماضي، إلى دفع عجلة النمو.
وفي تعليقه قال كبير المحللين في بنك “ريت” تيد روسمان “لقد لحقت أضرار جسيمة بالأوضاع المالية للأسر خلال الأعوام الأخيرة نتيجة ارتفاع التضخم وتزايد ضغوط كلفة المعيشة وارتفاع أسعار الفائدة، إذ بدا الأمر وكأن المستهلكين يكافحون للبقاء لفترة من الوقت، لكن الوضع بدأ يتفاقم”.
تراجع الإنفاق وانخفاض الأجور
ووفق البيانات، فإن مبيعات التجزئة انخفضت في معظم الفئات التي رصدتها وزارة التجارة خلال ديسمبر 2025.
وشهدت متاجر الأثاث والمتاجر المتخصصة مثل محال بيع الزهور أكبر انخفاض في المبيعات، إذ تراجعت بنسبة 0.9 في المئة لكل منهما.
في الوقت نفسه، ارتفع الإنفاق على التجزئة بصورة طفيفة في عدد قليل من الفئات، وكان الارتفاع الأكبر في متاجر تحسين المنازل بنسبة 1.2 في المئة.
وانخفض مؤشر يستبعد المبيعات المتقلبة مثل مواد البناء والبنزين ويعطي مؤشراً أدق على الطلب الأساس، بنسبة 0.1 في المئة في ديسمبر2025، وفقاً لبيانات “فاكت سيت”، وهو أقل بكثير من نسبة الارتفاع التي توقعها الاقتصاديون والبالغة 0.4 في المئة. ويُعد هذا المؤشر رقماً رئيساً يُطلق عليه الاقتصاديون اسم “مجموعة مراقبة مبيعات التجزئة”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتؤكد هذه البيانات الأخيرة الضغط الذي يتعرض له المستهلكون الأميركيون خلال الأشهر الأخيرة، فعلى مدى العام الماضي، تباطأ التوظيف في الولايات المتحدة بصورة ملحوظة وتراجعت ثقة الناس بالاقتصاد، بينما ظل التضخم مرتفعاً بصورة ملحوظة أيضاً.
وجاءت أرقام مبيعات التجزئة لديسمبر 2025 التي تأخرت بسبب إغلاق الحكومة خلال العام الماضي، في وقت تباطأت مكاسب الأجور لدى الأميركيين إلى أضعف وتيرة لها منذ أكثر من أربعة أعوام، وفقاً لتقرير حديث عن مكتب إحصاءات العمل.
وأظهر مؤشر كلفة التوظيف الذي يقيس التغيرات في الأجور والمزايا، ارتفاعاً بنسبة 0.7 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، مسجلاً أبطأ زيادة ربع سنوية منذ عام 2021.
ويواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض ضغوطاً مالية أكبر، فبينما تشهد الأسر الميسورة زيادة في ثرواتها، مما يعزز إنفاقها، تعاني الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط ضغوطاً متزايدة، وأطلق الاقتصاديون على هذه الديناميكية مصطلح “الاقتصاد ذو المسارين” أو “اقتصاد الرياح الباردة”.
تفاقم أزمة التخلف عن سداد الديون
في الوقت ذاته، تستمر حالات التخلف عن سداد أقساط الديون في الارتفاع، واعتمد الأميركيون من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط بصورة أكبر على بطاقات الائتمان والقروض الأخرى لمساعدتهم في مواكبة متطلبات الحياة المتزايدة الكلفة.
لكن شريحة متزايدة من الأسر الأميركية تجد صعوبة في سداد فواتير بطاقات الائتمان المتضخمة ومواكبة أقساط السيارات الباهظة وسداد قروض الطلاب وتوفير ما يكفي من المال في البنك لتغطية قسط الرهن العقاري الشهري.
ووفقاً لأحدث تقرير عن ديون الأسر والائتمان الصادر عن بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك، بلغت نسبة أرصدة قروض السيارات وبطاقات الائتمان المتأخرة بصورة خطيرة (90 يوماً أو أكثر) أعلى مستوى لها منذ نحو 15 عاماً.
وأظهر التقرير أن حالات الرهن العقاري المتأخرة حديثاً (30 يوماً) بلغت أعلى مستوى لها منذ 10 أعوام.
وأشار باحثو بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك إلى أن حالات التأخر في السداد أكثر وضوحاً في المناطق ذات الدخل المنخفض، بينما ينعكس هذا الوضع بالنسبة إلى المناطق ذات الدخل المرتفع.
وقال المحلل الاقتصادي في مؤسسة “موديز أناليتكس” جاستن بيغلي إن أحدث بيانات الديون لا تثير مخاوف جدية في شأن الوضع المالي العام للمستهلكين، لكنها تظهر أن بعض الأفراد يعانون ضائقة مالية شديدة، مما قد يؤثر سلباً في الاقتصاد في نهاية المطاف، وأوضح أنه إذا بدأت حالات التخلف عن السداد والتعثر التي تلحق الضرر بالأفراد في التأثير في شرائح أوسع من الأميركيين، فقد يتفاقم ذلك ليؤثر سلباً في الإنفاق الاستهلاكي الذي يمثل ثلثي النمو الاقتصادي.



