بعد التصفية… هل تعود “الحديد والصلب المصرية” للحياة؟

بعد أن أعلنت تصفيتها منذ أكثر من خمسة أعوام، تدرس الحكومة المصرية إعادة تشغيل مصنع الحديد والصلب في حلوان (جنوب القاهرة) بصورة جزئية على مساحة 300 فدان من إجمال أراضي “شركة الحديد والصلب” البالغة نحو 3 آلاف فدان، إذ قال وزير الصناعة والنقل المصري كامل الوزير إن “الحكومة تدرس إعادة تشغيل مصنع الحديد والصلب في حلوان بعد نحو خمسة أعوام من قرار التصفية، عبر خطة جزئية تشمل تشغيل بعض الوحدات الحيوية”، موضحاً في تصريحات صحافية إلى وسائل إعلام محلية أن “الدراسات الجارية تتضمن إعادة تشغيل وحدة الصب المستمر في (مصنع 7) التابع لمجمع الحديد والصلب من خلال إضافة فرن جديد”.
وأشار إلى أن بلاده لا تمتلك وحدة مماثلة حالياً، مؤكداً أنه “إضافة إلى ذلك ستُنشأ وحدة جديدة لإنتاج أعواد الصلب المكعب (باليت)”.
في يناير (كانون الثاني) 2020، أصدرت الجمعية العامة لـ”شركة الحديد والصلب” المصرية قراراً أعلنت خلاله تصفية الشركة العريقة التي تأسست قبل 71 عاماً.
وأرجعت الجمعية آنذاك قرارها إلى الخسائر الفادحة المستمرة التي تكبدتها الشركة التي أسسها الرئيس السابق جمال عبدالناصر في يونيو (حزيران) 1954، موضحة أن الخسائر وصلت إلى 8.5 مليار جنيه في نهاية يونيو 2019، إضافة إلى مديونيات اقتربت من القيمة نفسها، وفقاً لقرار الجمعية العامة للشركة آنذاك، وفي نهاية عام 2024، وافقت الجمعية العامة العادية للشركة على مد فترة التصفية لمدة عام جديد اعتباراً من يناير 2025.
ولفت الوزير المصري أيضاً إلى أن خطته تستهدف إنشاء مصنع للحديد على مساحة 300 فدان من إجمال أراضي “شركة الحديد والصلب” البالغة نحو 3 آلاف فدان، شارحاً أن باقي الأراضي ستحول إلى مصانع، مع إمكان تخصيص جزء صغير منها لإقامة مساكن.
وأكد كامل الوزير أن التوجه الجديد يشمل التوسع في الصناعات غير كثيفة الطاقة وكثيفة العمالة على أرض الشركة مثل الصناعات الغذائية والملابس الجاهزة والأدوية، فضلاً عن بعض صناعات البتروكيماويات.
قرار صعب للغاية استمر عاماً كاملاً
وخلال حوار سابق مع وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق الذي صفيت الشركة في عهده، وجهت له “اندبندنت عربية” سؤالاً حول قرار تصفية الشركة العريقة “الحديد والصلب” فكانت إجابته آنذاك أن “اتخاذ قرار بتصفية شركة عريقة من الحقبة الناصرية كان قراراً صعباً للغاية استمر لمدة سنة كاملة”، مستدركاً “لكن الحل الأمثل في ذلك الوضع هو المصارحة والمكاشفة”، وأوضح أن “الأرقام والتقارير لا تكذب، وكانت الشركة لا يمكن أن تستمر في تحقيق الخسائر التي تتحملها موازنة الدولة من دون تحقيق عوائد، خصوصاً بعد استنفاد محاولات الإصلاح والتطوير بالجهود الذاتية تارة وبالتعاون مع مستثمرين تارة أخرى، ومهدت لذلك في وسائل الإعلام المختلفة، وكان لا بد من اتخاذ القرار، وعرض على الرئيس الذي وافق على قرار التصفية وطلب التنفيذ الفوري، ولكنني أجلت لحين استنفاد كل المحاولات”.
وتعرض توفيق لهجوم شرس عقب القرار، وقال في هذا الشأن “كان هناك أصحاب مصالح في جهات عدة من بينهم إعلاميون وبرلمانيون ومستثمرون يدافعون باستماتة لعدم تصفية الشركة، إذ إن لهم مصالح اعتادوا عليها لعشرات الأعوام مع استمرار الشركة على رغم تحقيق الخسائر، وهؤلاء واجهتهم وحاربتهم بكل قوة”، مضيفاً أن “هذه الأبواق تتحدث حتى الآن عن خصخصة شركة الحديد والصلب، وهذا لم يحدث على الإطلاق”.
يشار إلى أن “الشركة المصرية للحديد والصلب” كانت مملوكة وتتبع إدارياً وتنظيمياً الشركة القابضة للصناعات المعدنية التي تمتلك بدورها مجموعة من الشركات ذات طبيعة إنتاجية متشابهة إلى حد ما. وكان رئيس مجلس إدارة القابضة للصناعات المعدنية آنذاك الدكتور مدحت نافع الذي قاد محاولات إنقاذ “شركة الحديد والصلب” من عثرتها، قبل أن يستقيل من منصبه قبل أشهر عدة من صدور قرار التصفية. ولهذا توجهت إليه “اندبندنت عربية” لسرد مسارات التطوير والإنقاذ، ومساعي انتشال الشركة من نفق الخسائر الذي سبق القرار.
“الحديد والصلب” المصرية… قصة إنقاذ لم تكتمل
استعاد الدكتور مدحت نافع تفاصيل تلك المرحلة، قائلاً “بداية… لم يتخذ قرار التصفية في فترة رئاستي للشركة القابضة، بل على العكس، كانت كل خطط التطوير الخاصة بـ’شركة الحديد والصلب‘وضعت خلال عهدي، إذ كنت أؤمن دائماً بضرورة تخارج الدولة من بعض الشركات لمصلحة القطاع الخاص على نحو يحفظ مقدرات الدولة، وكنت مقتنعاً أيضاً بأن الأنشطة الخاسرة يجب أن تتوقف”، مستدركاً “لكنني لم أؤمن يوماً بتصفية أي نشاط إذا كان بالإمكان تطويره”.
ويرى نافع أن التخارج (تخارج الدولة من النشاط لمصلحة القطاع الخاص) كان خياره الدائم، لا في الحديد والصلب وحدها بل في مختلف الأنشطة، موضحاً أن “التخارج يختلف جذرياً عن التصفية”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعما أثير أخيراً في شأن إعادة تشغيل الشركة أو وقف قرار تصفيتها، قال “الحديث عن عودة الشركة من التصفية يحتاج إلى كثير من الواقعية، فما طرح حتى الآن مجرد تصريحات أو رؤى عامة، تتركز على استغلال جزء من أراضي الشركة”، وشرح أن “إعادة الشركة من التصفية حقيقة قرار قانوني معقد، وله إجراءاته الرسمية التي تبدأ بموافقة الجمعية العامة للشركة، ولا سيما أن سهمها ما زال مدرجاً في البورصة المصرية على رغم التصفية، ومن الطبيعي أن يتأثر هذا السهم بأية تطورات”.
وعن خطط التطوير يقول نافع “ليست كل النهايات مأسوية، فبعضها يحمل قصص كفاح تستحق أن تروى، وقصة ’شركة الحديد والصلب‘، هذا العملاق العريق، واحدة منها، فحاولت أن تقف على قدميها مجدداً قبل أن يتخذ قرار التصفية من خلال جهود الإنقاذ الممتدة بين عامي 2018 و2020”.
ميراث من التحديات
ويردف نافع “عندما تسلمت المسؤولية عام 2018، كانت الشركة على حافة الانهيار، والمشكلة لم تكُن خسائر متكررة وحسب، بل كانت أعمق من ذلك، إذ إن الشركة كانت تعمل بأقل من 11 في المئة من طاقتها التصميمية البالغة 1.2 مليون طن، نتيجة تقادم المعدات بصورة كارثية، وفق دراسات أعدتها شركة ’تاتا ستيل‘ العالمية، فضلاً عن مديونيات تاريخية تجاوزت 5 مليارات جنيه (103 مليارات دولار أميركي) لمصلحة شركات الكهرباء والغاز وبنوك مثل بنك مصر، إضافة إلى التزامات قضائية متراكمة”.
ويتابع أن “الأزمة كانت تشمل أيضاً هدراً هائلاً في استهلاك الطاقة والفحم (المستورد بالعملة الصعبة) بمعدلات تفوق المستويات العالمية بأضعاف، إضافة إلى تضارب المعلومات والبيانات، وأنظمة إدارية بالية وممارسات أضرت بالشركة لأعوام طويلة”.
مسارات خطة الإنقاذ
ويوضح نافع أن “خطة الإنقاذ استندت إلى ثلاثة مسارات متوازية، أولاً المسار المالي والإداري الذي شمل تسوية الديون وترشيد الإنفاق، إذ جرت مقايضة بمليارات الجنيهات من الديون المستحقة لوزارتي الكهرباء والبترول وبنك مصر بأراضٍ غير مستغلة مملوكة للشركة، بعد إعادة تقييمها وتغيير نشاطها لزيادة قيمتها، وكانت تسوية بنك مصر بقيمة 70 مليون دولار بمثابة طوق نجاة حال دون الحجز على الشركة، إضافة إلى خفض استهلاك الغاز والكهرباء بنسبة قاربت 50 في المئة مع الانتظام في سداد الفواتير الجارية، وبيعت أيضاً الأصول غير المستغلة، وعلى رأسها رصيد الخردة المتراكم بآلاف الأطنان خلال مزايدة شفافة وفق أسعار بورصة المعادن العالمية”.
وعن المسار الفني يشرح نافع أنه “أسند إلى شركة ’تاتا ستيل‘ إعداد خطة من ثلاث مراحل تبدأ بالاستقرار المبدئي لتشغيل الأفران بأقل كلفة ممكنة”، ويستدرك “لكن الخطة واجهت عقبات كبيرة، أهمها التوقفات الفنية المتكررة والاستهلاك المرتفع للفحم وعدم دقة البيانات، وفشلت مناقصة التطوير (رقم 16607 لعام 2017) التي قدرت كلفتها بمليارات الجنيهات لغياب الضمانات والممولين”.
وحول آخر المسارات وهو مسار استراتيجي، يقول نافع “يتعلق باستغلال مناجم الحديد في الواحات البحرية التي تضم احتياطات ضخمة، لكن بتركيز خام ضعيف (52 في المئة تقريباً)، وكان الحل إنشاء مصانع لتركيز الخام وتكويره لبيعه عالمياً أو استخدامه محلياً”، واستدرك أن “بعد معاينة تكنولوجيا الفصل المغناطيسي الجاف في أوكرانيا، وقع اتفاق في يونيو 2020 مع شركة أوكرانية لإنشاء مصنع تجريبي تمهيداً لمصانع كاملة بكلفة 100 مليون دولار”.
ويتابع “على رغم العقبات، نجحت الخطة في تحقيق إنجازات ملموسة، أبرزها خفض الخسائر السنوية بنسبة تراوح ما بين 54 و55 في المئة للمرة الأولى في تاريخ الشركة الحديث، وتسوية ديون بمليارات الجنيهات من دون تحميل الخزانة العامة أية أعباء”.
لماذا التصفية إذاً؟
ويوضح الرئيس السابق للشركة القابضة للصناعات المعدنية “لم تكُن التصفية اختياري أو قراري كما أشرت، لكن المشكلات الهيكلية والتقادم التكنولوجي والديون المتراكمة كانت أكبر من أن تحل خلال فترة قصيرة، وكل الجهود التي بذلت كانت تهدف إلى إنعاش الشركة وإبقائها على جهاز التنفس، لتمهيد الطريق أمام قرار استراتيجي مستدام، سواء كان ذلك عبر التطوير الكامل، أو التقسيم، أو حتى التصفية الواعية كخيار أخير لوقف النزيف نهائياً”.