“الهشاشة” الاقتصادية تضرب السودان إثر تهريب الصمغ

تسببت الحرب الدائرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في خسائر فادحة لأكبر منتج للصمغ العربي في العالم، إذ تعرض حزام هذا المحصول في كردفان ودارفور للانهيار بسبب عمليات التهريب الواسعة إلى دول الجوار الأفريقي عبر منافذ عدة تقع تحت سيطرة “الدعم السريع”.
يستخرج الصمغ العربي أساساً من نوعين من أشجار السنط (الأكاسيا) هما الهشاب والطلح وينتشر هذان النوعان بكثافة في إقليم السافانا الفقير الذي يشمل ولايات دارفور وكردفان والقضارف وأجزاء واسعة في النيل الأزرق وسنار.
وتبلغ مساحة حقول الصمغ العربي في السودان نحو نصف مليون فدان تشمل أكثر من ست ولايات تقع غالبيتها في مناطق تستعر فيها العمليات العسكرية، بينما ينشط في إنتاجه أكثر من 5 ملايين سوداني، مما يجعله شرياناً حيوياً للمجتمعات الريفية التي تعاني الفقر وهشاشة اقتصادية، وتغطي هذه الفئات مراحله التي تبدأ بجمع الصمغ حتى تصديره.
وقبل اندلاع الحرب وصل إنتاج البلاد من هذا المحصول إلى 80 في المئة من إجمال إنتاج العالم، يصدر منه نحو 90 في المئة إلى الأسواق العالمية، مما يجعل السودان المصدر الأول لهذا المنتج على مستوى العالم، ولا سيما أن قيمته السوقية تراوح ما بين 120 و180 مليون دولار، لكن القيمة الحقيقية تكمن عند تحويله إلى منتجات صناعية، مما يضمن له طلباً متزايداً على المستوى العالمي.
لكن على رغم هذه الأهمية الاقتصادية، أصبح الصمغ العربي في السودان يواجه مصيراً مظلماً وتحديات معقدة بسبب استحواذ “الدعم السريع” والمهربين على كامل الإنتاج، فضلاً عن تراجع أسعاره التي أفقدت المنتجين حافز الاستمرار بسبب توسع القتال والأوضاع الأمنية المتدهورة واستغلاله في تمويل الجماعات المسلحة من خلال الجبايات الطائلة على المنتجين وتعطيل عمليات النقل وسلاسل الإمداد، إضافة إلى توقف الشركات المحلية والأجنبية ونزوح العمالة، علاوة على الأضرار الجسيمة التي ألمت بالمزارعين والبنية التحتية، مما جعل مهمة جمع الصمغ شاقة.
تقديرات وخسائر
تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (فاو) وبرنامج الغذاء العالمي إلى انخفاض حجم عائدات الصمغ العربي خلال موسمي 2023 و2024 إلى أقل من 40 ألف طن وتهريب أكثر من 40 في المئة إلى دول الجوار.
ووفقاً لخبراء اقتصاديين، فإن السودان نتيجة الحرب يخسر ما لا يقل عن 3 مليارات دولار سنوياً من إيرادات الصمغ العربي بسبب الطرق غير الشرعية في بيعه، مما أدى إلى خسائر للمنتجين والتجار على حد سواء.
وقال خبراء الأمم المتحدة المعنيين بالسودان ضمن تقرير إن قادة “الدعم السريع” في نيالا تمادوا في نهب الصمغ العربي وغيره من المنتجات الزراعية، إذ ينظر إليه على أنه يخدم أغراضهم وهو بمثابة تعويض لهم وللجنود لضمان استمرار القتال.
تحديات ماثلة
في السياق أوضح تاجر الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان آدم عيسى أنه “منذ اندلاع الصراع في السودان ظل منتج الصمغ العربي يصارع أوضاعاً كارثية من أجل البقاء، فضلاً عن أن انهياره يشكل أزمة حقيقية بفقد البلاد لأهم مورد اقتصادي، ولا سيما أن المنتجين والتجار باتوا في سباق لإنقاذه، لكن التحديات وتداعيات الحرب الماثلة كانت بالمرصاد وقادت بدورها إلى عواقب وخيمة”.
وأضاف أن “معظم التجار اتجهوا إلى تخزين كميات وافرة من الصمغ لتفادي خسائره عند شعورهم بالأخطار التي تسهم الحرب في إفرازها من تهجير ونزوح ونفاد المدخرات، في ظل عدم ممارسة أنشطة تدر أموالاً لمجابهة شظف العيش، بخاصة أن وقت نشوب النزاع تزامن مع عمليات حصاد هذا المحصول المعروفة بطق الصمغ والتحضير لتصديره والتي تبدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) وتنتهي في أبريل (نيسان)، إلا أن آمالهم تلاشت بعد إغراق الأسواق المحلية بكميات ضخمة من السلعة معظمها منهوب، فضلاً عن ظهور مشترين غير معروفين لدى التجار يتحكمون في الأسواق ويبخسون أثمان الصمغ بغرض الاستحواذ عليه وتهريبه إلى دول الجوار”.
وأوضح عيسى أن “هؤلاء المشترين الجدد تحكموا أيضاً في أسعار البورصة بشراء أية كمية تعرض في الأسواق مع ارتباطهم بشبكات المهربين التي نشطت تحديداً في هذا المجال، مما أدى إلى أن يباع بأسعار زهيدة، فضلاً عن أن ’الدعم السريع‘ تفرض سيطرتها على المنتجات الزراعية الغابية بصورة عامة، ولا سيما إنتاج الصمغ في المناطق الواقعة تحت نفوذها التي تشمل بعض مناطق الجيش في الوسط والشمال والشرق”.
وأشار إلى أن “التحديات مستمرة بعد اتساع رقعة الحرب لتعم أكثر من 70 في المئة من مساحات السودان، إذ توقف أكثر من 85 في المئة من المنتجين وسط فشل ذريع في جني المحصول بسبب العمليات العسكرية التي احتدمت في كثير من مناطق الصمغ العربي، إضافة إلى الأخطار والأوضاع الأمنية التي باتت مهدداً للمنتجين والمزارعين في ظل الظروف الحالية”.
منافذ التهريب
وأوضح صومالي عثمان أحد سائقي الشاحنات أن “وقف تصدير الصمغ العربي كان له مردود سلبي لأنه أدى إلى تكدس الأسواق بالمحصول، إضافة إلى فرض قوات ’الدعم السريع‘ سيطرة محكمة عليه، إذ يُشترى ما جرى حصاده قديماً وجديداً وينقل إلى تشاد”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردف أن “هناك عشرات الشاحنات محملة بالصمغ العربي تصل إلى ولاية شرق دارفور باعتبارها نقطة تجميع، فيهرّب عبر منافذ عدة من جنوب دارفور عبر رهيد البردي إلى مدينتي فوربرتقا وأم دخن بولاية وسط دارفور الحدوديتين مع تشاد، كما يوجد طريق ثانٍ عبر شرق دارفور إلى معبر الرقيبات الحدودي، إضافة إلى آخر يصل إلى جنوب السودان”.
ونوه عثمان إلى أنه من الصعوبة في ظل الحرب إدراك الصمغ العربي بسبب تحكم “الدعم السريع” وبسط سيطرتها على كل مفاصل الإنتاج، خصوصاً أنها تنتشر في مناطق واسعة تشتهر بإنتاجه في دارفور وكردفان، فضلاً عن وجودها عند كل الطرق الرابطة بين مناطق الإنتاج.
غياب الرقابة
من جانبه قال الباحث الزراعي أحمد عبدالله إن “البلاد تتمتع بثروة غابية تتمثل في شجرة الهشاب التي تنتج الصمغ العربي، وقبل الحرب كان الإنتاج يقدر بنحو 50 ألف طن و80 في المئة من إجمال الإنتاج العالمي الذي ظلت البلاد تنتجه لعشرات الأعوام، لكن مع اندلاع الصراع المسلح وحتى الآن تواجه البلاد مشقة بالغة في التعامل مع هذا المحصول الاقتصادي المهم، خصوصاً أن إنتاجه يقع على مرمى معارك طاحنة لا هوادة فيها بين الجيش و”الدعم السريع‘”.
وأوضح عبدالله أن “أكثر من 5 ملايين شخص في 13 ولاية يعملون في هذا القطاع الحيوي، فيما يحتل نطاقه 500 ألف كيلومتر، في وقت يقوم المنتجون والتجار ببيع ما لديهم من محصول للإيفاء بالتزاماتهم المالية والاستعداد للموسم التالي”، لكن القتال الذي اندلع في العاصمة الخرطوم وتمدد إلى كردفان ودارفور الآن دفع كثراً إلى التخلص من إنتاجهم حتى يعينهم على النزوح داخل البلاد وخارجها بسبب ما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة، ولا سيما من جانب “الدعم السريع”.
وقال “المؤسف أن تزايد الطلب على هذا المحصول المهم جعله عرضة للتهريب والأطماع خلال الحرب نظراً إلى غياب الرقابة من السلطات الحكومية، إذ يجد طريقه إلى دول الجوار مقابل إتاوات تدفع لقوات ’الدعم السريع‘ من دون وثائق تلتزم معاييره التي تتعلق بالاستدامة والممارسات الأخلاقية”.
ندرة المعروض
وأشار العامل في سوق المحاصيل بمدينة النهود مهدي عبد الرحمن إلى أن معظم الذين يعملون في زراعة الصمغ العربي توقفوا عن العمل بسبب توقف التصدير، مما جعل العائد غير مجزٍ.
وبيّن أن خروج بورصة مدينة الأبيض حاضرة شمال كردفان كان لها تأثير كبير في عملية التسويق وسط ندرة المعروض، بسبب خروج مساحات واسعة من المحليات عن دائرة الإنتاج التي تغذي الأسواق من الصمغ العربي مع تزايد الطلبات الملحة عالمياً.
وأوضح عبدالرحمن أن الحرب عطلت إنتاج وتصدير الصمغ العربي الذي يعد المحصول الزراعي الرئيس للسودان، مما أثر في اقتصاده وسبّب أزمة عالمية في إمدادات هذا المحصول، خصوصاً أن مادته تستخدم في كثير من الصناعات مثل الأغذية والمشروبات ومستحضرات التجميل والأدوية، منوهاً إلى أنه قبل الحرب كانت الوكالات المحلية تستقبل 30 شاحنة أسبوعياً محملة بالصمغ إلى منافذ التصدير الرسمية ثم إلى خارج البلاد.
واقع مظلم
على الصعيد ذاته قال المتخصص الاقتصادي عبدالوهاب جمعة إن “الصمغ العربي يعتبر من أهم مصادر الدخل القومي، ومن دون أدنى شك فإن توقف عمليات إنتاج هذا المحصول سيؤدي إلى أزمة اقتصادية خانقة، إذ ستخسر البلاد نحو 3 مليارات دولار سنوياً نتيجة فقدان إيرادات الصمغ العربي وتراجع الأسعار وإغلاق الأسواق وزيادة كلفة إنتاجه وتصديره بسبب التهديدات الأمنية، وللأسف تفاقمت المشكلة أكثر نتيجة تفشي عمليات التهريب عبر الحدود الشرعية”.
وأوضح أن “حقول الصمغ العربي تنتشر في مساحة 600 ألف فدان، إلا أن مصيره يواجه واقعاً مظلماً، ولا يمكن إيجاد حل للأزمة من دون إنهاء الحرب مع توقف العصابات المسلحة في مناطق الإنتاج، لكن من المؤسف أن البلاد انزلقت إلى مأزق التقسيم”.



