عالمي

النقد الأجنبي… أخطار تحاصر أول حائط صد لدى الحكومات في وقت الحرب

في فبراير (شباط) الماضي أشاد المشاركون في مؤتمر “العلا” السعودي بالمرونة المذهلة التي أبدتها اقتصادات الأسواق الناشئة منذ الأزمة المالية العالمية، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى تحسين أطر الاقتصاد الكلي، ومع ذلك فإن البيئة العالمية تشهد تجزئة متزايدة، وكانت مليئة بالتحديات حتى قبل التصعيد الأخير في الشرق الأوسط.

وكشف صندوق النقد الدولي في تقرير حديث عن أنه من المهم أن تعزز اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية مرونتها بصورة أكبر، بما في ذلك بناء مستويات كافية من احتياطات النقد الأجنبي.

ويتطلب ذلك بذل جهود للتغلب على المقاومة المحلية لتراكم الاحتياطات، ويمكن دعم هذه الجهود بحلول تعاونية جديدة لمساعدة الدول على بناء هذه الاحتياطات بصورة أفضل. وأوضح أنه من السمات الشائعة للدول المعرضة للأزمات انخفاض مستوى احتياطاتها، فمثل الأسر، تحتاج الدول إلى موارد سائلة كافية، يمكن بيعها بسرعة للمساعدة في إدارة الصدمات غير المتوقعة.

وتعتبر الدول ذات الاحتياطات المنخفضة للغاية محفوفة بالأخطار بصورة خاصة، ولديها خيارات محدودة إذا انقلبت الأسواق ضدها، كما في حكاية إيسوب عن الجراد الذي غنى ورقص في الصيف بينما كانت النملة تخزن الطعام لفصل الشتاء.

وتتجاوز أهمية الاحتياطات نظام سعر الصرف المختار، فالدول ذات أسعار الصرف الثابتة تميل إلى الحاجة إلى احتياطات أكبر لدعم عملاتها، لكن الاحتياطات ضرورية أيضاً للدول ذات أسعار الصرف الأكثر مرونة، فهي تساعد على احتواء التقلبات المفرطة في العملة وما يصاحبها من كلفة اقتصادية كلية.

كميات هائلة من الاحتياطات لدى بعض الدول

قال صندوق النقد إنه على رغم من الزيادة الكبيرة في حيازات الاحتياطات الرسمية خلال السنوات الـ25 الماضية، فإنها لا تزال مركزة للغاية، فقد راكمت بعض الدول كميات هائلة من الاحتياطات، تتجاوز أحياناً الحاجات القابلة للقياس للتأمين ضد الصدمات الخارجية، وتكمن المشكلة بالنسبة إلى هذه الدول في امتلاكها فائضاً من الاحتياطات، لا نقصاً.

أما بالنسبة إلى عديد من الاقتصادات الأخرى، ولا سيما منخفضة الدخل، فإن مختلف طبقات شبكة الأمان المالي العالمية (تشمل الوصول إلى موارد صندوق النقد الدولي، وخطوط المقايضة الثنائية أو الإقليمية، فضلاً عن الاحتياطات الرسمية للدول) لا تزال غير كافية لإدارة الصدمات الشديدة، ومن شأن رفع مستويات الاحتياطات أن يساعد هذه الدول على أن تصبح أكثر مرونة، وفقاً لمعيار كفاية الاحتياطات الذي وضعه صندوق النقد الدولي.

مع ذلك، وعلى رغم الفوائد المعروفة، كزيادة التأمين وانخفاض كلفة التمويل، تواجه الدول ذات الاحتياطات المنخفضة صعوبة في إجراء التعديلات السياسية اللازمة، ويعكس هذا غالباً اعتبارات الاقتصاد السياسي، كما في حال الضغط لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، مما يدفع السلطات إلى تأجيل التعديلات السياسية المرغوبة واستنزاف الاحتياطات.

أما الدول التي نجحت في تجاوز هذه القيود الاقتصادية السياسية وتجاوز حال عدم الاستقرار، فهي تلك التي نجحت في بناء توافق في الآراء حول المبادئ الأساسية للاقتصاد الكلي، لا سيما الانضباط المالي والخارجي.

تستغرق عملية بناء الاحتياطات وقتاً، وتكون أكثر فاعلية عند القيام بها بصورة تدريجية بدلاً من الاقتراض قصير الأجل بالعملات الأجنبية من جهات دائنة خاصة أو رسمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتظهر برامج الاستقرار الناجحة في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات أنه لا توجد طرق مختصرة، بل يجب بناء الاحتياطات على مدى فترات طويلة.

في معظم الحالات، يدعم تراكم الاحتياطات مبدئياً بفائض في الموازنة العامة والحساب الجاري، مع ازدياد دور تدفقات رأس المال الخاص الصافية مع ترسيخ عملية الاستقرار.

في الواقع، قامت الدول التي اعتمدت بصورة مفرطة على التدفقات المالية المتقلبة وعدم كفاية مرونة سعر الصرف (غالباً مع ارتفاع مفرط في سعر الصرف) بإنهاء برامج الاستقرار لديها فجأة بمجرد توقف تدفقات رأس المال وانعكاسها.

في نهاية المطاف، يعتمد استدامة ميزان المدفوعات على قدرة الدول على تحقيق فوائض تجارية كبيرة بما يكفي لتغطية توزيعات الأرباح ومدفوعات الفوائد على الالتزامات الخارجية الخاصة والعامة، مع بناء أو الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى كافٍ من الاحتياطات.

تراكم الاحتياطات قد يؤدي إلى تأجيج التضخم

مع ذلك، تعد الاحتياطات مكلفة أيضاً، نظراً إلى أن الأمان والسيولة لهما ثمن باهظ، فإن أصول الاحتياطات عادة ما تقدم عائداً أقل بكثير من العائدات الناتجة من الاستخدامات البديلة لتلك الموارد، هذه الكلفة العالية للفرصة البديلة (ثمن التأمين الذاتي) تثبط تراكم الاحتياطات، إضافة إلى أن تراكم الاحتياطات قد يؤدي إلى تأجيج التضخم إذا لم يتم كبحه.

بينما يتعين على الدول القيام بدورها، ينبغي لنا أيضاً استكشاف سبل خفض كلفة بناء احتياطات نقدية على مستوى العالم، إن توسيع نطاق خيارات الاستثمار المناسبة للبنوك المركزية من شأنه أن يقلل كلفة تراكم الاحتياطات ويشجع الدول على بناء احتياطات كافية.

على سبيل المثال، يمكن زيادة المعروض من أصول الاحتياط الدولاري من خلال توسيع نطاق أصول الاحتياط المعتمدة لتشمل محافظ مختارة بعناية تضم سندات دولارية طويلة الأجل، إضافة إلى أصول دولارية أخرى، إلى جانب سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل.

إن استثمار هذه الاحتياطات الدولارية من خلال صندوق مشترك من شأنه أن يقلل كلفة المعاملات مع الحفاظ على السيولة.

ويمكن أن تكون فوائد ذلك للدول التي تحتفظ باحتياطات كبيرة، إذ يمكن أن تضيف بصورة كبيرة إلى العائد السنوي على أصول الاحتياط الدولاري، وذلك لمستويات أخطار مماثلة، وهذا من شأنه أن يجعل تراكم الاحتياطات الكافية خياراً أكثر جاذبية، وهو مهم أيضاً للحكومات الاستثمار في البنية التحتية التي تعزز الإنتاجية، وفي الصحة والتعليم، فمن الأهمية بمكان أن تستثمر في استقرار الاقتصاد الكلي (من خلال بناء احتياطات كافية) وفي المؤسسات الداعمة له، غالباً ما تكون هذه العملية طويلة وشاقة.

ويتطلب الأمر الصبر وتجنب الحلول السريعة أو الاعتماد المفرط على الهندسة المالية، ولحسن الحظ، عززت عديد من الاقتصادات الناشئة والنامية اقتصاداتها من خلال الموازنة المناسبة بين أهداف السياسة العامة (التضخم، والاستقرار الخارجي، والنمو المستدام) وبناء توافق مجتمعي حول مبادئ أساسية قائمة على انضباط اقتصادي سليم.

وقال صندوق النقد إنه ينبغي دعم هذه الجهود عالمياً بتيسير تراكم الاحتياطات بطريقة مستدامة للدول، لا بتعقيدها، ولتحقيق ذلك، ينبغي استكشاف قنوات يمكن للدول من خلالها التعاون لخفض كلفة التأمين الذاتي.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى