“المحفظة بالهاتف”… هل ينجو “الكاش” من حصار الدفع الإلكتروني في مصر؟

من شباك التذاكر إلى تطبيقات النقل الذكي، ومن مندوب “الديليفري” إلى شاشة البنك، يمتد حضور الدفع الإلكتروني ليحاصر عالم “الكاش” التقليدي في مصر، ومع توسع الاستخدام في سداد الأقساط وصرف الرواتب، يتقدم “الجنيه الرقمي” ليحتل موقع الصدارة.
وحدها الأرقام تكشف حجم التحول، فخلال أربعة أعوام فحسب، قفز عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تتيح لهم إجراء معاملات مالية، سواء عبر البنوك أو البريد أو محافظ الهاتف المحمول أو البطاقات المدفوعة مقدماً، نحو 52 مليون مواطن من إجمال 69.6 مليون في الفئة العمرية 15 سنة فأكثر.
مسار مالي رقمي جديد
وارتفعت النسبة بين الشباب (15 إلى 35 سنة)، الذين يبلغ عددهم نحو 39.4 مليون شاب، لتصل إلى 53.1 في المئة بمعدل نمو 65 في المئة خلال الفترة من 2020 حتى 2024، وأصبحوا جزءاً من هذا المسار المالي الجديد.
“بإمكانك الدفع عبر إنستاباي أو فودافون كاش”، عبارة كثيرة ما يطالعها المصريون على واجهات عديد من المحال التجارية التي تتيح من بين خيارات بيعها إمكان التحصيل الإلكتروني عبر تطبيقات ومحافظ الدفع الرقمي التي انتشرت في الأعوام الأخيرة في مصر.
ماذا وراء الشمول المالي في مصر؟
سياسات البنك المركزي المصري تحفز دفعاً من هذا النوع، فالشمول المالي في البلاد يخدم أهداف حصر الثروة ورصد الإنفاق ومستويات السيولة، مما استدعي تحفيزاً من قبل صانع السياسة النقدية في البلاد، عبر تبني استراتيجية تدفع نحو مجتمع لا نقدي.
يقول محمود الرفاعي، وهو تاجر ذهب شاب لـ”اندبندنت عربية” إن كثيراً من الزبائن صاروا أكثر استخداماً لتطبيقات الدفع الإلكتروني عند الشراء… مع ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة صار نادراً أن ترى زبوناً يحمل رزم الأوراق النقدية كما كان شائعاً من قبل، وإلا فإن شراء سلسلة ربما يحتاج إلى شنطة متوسطة الحجم لحمل ما يكفي من الأموال للشراء”.
أمان وسهولة في تداول النقد
يسرد الرفاعي، كيف حققت تطبيقات ومحافظ الدفع الرقمي في مصر عاملي الأمان والسهولة في تداول النقد إلكترونياً في البيع والشراء، ويرى أن وسائل كهذه ستنتشر بقوة خلال الأعوام المقبلة.
ومن بين التطبيقات الأكثر شهرة في السوق المصرية يبرز اسم “إنستاباي”، التطبيق الذي صار بمثابة بوابة الدفع السريعة لملايين المستخدمين، والذي يستند إلى شبكة المدفوعات اللحظية، هي منظومة وطنية لربط جميع البنوك العاملة داخل مصر، وتعد واحدة من أبرز الإنجازات التقنية التي دعمت بنية التكنولوجيا المالية في البلاد.
حدود استخدام يومية وشهرية
انطلقت هذه الشبكة رسمياً في الـ22 من مارس (آذار) 2022، وتعتمد على أحدث نظم التشغيل البيني بين البنوك، بما يتيح التكامل مع شركات التكنولوجيا المالية، ويفتح الباب أمام ابتكار حلول جديدة تستهدف مختلف فئات المجتمع.
وحددت المنظومة 70 ألف جنيه (1447.42 دولار) كحد أقصى لقيمة المعاملة الواحدة، و120 ألف جنيه (2481.29 دولار) كحد أقصى لإجمال المعاملات اليومية، و400 ألف جنيه (8270.96 دولار) كحد أقصى للمعاملات الشهرية عبر التطبيق.
لأعوام وفي رحلة يومية محفوفة بالأخطار، كان سامي عبدالرحمن، وكيل عدد من العلامات التجارية الغذائية في دمياط، يقطع الطرق بين محال التجزئة في القرى والمدن المحيطة لتحصيل قيمة البضائع المبيعة بالآجل. لم يكن الأمر سهلاً، جهد بدني متواصل، وكلفة لا تنتهي، ومخاطرة بالمال في شوارع لم تخل من الاضطرابات. وفي إحدى المرات، خسر حصيلة يوم كامل بعدما اعترض طريقه لصان وسرقا ما جمعه من أموال.
تحصيل الأموال إلكترونياً ولحظياً
اليوم تغير المشهد تماماً، يروي سامي لـ”اندبندنت عربية” كيف استبدل تلك الجولات الشاقة بلمسة زر على تطبيق للدفع الإلكتروني، “أصبح بإمكاني تسلم مقابل البضاعة لحظياً في حسابي البنكي… الأمر أسهل وأكثر أماناً، ويوفر علي عناء حمل الأموال وأخطار السطو”.
وتكشف الدراسات الحديثة أن استخدام وسائل الدفع الرقمي أقل “إيلاماً نفسياً” للمستهلكين مقارنة بالدفع النقدي، إذ لا يشعر المشتري بالعبء ذاته حين يمرر بطاقته البنكية أو يستخدم تطبيق الهاتف المحمول، كما يحدث عند إخراج أوراق نقدية من محفظته. ويعزو متخصصون هذا السلوك إلى ما يعرف في علم الاقتصاد السلوكي بـ”ألم الدفع”، الذي يتراجع بوضوح مع المعاملات الإلكترونية، مما يشجع على توسيع نطاق التعاملات غير النقدية.
دمج الأشخاص في الاقتصاد الرسمي
وفي السياق المصري، ينسجم هذا الاتجاه مع سياسات الشمول المالي التي تسعى الدولة إلى ترسيخها، من خلال نشر وسائل الدفع الإلكتروني وتوسيع قاعدة المستخدمين، مما يخلق فرصاً لتعزيز الاستهلاك، ودمج مزيد من الأفراد في الدورة الاقتصادية الرسمية.
مصرفيون قالوا لـ”اندبندنت عربية” إن التعاملات اللانقدية في مصر شهدت تحولاً متسارعاً بفضل التكنولوجيا خلال الأعوام الأخيرة، بفضل تبني سياسات تدعم هذا التوجه، الذي لاقى قبولاً واسعاً من مختلف القطاعات والفئات، وهو ما من شأنه أن يسرع وتيرة هذا التحول في قادم الأعوام.
ما هي مزايا الدفع الإلكتروني؟
في حديثها لنا، تناولت المصرفية سهر الدماطي مزايا الدفع الإلكتروني في مصر، وترى أن هذا النموذج يضمن الانتقال من مجتمع نقدي تقليدي إلى مجتمع إلكتروني أكثر انضباطاً، بما يقلل من أخطار ضياع الأموال ويضمن انسياب الموارد إلى خزانة الدولة بوتيرة أسرع.
وتعتقد الدماطي أن هذا التحول لا يقتصر على البعد المالي فحسب، بل يفتح المجال أمام إدارة أكثر كفاءة للموارد العامة وتسريع توجيهها نحو الأولويات الاقتصادية، مما ينعكس بصورة غير مباشرة على زيادة معدلات النمو وتعزيز الدخل القومي.
وعن مستقبل الدفع الإلكتروني، توقفت سهر الدماطي عند مفهوم الشمول المالي، مؤكدة أنه لم يعد مجرد شعار اقتصادي بل أداة حقيقية لتمكين فئات المجتمع المختلفة.
التحول الرقمي لم يأت صدفة
وترى الدماطي أن إتاحة الخدمات المالية للجميع تعني في جوهرها توفير سبل عيش كريمة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعد عصب النمو الاقتصادي.
وتضيف أن التحول الرقمي لم يأت صدفة، بل جاء مدعوماً بإطار تشريعي واضح، في مقدمته القانون الجديد للبنك المركزي، الذي فتح الباب واسعاً أمام تعزيز الشمول المالي عبر قنوات رقمية حديثة، تضع الخدمات المصرفية في متناول يد المواطن العادي، أينما كان.
بيانات البنك المركزي المصري تكشف عن ارتفاع خدمات الدفع الرقمية عبر محافظ الهاتف المحمول، لتسجل قيمة المعاملات عبر محافظ الهاتف نحو 2.7 تريليون جنيه (56 مليار دولار) خلال عام 2024، بمعدل زيادة سنوية 108 في المئة في قيمة المعاملات، مقارنة بعام 2023.
محافظ إلكترونية وحسابات شخصية معفاة من الرسوم
وتتيح البنوك العاملة في السوق المحلية، باقة من خدماتها ومنتجاتها المصرفية في بضع فعاليات سنوية للشمول المالي، تشمل إتاحة محافظ إلكترونية وحسابات شخصية معفاة من الرسوم، بهدف تحفيز الانضمام إلى الثقافة اللانقدية الجديدة، إلى جانب عروض تقسيط وخصوم عند الشراء ببطاقات الائتمان المختلفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما رئيس بنك التنمية الصناعية السابق ماجد فهمي فيثني على جهود “المركزي المصري” الذي يتحرك بقوله، وفق خطة مدروسة بدقة، وضع فيها أولويات محددة تركز في جوهرها على تحسين جودة الخدمات المالية وتعزيز ثقة المتعاملين مع القطاع المصرفي، وتسهل الخدمات عبر الدفع الإلكتروني كأداة عملية لربط الحسابات البنكية المختلفة بسهولة وأمان، وهو ما أسهم في توسيع قاعدة العملاء وفتح آفاق جديدة للتعاملات الرقمية.
كيف أثر حريق سنترال رمسيس؟
وأضاف المتحدث لنا، “يواصل البنك المركزي رسم استراتيجية متكاملة للشمول المالي، تتجلى في مبادراته المتكررة على مدى العام لفتح حسابات مجانية، بهدف إدماج شرائح أوسع من المواطنين في منظومة الاقتصاد الرسمي. هذه الجهود حظيت بتفاعل واسع، بخاصة مع تنامي الاعتماد على الخدمات المصرفية الرقمية مثل الإنترنت والموبايل البنكي، التي باتت تمثل المدخل الأبرز لانتقال المجتمع نحو اقتصاد أكثر عصرية وشمولاً”.
لكن ثمة ما قد ينغص على البعض هذه الحزمة من المنافع، ففي ظهيرة قائظة من يوليو (تموز) الماضي، كان الدخان المتصاعد من سنترال رمسيس يطغى على سماء القاهرة، لم يكن الحريق مجرد حادثة عابرة، بل تحول إلى صدى داخل جيوب الناس وقلوبهم، فمع توقف خدمات الدفع الإلكتروني لأيام، بدا وكأن المدينة التي هرولت سريعاً نحو المستقبل، أجبرت فجأة على التراجع خطوة إلى الوراء.
هل يمكن أن يتخلى المصريون يوماً عن النقد؟
في متجر صغير للأدوات المنزلية بوسط البلد، جلس عبدالرحمن سمير يحدق في رزم النقود الموضوعة أمامه على الطاولة، ثم قال بابتسامة يغلبها الحذر: ‘الكاش لا أستغني عنه’. كانت كلماته تختصر حكاية أجيال تعودت أن تلمس المال بأصابعها، وتطمئن إلى رنين العملات المعدنية وهي تتدحرج في جيوبها.
وعلى رغم أن تطبيقات المحافظ الإلكترونية بدت في البداية كالسحر، قادرة على نقل الأموال بلمسة إصبع، فإن الحادثة أعادت إلى الأذهان سؤالاً قديماً: هل يمكن أن يتخلى المصريون يوماً عن النقد؟ فالحريق لم يكن مجرد عطل تقني، بل علامة فارقة تذكر بأن التحول إلى مجتمع لا نقدي ليس بالسهولة التي تبدو على الشاشات، وأن الطريق لا يزال طويلاً، مليئاً بالتجارب والاختبارات، قبل أن يغدو الكاش مجرد ذكرى في الذاكرة.