الغرام المفقود… رسوم خفية تفجر معركة فواتير الذهب في مصر

في أحد محال الذهب العتيقة بوسط القاهرة، تتأمل سيدة أربعينية سواراً ذهبياً قررت بيعه بعد أعوام من اقتنائه، وتفاجأ حين يخبرها البائع أن عليها خصماً إضافياً عند إعادة البيع، فتتعثر ملامحها بين الدهشة والارتباك “وهل هذا قانون جديد؟”.
بين صوت الزبونة المتسائلة ونبرة التاجر المبررة، يتكشف صراع خفي داخل السوق المصرية، إذ يقف المستهلكون أمام ما يرونه عبئاً مفاجئاً فيما يراه بعض التجار تعويضاً ضرورياً عن كلفة السوق المتقلبة، وهكذا تتحول مشغولات الذهب التي كانت رمزاً للأمان والادخار إلى محور جدل لا يخلو من الاتهامات والإنكار، ويفتح الباب على نقاش أوسع حول من يتحمل فاتورة اضطراب الأسعار.
خلال الآونة الأخيرة، تموج السوق بحال من الجدل على خلفية تلك الممارسات التجارية التي يشوبها الاستغلال، وسط تذمر من قبل العملاء إزاء خصم رسوم إضافية على سعر المعدن النفيس، تراوح ما بين واحد وثلاثة في المئة عند البيع للتاجر، لكن الإشارة الأوضح التي دفعت بالقضية إلى سطح الأحداث كان التراشق بين أطراف عديدة داخل السوق.
“ضريبة إعادة بيع المشغولات الذهبية”
تغيب عدالة تسعير الذهب داخل عدد من محال الصاغة في مصر، وسط محاولات من قبل بعض التجار بإيهام المشترين بوجود ما اصطلحوا على تسميته زعماً “ضريبة إعادة بيع المشغولات الذهبية” في مسعى يعده كثير من مشتري المعدن “بخساً فجاً” للقيمة.
وبينما ينظر مشترو الذهب في مصر إلى السعر العادل من منظور معادلة ثلاثية، هي سعر البورصة العالمية وسعر الصرف مضافاً إليهما ضريبة الدمغة والمصنعية، فإن ثمة من يصر من التجار على خصم ما بين واحد وثلاثة في المئة من إجمال قيمة الذهب عند الشراء من الزبائن، بدعاوى واهية وضرائب مزعومة.
وتعرف المصنعية باعتبارها الكلفة الإضافية التي تضاف إلى سعر الذهب الأصلي مقابل كلفة الصناعة والصياغة، وتشمل أجور العمالة والتصميم والجهد الفني المبذول في تحويل المعدن الخام إلى قطعة مشغولة جاهزة كالخاتم أو العقد.
التقطت الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالغرف التجارية المصرية الوقائع باعتبارها نهجاً قائماً ومخالفاً لأعراف الصاغة، وشجبت حيل بعض التجار ولجوءهم إلى نشر مغالطات لإقناع الزبائن بوجود ضريبة تقتضي خصم النسبة المذكورة من قيمة مبيعاتهم من الذهب للمحال.
“لا ضريبة من دون نص قانوني”
فصلت الشعبة التي تمثل مصالح جموع التجار في مصر ضمن بيان حقيقة فرض الرسوم الإضافية، وقالت إن “خصم نسبة تحوط من قبل التاجر عند شراء الذهب المستعمل من المستهلك يعد عرفاً سائداً بسبب تغير الأسعار الحاد في الأسواق العالمية والمحلية، بقصد تقليل هامش الخسارة في حال انخفاض السعر بعد عملية الشراء”. غير أن هذه العملية لا تخضع لمعادلة ثابتة وتختلف من تاجر لآخر، وتتباين أيضاً تبعاً لمدى استقرار السعر في السوق مدة ليست بالقصيرة، وبالنسبة إلى الشعبة فإن هذا التحوط يبدو منطقياً لتجنيب التاجر أخطار الخسارة بعد الشراء، وبما يحقق التوازن بين مصالح الطرفين من دون إجحاف لحق أي منهما حفاظاً على استقرار السوق.
ويوضح رئيس الشعبة هاني ميلاد أن عملية إعادة بيع الذهب المشغول بمثابة عرض وطلب، فللمستهلك مطلق الحرية في تقييم السعر المعروض عليه، لذا ينصح المستهلك بتقييم السعر لدى عدد من التجار وحساب وزن المشغولات وعيارها وسعر الذهب لحظة إبرام صفقة البيع أو الشراء، وإجراء العملية الحسابية بدقة، ثم المفاضلة بين الأسعار. ويلفت رئيس الشعبة إلى وجوب تحري الدقة وكسب ثقة المستهلك من دون خداعه باللجوء إلى نشر معلومات مغلوطة لإقناع العميل تجنباً للمساءلة، مضيفاً “لا توجد ضريبة من دون نص قانوني أو قرار رسمي من الجهات المعنية”.
أعباء تشغيلية شهرية مرتفعة يتحملها التاجر
لكن على الجانب المقابل، دافعت أطراف أخرى في السوق عن خصم الرسوم الإضافية من قبل التجار، باعتبارها مقابل تقديم الخدمة، مبررة الخصم بوجود أعباء تشغيلية شهرية مرتفعة يتحملها التاجر، وتشمل الإيجارات وفواتير الكهرباء وكلفة الحماية، إلى جانب الضرائب وأخطار فروق العيار.
هذا الرأي يمثله المدير التنفيذي لمنصة “آي صاغة” لبيع وتداول الذهب عبر الإنترنت سعيد إمبابي، إذ يرى أن النسبة المخصومة عند شراء التاجر ذهب الزبائن المستعمل حق أصيل باعتباره مقابل تقديم خدمة البيع والشراء من جانب محال الصاغة، وفق تعبيره، معتبراً أن “لا خدمة من دون مقابل”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
,يسمي إمبابي الرسوم المخصومة من قيمة الصفقة “تحوطاً”، إذ إن التاجر يتحمل أخطار تغيرات الأسعار إلى جانب فاتورة تشغيلية مكلفة للمحال لا يؤديها المستهلك عما يملكه من الذهب، بعكس التاجر الذي يتحمل كلفة إيجار المحل والضرائب وفاتورة التشغيل بمختلف بنودها.
وعن مقدار تلك النسبة يشير المدير التنفيذي لمنصة “آي صاغة” إلى أن التاجر يحصل على متوسط اثنين في المئة، قد تزيد أو تنقص حسب ظروف السوق وتقلباته الدائمة، معتبراً أن جميع الأسواق تعمل وفق نظام سعرين للذهب، سعر للبيع وآخر للشراء، وهو ما ينعكس أيضاً على تعاملات تجار التجزئة مع تجار الذهب الخام، بحيث يظل الربح الحقيقي محدوداً ولا يتحقق إلا في حالات نادرة عند الاحتفاظ بالمعدن لفترة قبل إعادة طرحه في السوق.
إجراء احترازي يعوض الخسائر المحتملة
لكن استطلاعاً سريعاً لـ”اندبندنت عربية” مع عدد من تجار تجزئة الذهب يبين وجود فريق ثالث لا يفضل خصم تلك الرسوم حفاظاً على ولاء الزبائن، أو تجنب الفرض في حال إعادة شراء ما جرى بيعه سابقاً بموجب فاتورة الشراء، وهو فريق يمثله أحمد عبدالمقصود وهو تاجر شاب في محافظة القاهرة.
“طالما ربحت أول مرة عند بيعي الذهب فلا معنى للربح مرة أخرى عند شراء الذهب ذاته بفاتورة الشراء”، يضيف عبدالمقصود أن هذا الأسلوب يحفظ ولاء كثير من الزبائن ويعزز الثقة بين التاجر والمستهلك، معتبراً أن الأمر في نهاية المطاف خاضع لرغبات التجار.
حاول نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية لطفي المنيب حسم الجدل الدائر، حول ماهية وطبيعة الرسوم المفروضة بواقع واحد إلى ثلاثة في المئة عند شراء الذهب المستعمل من الزبائن، قائلاً إن التغيرات اللحظية العنيفة في أسعار الذهب، والتي قد تصل إلى 50 أو 100 جنيه (دولار أو دولارين) في غضون دقائق معدودة، تستدعي تحوط التجار عند الشراء بنسب متفاوتة لتفادي الخسائر الناتجة من هبوط الأسعار المفاجئ.
وللتاجر حق التوقف عن الشراء حتى استقرار الأسعار، بحسب ما يضيف المنيب، ويرى في ذلك إرباكاً لحركة السوق وإضراراً بمصالح المستهلكين، أو الشراء في المقابل، مع خصم محدود كإجراء احترازي يعوض الخسائر المحتملة.
التبادل بالسعر المعلن من دون أي اقتطاع
لكن المنيب تطرق إلى زاوية مختلفة في حديثه، موضحاً أن خصومات الشراء لا تنطبق على صفقات استبدال المشغولات الجديدة بأخرى قديمة من ذات المحل، فيجرى التبادل بالسعر المعلن من دون أي اقتطاع، نظراً إلى عدم وجود أخطار مرتبطة بتقلب الأسعار ضمن هذه المعاملات.
وبحسب بيانات شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية تراجعت مشتريات المصريين من المعدن النفيس خلال الربع الثاني من عام 2025، بنسبة بلغت 20 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إذ بلغ إجمال المشتريات 11.5 طن خلال الربع الثاني من العام الحالي، مقابل 14.4 طن خلال الربع ذاته من عام 2024.
وبينما يبقى الذهب في نظر المصريين “ملاذاً آمناً” للأيام الصعبة، يظل الخلاف حول رسوم إعادة البيع أشبه بميزان حساس تتأرجح كفته بين التجار والمستهلكين، فكلما ارتفعت الأسعار زادت الشكوك، وكلما تراجع الإقبال ظهر الصراع للعلن، وفي غياب نص قانوني واضح يتواصل الجدل ذاته داخل محال الصاغة، ما بين زبون يبحث عن عدالة في السعر وتاجر يسعى إلى تأمين هامش يقيه الخسارة، أما السوق فتنتظر قراراً أو عرفاً مستقراً يعيد الثقة إلى “المعدن الأصفر” الذي لم يفقد بريقه، لكنه بات يلمع هذه المرة تحت ضوء الجدل.