السياحة العالمية تطوي صفحة الجائحة وتدخل سباق الأرقام القياسية

بعد خمسة أعوام على جائحة كورونا التي شلت حركة السفر وأدخلت قطاع السياحة في أسوأ أزمة خلال تاريخه، تكشف بيانات حديثة عن تحول لافت في المشهد العالمي، فالسياحة الدولية لم تكتف بالتعافي، بل عادت لتسجل أرقاماً قياسية جديدة، مدفوعة بارتفاع الطلب في آسيا وأفريقيا، وتجاوز أوروبا لمستويات ما قبل الجائحة.
هذه القفزة تفتح نقاشاً أوسع حول ما إذا كان القطاع طوى فعلياً تداعيات الأزمة الصحية، أم أنه دخل مرحلة جديدة محفوفة بأخطار مختلفة، من التضخم إلى التوترات الجيوسياسية.
في الأثناء، أعلنت هيئة السياحة التابعة للأمم المتحدة أن عدد السياح الدوليين بلغ 1.52 مليار سائح خلال عام 2025، وهو أعلى مستوى يُسجل في تاريخ القطاع، ويمثل هذا الرقم زيادة بنحو أربعة في المئة مقارنة بعام 2024، الذي بلغ فيه عدد السياح نحو 1.4 مليار سائح.
هذه القفزة لا تعكس مجرد تعويض خسائر أعوام الجائحة، بل تشير إلى عودة قوية للطلب العالمي على السفر، على رغم استمرار التضخم وارتفاع كلفة الخدمات السياحية، فضلاً عن تصاعد التوترات الجيوسياسية في أكثر من منطقة.
أوروبا تتجاوز ما قبل الجائحة
وتصدرت أوروبا المشهد بوصفها الوجهة السياحية الأكثر شعبية عالمياً، إذ استقبلت 793 مليون وافد دولي عام 2025، لكن اللافت هنا أن هذا الرقم لا يتجاوز فحسب مستويات عام 2024، بل يفوق أيضاً مستويات عام 2019، أي قبل الجائحة، بنسبة ستة في المئة.
هذا الأداء يعكس قدرة البنية السياحية الأوروبية على استعادة نشاطها سريعاً، مستفيدة من شبكات النقل المتقدمة، وتنوع العروض السياحية، واستقرار الطلب الداخلي والخارجي.
آسيا وأفريقيا… محركات النمو الجديدة
في المقابل، شكلت آسيا وأفريقيا محركي النمو الأبرز خلال العام الماضي، بعدما ارتفع عدد الوافدين إلى أفريقيا بنسبة ثمانية في المئة ليصل إلى 81 مليون سائح، مع تحقيق المغرب وتونس نتائج قوية، مدعومة بعودة الطلب الأوروبي وتحسن الربط الجوي.
أما آسيا والمحيط الهادئ، فسجلت نمواً بنسبة ستة في المئة، مع وصول عدد السياح الدوليين إلى 331 مليون سائح، أي ما يعادل نحو 91 في المئة من مستويات ما قبل الجائحة، وعلى رغم أن المنطقة لم تستعد كامل زخمها بعد، فإن وتيرة النمو تشير إلى أن التعافي بات ضمن مراحله الأخيرة.
من الناحية الرقمية، يمكن القول إن السياحة العالمية تجاوزت عملياً أسوأ تداعيات جائحة كورونا، وانتقلت من مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو. غير أن الصورة ليست متجانسة بالكامل، إذ لا تزال بعض الوجهات متأخرة عن مستويات ما قبل الجائحة، كذلك يواجه القطاع أخطاراً جديدة تختلف عن تلك التي فرضتها الأزمة الصحية.
إضافة إلى أن ارتفاع التضخم، خصوصاً في أسعار الإقامة والنقل، يشكل تحدياً أمام استمرار النمو، فيما تفرض التوترات الجيوسياسية قيوداً على حركة السفر داخل مناطق عدة، وتزيد من كلفة التأمين والتشغيل.
التوقعات لعامي 2026–2027
تتوقع هيئة السياحة التابعة للأمم المتحدة استمرار الاتجاه الإيجابي خلال عام 2026، مدعومة بتوقعات استقرار الاقتصاد العالمي، وتعافي الوجهات التي لا تزال متأخرة عن مستويات ما قبل الجائحة.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، يرجح محللون أن يتجاوز عدد السياح الدوليين 1.6 مليار سائح خلال عام 2027، مع توسع دور الأسواق الآسيوية، وتحول أفريقيا إلى أحد أسرع الأقاليم نمواً في السياحة العالمية.
غير أن هذا المسار يبقى مشروطاً بقدرة الاقتصادات الكبرى على احتواء التضخم، وبمدى تفادي العالم صدمات جيوسياسية أوسع قد تعيد خلط الأوراق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حتى مع طي صفحة الجائحة، لم يعد قطاع السياحة كذلك كان قبل 2020، فقد تغيرت أنماط السفر، وارتفع الطلب على السياحة المستدامة، وزادت أهمية المرونة في الحجوزات، وتنوعت مصادر الدخل السياحي.
كذلك أصبحت الحكومات والشركات أكثر وعياً بأخطار الاعتماد المفرط على تدفقات سياحية غير مستقرة، مما دفع كثيراً منها إلى إعادة النظر في سياساتها السياحية والاستثمارية.
ما بعد أزمة 2008… تعافٍ بطيء مقابل تعافٍ متسارع
لا تعد عودة السياحة العالمية إلى مستويات قياسية بعد جائحة كورونا حدثاً عادياً إذا ما قورنت بتجربة القطاع عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين احتاجت السياحة الدولية إلى نحو أربعة أعوام كاملة لاستعادة زخمها السابق.
فبعد انهيار الأسواق المالية عام 2008، تراجع عدد السياح الدوليين عالمياً بنحو أربعة في المئة عام 2009، ولم يعد القطاع إلى مستويات ما قبل الأزمة إلا خلال عام 2013، وسط ضعف الطلب الاستهلاكي وارتفاع البطالة، وتشدد السياسات المالية في الاقتصادات المتقدمة.
في المقابل، وعلى رغم أن جائحة كورونا كانت أعمق وأوسع أثراً على السياحة من أزمة عام 2008 فإن مسار التعافي جاء أسرع وأكثر حدة، فبعد انهيار غير مسبوق عام 2020 عادت أعداد السياح لتتجاوز مستويات ما قبل الجائحة خلال أقل من خمسة أعوام، وتحقق رقماً قياسياً جديداً عام 2025.
يرى محللون أن الفارق الجوهري بين الأزمتين يعود إلى طبيعة الصدمة نفسها، فأزمة عام 2008 كانت أزمة مالية – اقتصادية هيكلية أضعفت الدخول والثقة لفترة طويلة، بينما كانت جائحة كورونا صدمة صحية موقتة عطلت السفر قسراً، من دون أن تقضي على الرغبة الكامنة في التنقل.
ومع رفع القيود الصحية تحول الطلب المكبوت إلى موجة سفر قوية، عززتها حزم التحفيز المالي الضخمة وعودة الإنفاق الاستهلاكي، بخلاف مرحلة ما بعد عام 2008 التي اتسمت بسياسات تقشفية.
دروس 2008 ما زالت حاضرة
وعلى رغم هذا التعافي السريع، تذكر تجربة ما بعد عام 2008 بأن تسجيل أرقام قياسية لا يعني بالضرورة دخول مرحلة استقرار طويل الأمد، فبعد تعافي السياحة في العقد الماضي ظل القطاع عرضة للصدمات سواء الاقتصادية أو الجيوسياسية، وهو ما يتكرر اليوم في ظل تضخم مرتفع وحروب، وتوترات تجارية متصاعدة.
وبينما كان الخطر الأكبر بعد عام 2008 يتمثل في ضعف الطلب، فإن التحدي الحالي يتمثل في ارتفاع الكلفة وضغوط الأسعار، مما قد يحد من قدرة السياحة على الحفاظ على وتيرة النمو نفسها خلال الأعوام المقبلة.
قد يبدو تسجيل السياحة العالمية مستويات قياسية جديدة عام 2025 إعلاناً نهائياً للخروج من ظل جائحة كورونا، غير أن المقارنة التاريخية مع ما بعد أزمة عام 2008 تفرض قدراً أكبر من الحذر، فالتجربة السابقة تظهر أن التعافي السريع لا يعني بالضرورة استقراراً مستداماً، بل قد يسبق مرحلة من التباطؤ أو إعادة التصحيح.
فبعد الأزمة المالية العالمية، احتاج القطاع السياحي أعواماً ليستعيد عافيته، لكنه ما لبث أن اصطدم لاحقاً بتقلبات اقتصادية متلاحقة كشفت هشاشة النمو القائم على الطلب وحده.
واليوم، وعلى رغم أن التعافي من الجائحة جاء أسرع وأقوى فإن الأخطار تبدو أكثر تعقيداً، من تضخم مرتفع وتوترات جيوسياسية، وارتفاع كلفة السفر وضغوط متزايدة على دخول الأسر.
وعليه، فإن بلوغ مستويات ما قبل الجائحة (بل وتجاوزها) لا ينبغي أن يقرأ بوصفه نهاية الأزمة، بل بداية اختبار جديد لصلابة القطاع، فعاما 2026–2027 ستظهر ما إذا كان النمو الحالي قائماً على أسس اقتصادية متينة أم أنه نتاج موجة طلب مكبوت سرعان ما تفقد زخمها مع أول صدمة عالمية.
وبينما يمنح الواقع الحالي قطاع السياحة هامش تفاؤل مشروع فإن درس عام 2008 يبقى حاضراً، إذ إن الأرقام القياسية قد تغري بالاطمئنان، لكنها لا تعفي من الاستعداد للأسوأ.



