السياحة التونسية تتعافى في 2025 على رغم التحديات

استقبلت تونس 11 مليون سائح إلى حدود منتصف ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وهو رقم يمثل نقطة تحول استراتيجية لتونس كوجهة سياحية، فبعد أعوام من الاضطرابات، حققت تونس عودة قوية على الساحة السياحية الدولية عام 2025.
وللمرة الأولى تجاوز عدد زوار البلاد 11 مليون زائر، مما يؤكد التحول العميق لقطاع أصبح مرة أخرى استراتيجياً للاقتصاد التونسي، وبلغت إيرادات القطاع 7.886 مليار دينار (2.7 مليار دولار) إلى حدود الـ20 من ديسمبر الجاري مقارنة بـ7.419 مليار دينار (2.55 مليار دولار) عام 2024، وسجلت تونس زيارة 10 ملايين و264 ألف سائح، مع قضاء 27 مليوناً و193 ألف ليلة إقامة فندقية عام 2024، وقد عانت السياحة التونسية ضعفاً في أدائها خلال العقد الماضي، جراء الهجمات الإرهابية وجائحة “كوفيد-19” والصعوبات الاقتصادية.
الأسواق الأوروبية والآسيوية
يعود الفضل في الانتعاش السياحي بصورة أساسية إلى الأسواق الأوروبية، وتتصدر فرنسا القائمة بـ1.07 مليون زائر إلى حدود الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بزيادة قدرها 6.4 في المئة مقارنة بعام 2024.
تليها بريطانيا بـ415 ألف زائر، مسجلة ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 40.1 في المئة، وارتفع عدد الزوار القادمين من إيطاليا ليبلغ 147531 زائراً، وكندا 34985 زائراً، بنسبة 8.6 في المئة و11 في المئة على التوالي.
في المقابل، شهدت أسواق أوروبا الشرقية وبعض الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين، نمواً ملحوظاً، بعدما زاد عدد السياح الصينيين الوافدين إلى تونس، وعلى رغم تواضع عددهم مقارنة بالأسواق الأخرى، فإن نسق تطورهم يدعو إلى الانتباه، إذ وصل العدد إلى أكثر من 25 ألف سائح حتى نهاية الشهر الماضي، بزيادة قاربت 18 في المئة عن الفترة نفسها من عام 2024، مع توقعات بالوصول إلى نحو 30 ألفاً بنهاية السنة، وذلك نتيجة جهود ترويجية وفتح الخطوط الجوية المباشرة مع بكين.
ولم تعد تونس تعتمد كلياً على منتجعاتها الشاطئية، فقد نجحت في توسيع نطاق جاذبيتها السياحية من خلال السياحة الثقافية التي تتمحور حول المواقع الأثرية والمدن القديمة، وتطوير السياحة الصحراوية في الجنوب، ونمو السياحة العلاجية والاستجمام، والاهتمام المتزايد بالسياحة البيئية والإقامات البديلة في المناطق الداخلية.
التحديات لا تزال قائمة
وسجلت تونس عودة كثير من شركات الطيران الدولية، واعتمدت سياسة تسعير تنافسية، وفي ظل بيئة عالمية تتسم بالتضخم، تتمتع تونس بموقع استراتيجي جذاب ونموذج للخدمات الشاملة، إذ تجمع بين القرب الجغرافي وسهولة الوصول والخدمات الجيدة مقابل الأسعار التنافسية.
ومن خلال تجاوز هذه العتبة الرمزية تغير تونس بعدها السياحي وتعيد ترسيخ مكانتها كوجهة رئيسة في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا السياق، أطلقت وزارة السياحة رسمياً برنامج “تونس عاصمة السياحة العربية 2027” في الـ22 من ديسمبر الجاري، علماً أن تونس تم اختيارها رسمياً عاصمة للسياحة العربية لعام 2027، وقد أعلن ذلك خلال الدورة العادية الـ28 للمجلس الوزاري العربي للسياحة، التي عقدت في بغداد، العراق، في الثامن والتاسع من ديسمبر الجاري.
وتحدث وزير السياحة سفيان تقية عن تسريع التحول الرقمي للقطاع، وتنويع العروض السياحية، ودعم الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية.
وأوضح أن هذه الإنجازات لا تقاس بالكمية فحسب، بل تقاس في المقام الأول بأثرها النوعي ومساهمتها في تعزيز القدرة التنافسية الدولية لتونس كوجهة سياحية، مشيراً إلى أن تونس حققت كثيراً من التصنيفات الدولية المتميزة، ولا سيما احتلالها المركز الأول كوجهة مفضلة للسياح الصينيين.
وقال إن ازدياد حدة المنافسة العالمية يتطلب من تونس مواصلة تطوير القطاع وتحسين البيئة السياحية من خلال تطبيق استراتيجية جديدة قائمة على الابتكار والتجديد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا السياق، أعلن الوزير عن إطلاق حملة ترويجية مبتكرة تعتمد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تهدف إلى تعزيز حضور تونس الرقمي، وتحسين الأداء والحوكمة، وتبسيط المسارات السياحية، بما يسهم في توفير الوقت وتقليل المسافات.
وأشار أيضاً إلى أن الحضور الرقمي لتونس حصد ملايين المشاهدات والتفاعلات، مما شجع كثيراً من العلامات التجارية السياحية العالمية الكبرى على الوجود في البلاد.
وعلى صعيد الاستثمار، تواصل تونس تعزيز جاذبيتها، ويتجلى هذا الزخم في استقطاب علامات تجارية سياحية عالمية كبرى، مما يعزز الثقة في الوجهة ويدعم تطوير السياحة الراقية وفق المعايير العالمية.
في المقابل أشار مهنيون إلى الحاجة إلى استراتيجية متكاملة لتحسين أداء القطاع السياحي، تستهدف الاستدامة وتشغيل أكبر عدد ممكن من القطاعات، لتمكين السياحة التونسية من رفع مستوى التنمية في كامل البلاد والمشاركة في خلق الثروة. وذكر المتخصص في مجال السياحة ووكالات الأسفار محمد علي العنابي لـ”اندبندنت عربية”، أنه من الجيد رفع عدد الوافدين، لكن المعطيات الخاصة بعدد السياح لا تؤتي أكلها من دون تقديم تفاصيل عن عدد الليالي المقضاة في الفنادق من مجموع 11 مليون سائح، بحكم أن العدد الأكبر من السياح الجزائريين، وهم على رأس قائمة الوافدين، يفضلون الإقامات غير الفندقية، وهو ما يمس أحد مقومات الاستهلاك في القطاع، أي المؤسسات الفندقية، كذلك ينتظر الكشف عن تطور معدل إنفاق السائح، الذي يقدر بـ345 يورو (407.1 دولار)، وهو مستوى ضعيف.
ويقاس نجاح الموسم بمدى استفادة القطاعات الأخرى المتقاطعة مع النشاط السياحي، مثل النقل والتجارة، وهي مؤشرات تسلط الضوء على مدى اقتران ارتفاع عدد الوافدين بالحركة التنموية في البلاد.
من جهته، اعتبر الرئيس السابق لجامعة وكالات الأسفار جابر بن عطوش، أن ارتفاع عدد الزوار مقارنة بالأعوام الأخيرة عنصر إيجابي للغاية، لكنه شدد على ضرورة انتظار الكشف عن مدى توازي هذه الزيادة مع نمو العائدات المالية ونشاط القطاعات المرتبطة بالسياحة، مثل الصناعات التقليدية والنقل والتجارة.
وأشار إلى وجود عراقيل تحول دون تطوير العائدات ورفع المؤشرات، في مقدمها إشكالات النقل الجوي والخدمات والبنية التحتية، لافتاً إلى أن تونس لم تسترجع بعد الخط الجوي المباشر مع موسكو، على سبيل المثال.
عراقيل تحول دون تطوير العائدات
وأضاف أن من الضروري مراجعة منظومة الإقامة الشاملة التي أضرت بعناصر أساسية داخل القطاع، مثل المطاعم والمقاهي والقطاعات المختلفة المتأثرة بالنشاط السياحي، وحولت هذا النشاط إلى حكر على الفنادق، وبناء على ذلك يتعين إعادة النظر في مردودية الإقامة الشاملة وتنويع المنتج السياحي، إلى جانب العمل على استقطاب السياح على مدى السنة لخلق ديمومة للنشاط، وهي عناصر ضامنة لتنمية مردوديته المالية وترسيخه قطاعاً فاعلاً في بناء اقتصاد مستدام.



