
في مرحلة ما بعد توقف الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبرز مشهد استراتيجي شديد التعقيد، يتسم بغياب نقطة ارتكاز واضحة يمكن من خلالها تحديد توقيت النهاية أو شكل التوازنات الجديدة حسب تصريحات الدكتور عبد السميع بهبهاني لموقع اونا نيوز.
فقد انزلقت هذه الحرب تدريجياً من كونها صراعاً ذا أهداف سياسية أو عسكرية محددة إلى مسار يغلب عليه طابع الانتقام المتبادل، وهو ما يجعل من الصعب بناء تقديرات دقيقة لنقطة التوقف أو حتى معالم ما بعدها.
ضمن هذا السياق، يبرز العامل النفطي بوصفه المتغير الأكثر حساسية وتأثيراً. إذ تشير التقديرات إلى أن المخزون العالمي من النفط قد انخفض بنحو 20% خلال الأسبوع الأول من اندلاع الحرب، مع احتمالية تجاوزه حاجز 40% في الفترة الحالية. هذا التراجع الحاد لا يعكس فقط اضطراب الإمدادات، بل يعكس أيضاً سلوكاً احترازياً من قبل الدول المستهلكة التي سارعت إلى السحب من مخزوناتها الاستراتيجية والتجارية لتعويض النقص في التدفقات اليومية. وعليه، يصبح من شبه المستحيل تحديد القاع السعري لخام خام برنت، سواء في السوق الفوري أو الآجل، قبل اتضاح نهاية الحرب، نظراً لأن الطلب الحالي لا يقتصر على الاستهلاك الصناعي والنقل، بل يمتد ليشمل إعادة بناء المخزونات المستنزفة.
وفي حال توقف العمليات العسكرية، فإن التحدي الأكبر لن يكون في استعادة التدفقات فقط، بل في فجوة العرض المتوقعة. إذ تشير التقديرات المتحفظة إلى أن الإنتاج العالمي قد ينخفض إلى حدود 47 مليون برميل يومياً، أي بانخفاض يقارب 30% عن مستويات ما قبل الحرب، في وقت يُتوقع أن يبلغ فيه الطلب العالمي نحو 106 مليون برميل يومياً بحلول عام 2027. هذه الفجوة الكبيرة ستفرض واقعاً جديداً على الأسواق، يتجاوز مجرد تقلبات الأسعار إلى إعادة تشكيل هيكل الطاقة العالمي.
بناءً على التعقيدات التي شهدها مثلث الطاقة الخليجي والتي تشمل الأبعاد الفنية والتجارية والاقتصادية والاستراتيجية من المرجح أن يتجه العالم نحو تبني استراتيجية طاقة مغايرة جذرياً لما كان سائداً قبل الحرب. أولى ملامح هذه الاستراتيجية تتمثل في إعادة دمج الدول المقاطَعة مثل روسيا وإيران في منظومة الإمدادات العالمية، والسماح لهما بالإنتاج والبيع عند أقصى طاقة ممكنة، بعد أن كانت صادراتهما تُسوق بخصومات كبيرة. هذا التحول سيشكل دعماً هيكلياً للأسعار، ويحد من التشوهات السعرية التي سادت خلال فترة العقوبات.
في المقابل، سيُعاد توجيه استخدام الوقود الأحفوري ليتركز بشكل أكبر في القطاعات ذات القيمة الاقتصادية العالية، مثل النقل والصناعة، ويضاف اليها الفحم والمنتجات البترولية لتوليد الطاقة، نظراً لسهولة وسرعة زيادة إنتاجها مقارنة بمشاريع الطاقة الأخرى، مع تقليص استخدامه في توليد الكهرباء والتدفئة المنزلية، لصالح بدائل أخرى.
كما يُتوقع أن تشهد مشاريع الطاقة المتجددة تباطؤاً ملحوظاً، مع تأجيل الاستثمارات الكبرى لفترة قد تمتد إلى خمس سنوات، نتيجة الضغوط المالية والحاجة إلى توجيه الموارد نحو استعادة استقرار الإمدادات التقليدية. وفي السياق ذاته، ستسعى الحكومات إلى تحفيز استثمارات المنبع (الاستكشاف والتطوير) من خلال تأجيل أو تخفيف تعريفات الكربون والضرائب البيئية، بهدف تسريع إعادة بناء القدرات الإنتاجية.
ومن الناحية التنظيمية، قد يتم تبني آليات جديدة لضبط السوق، مثل فرض سقوف سعرية مرنة توازن بين حماية المستهلكين وتحفيز المنتجين، خاصة في ظل مخاطر الركود التضخمي. كذلك، من المرجح إعادة فتح قنوات الطاقة التقليدية، بما في ذلك خطوط الغاز بين روسيا وأوروبا، لتعزيز أمن الإمدادات وتقليل الاعتماد على المسارات عالية المخاطر.
وعلى مستوى الصناعة، ستبرز الحاجة إلى تقديم حزم تحفيزية تشمل ضمانات التأمين والنقل، إلى جانب تسهيلات في عقود البنية التحتية والتشغيل، لتشجيع الشركات على العودة السريعة إلى الاستثمار. كما يُتوقع أن تستعيد أوبك دورها المحوري في إدارة توازن السوق، بعيداً عن تأثيرات المضاربات المالية والتقديرات الجيوسياسية المتقلبة.
في ضوء هذه الفرضيات، يمكن توقع أن يستغرق العالم ما بين 12 إلى 18 شهراً للوصول إلى طاقة إنتاجية قصوى تتراوح بين 110 و120 مليون برميل يومياً، وذلك بشرط ألا يتجاوز حجم الأضرار في البنية التحتية لقطاع الطاقة نطاق 10-15% من إجمالي القدرات. غير أن هذا السيناريو يظل رهناً بمدى سرعة الاستجابة الدولية، وقدرة الأطراف الفاعلة على تجاوز الاعتبارات السياسية الضيقة لصالح استقرار النظام الطاقي العالمي.




