الجزائر تجمع أفريقيا على طاولة التجارة… استثمارات بأكثر من 44 مليار دولار

تولي الجزائر اهتماماً بالغاً لمعرض التجارة البينية الأفريقية الذي تحتضن طبعته الرابعة، بعدما جندت كل القطاعات وسخرت كل المجالات من أجل إنجاحه، مما أثار تساؤلات داخلية وخارجية حول المرجو من هذه التظاهرة اقتصادياً وسياسياً، لا سيما أن تنظيمها يأتي في وقت تعرف فيه الساحتان الدولية والإقليمية تحولات كبيرة.
140 دولة و2000 شركة
وأفسحت الجزائر المجال أمام الأنشطة التي ترافق معرض التجارة البينية الأفريقية على مختلف المستويات، من فضاءات الرسم والموسيقى إلى قاعات النقاشات والمحاضرات مروراً بجلسات التوقيع على اتفاقات التعاون والشراكة والاستثمار والتجارة، وهو المشهد الذي طغى على يوميات الجزائريين كما الزائرين والعارضين والمدعوين والمعنيين من مختلف دول أفريقيا وجهات دولية.
ويشارك في المعرض الذي حمل شعار “بوابة نحو فرص جديدة” وفود من 140 دولة، وأكثر من 2000 شركة من أفريقيا وخارجها، مع ترقب نحو 35 ألف زائر مهني، وإبرام اتفاقات تجارية واستثمارية تتجاوز قيمتها 44 مليار دولار، مما جعل هناك إجماعاً حول محورية الحدث لإبراز القدرات الإنتاجية الأفريقية وفتح آفاق جديدة أمام الشراكات بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
ما وراء الاهتمام والرهان
لكن، لماذا كل هذا الاهتمام والترقب والرهان؟ استفهام طرحته أطراف سياسية واقتصادية عدة، وقدم عدد من المسؤولين الأفارقة والجزائريين بعض الأجوبة، إذ أكد الأمين التنفيذي رئيس العمليات بالمائدة المستديرة الأفريقية للأعمال صامويل أيوديلي، في تصريحات إعلامية، أن هذا المعرض يشكل مناسبة مهمة لتجسيد التطبيقات العملية لاتفاق التجارة الحرة القاري الأفريقي، بما يسمح بتحرير الرسوم الجمركية وتوحيد قواعد المنشأ وتعزيز انسيابية أكبر للتجارة، وسيكون أداة لتنسيق السياسات القارية، وفضاء لتعبئة الاستثمارات لمصلحة المشاريع الصناعية والبنى التحتية الجاهزة للاندماج، بصورة تدعم سلاسل الإمداد الأفريقية وتقلص الاعتماد على الأسواق الخارجية.
وأكد المدير الإقليمي ومنسق المائدة المستديرة بدول جنوب القارة بيتر موتاكوي، أن استضافة الجزائر هذا الحدث تعكس طموحها لتكون مركزاً محورياً للاندماج الاقتصادي الأفريقي، لا سيما أن موقعها الجغرافي يجعلها حلقة وصل استراتيجية بين أفريقيا جنوب الصحراء والحوض المتوسطي وأوروبا.
من جانبه أكد الأمين العام لمنطقة التجارة الحرة الأفريقية، وامكيلي مين، أن الدول الأفريقية مطالبة بتوحيد جهودها لبناء سوق قوية باستغلال المزايا التي توفرها منطقة التجارة الحرة الأفريقية قصد حماية المصالح المشتركة والتصدي للتحديات الدولية الحالية، على رغم أن التجارة البينية بين دول القارة عرفت زيادة بـ12.5 في المئة خلال 2024 مقارنة بـ2023.
رسائل سياسية واقتصادية
ووجه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، خلال افتتاح المعرض رسائل سياسية واقتصادية حملت رؤية طموحة لمستقبل القارة ومكانتها العالمية، وسط حضور لافت لقادة أفريقيا وكبار صناع القرار، إذ أشار إلى توقيت التظاهرة التي تأتي في ظرف عالمي بالغ الدقة والحساسية نتيجة تسارع الأحداث بنحو غير مسبوق، تتعاظم فيه الأخطار التي تهدد بانهيار المنظومة العالمية القائمة.
وأكد تبون أن أفريقيا لن تكون حقل تجارب، ودعا إلى بناء قارة متكاملة تصنع غذاءها بيدها وتستثمر ثرواتها، مشدداً على أن 70 في المئة من سكان أفريقيا شباب، والاستثمار في الإنسان هو الرهان الأكبر لصناعة المستقبل، وقال إن هذا المعرض ليس مجرد تظاهرة، “فلقاؤنا اليوم يجسد وعياً جماعياً لبناء قارة فاعلة في محيطها الإقليمي والدولي”.
وتابع تبون، أن “حصتنا مجتمعة كدول أفريقية لا تتجاوز 6.5 في المئة من حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي، وهي الأضعف على الإطلاق، وتساوي 11 في المئة في البنك العالمي، وعلى رغم أن أفريقيا افتكت منصب مدير عام في منظمة التجارة العالمية للمرة الأولى، فإن نسبة أفريقيا في التجارة العالمية لا تتجاوز ثلاثة في المئة، على رغم أنها تستحوذ على 30 في المئة من الثروات العالمية وتمثل 1.5 مليار نسمة وسوقاً استهلاكية صامدة، بينما لا تتجاوز التجارة البينية الأفريقية 15 في المئة من حجم المبادلات، مقارنة مع 60 في المئة في ما بين دول أوروبا”.
رغبة الأفارقة ونيات الجزائر
وإذا كانت رغبة الأفارقة من وراء المعرض تستهدف توحيد الجهود من أجل تكامل اقتصادي وسوق قوية، يجعل كل دولة تخرج من دائرة الفقر والتبعية إلى ضمان مكانة ضمن التغييرات الحاصلة في العالم، فإن الجزائر بتنظيم هذه التظاهرة تبحث تعزيز مكانتها كقطب سياسي وفاعل أساس في التنسيق الأفريقي، وكذلك الخروج من التبعية الاقتصادية للمحروقات وتنويع الاقتصاد الوطني والولوج إلى الأسواق الأفريقية والدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووضع صندوق النقد الدولي الجزائر في المرتبة الثالثة ضمن أهم اقتصادات أفريقيا، بعد جنوب أفريقيا ومصر، وقبل نيجيريا والمغرب، وقدر ناتجها الداخلي الخام بنحو 268.9 مليار دولار، بينما رجح الرئيس تبون، أن يفوق الناتج الإجمالي 400 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مع نسبة نمو تفوق أربعة في المئة في الأقل.
تحديات وعراقيل
وفي السياق يعتبر المتخصص في الشأن الاقتصادي سليمان ناصر، في حديث إلى “اندبندنت عربية”، أن المعرض يمثل حدثاً اقتصادياً مهماً للجزائر ولأفريقيا بخاصة أنه يأتي بعد كثير من التطورات مثل دخول اتفاق التجارة الأفريقي الحرة ونظام الدفع البيني حيز الخدمة، وقال إنه أمام تكالب القوى الكبرى على القار السمراء سواء الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر نفسه الولي الشرعي لأفريقيا بحكم الاستعمار، أو أميركا أو الدول الآسيوية مثل الصين أو دول مثل تركيا وروسيا، فإن الجزائر ترى أنها أولى بالكعكة الأفريقية.
ويواصل ناصر أن هذه المناسبة تعتبر فرصة سانحة لتعزيز التكامل الاقتصادي الأفريقي، لكن تبقى تحديات وعراقيل تفرمل تحقيق نتائج إيجابية، مشيراً إلى أن المشكلات الأمنية التي تعانيها دول عدة على غرار دول الساحل، وكذلك تفاوت مستويات النمو بين دول ناشئة وأخرى فقيرة، إلى جانب ضعف البنية التحتية، كلها عوامل لا تزال تقف عائقاً أمام تحسين التعاملات الاقتصادية البينية.
وتابع أن بلاده تواجه أيضاً تحديات تستدعي العمل على تجاوزها مثل “تأخر” النظام المصرفي، وعدم استقرار القوانين لا سيما ما تعلق بالتجارة الخارجية.
استفادة جزائرية أفريقية
من جانبه يرى الباحث في العلاقات الدولية آدم المقراني، في تصريح لـ”اندبندنت عربية”، أن الجزائر تتطلع من خلال استضافتها النسخة الرابعة من المعرض الأفريقي للتجارة البينية، إلى ترسيخ موقعها كبوابة إستراتيجية تحكم وصل شمال أفريقيا وعمقها الأفريقي وتربط ضفتي القارة بسلاسة، وهي فرصة عملية لتعزيز دورها كمركز لوجيستي وتجاري محوري يقطع أواصر التبعية التقليدية للأسواق الأوروبية.
وقال المتحدث إن الجزائر تصبو اقتصادياً إلى تنويع مصادر دخلها بعيداً من الاعتماد شبه الكلي على صادرات المحروقات، إذ إن توفير منصة لعرض منتجاتها الصناعية والزراعية والابتكارية أمام قارة ضخمة تضم أكثر من مليار نسمة يساعدها على اقتناص فرص تصديرية مهمة، ويدعم قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر إتاحة الشراكات والتمويل وسلاسل القيمة الإقليمية.
وعلى الصعيد السياسي والإستراتيجي يعد تنظيم المعرض رسالة قوية من الجزائر بأنها ليست داعماً تاريخياً لنهج التكامل الأفريقي السياسي فحسب، بل نموذج عملي في البناء الاقتصادي المشترك، ويوضح المقراني أنها مبادرة تجسد خطها العابر للاستعمار والداعم لوحدة القارة والاقتصاد المستقل، وأبرز أن أفريقيا تستفيد من هذه الاستضافة من عدة أمور ملموسة، فهي تتيح فرصة فريدة لتجسيد الاتفاق القاري للتبادل الحر “زليكاف” الذي يشجع التصنيع، ويسهل حركة السلع، ويبسط الإجراءات الجمركية، ويوفر المعلومات والبيانات للسوق الأفريقية.



