عربي

الاقتصاد البلجيكي أمام عواصف الاستثمار الأجنبي المتراجع والتضخم المستفحل والأجور المرتفعة

في عام 2019 كان الاقتصاد البلجيكي يحتل المركز الـ27 في تصنيف التنافسية العالمية، لكن في غضون ثلاثة أعوام قفزت بلجيكا 14 درجة في التصنيف لتحتل هذا العام المرتبة الـ13 عالميا. وبينما ذهبت المراكز الثلاثة الأولى من بين 64 اقتصادا تم قياس قدرتها التنافسية العالمية لكل من الدنمارك وأيرلندا وسويسرا، فإن بلجيكا تقدمت أيضا في جميع المؤشرات بما في ذلك الاقتصاد والإدارة العامة والبنية التحتية.
من المؤكد أن تلك أنباء طيبة للاقتصاد البلجيكي وقدرته على مواجهة التحديات، إلا أن الاعتماد عليها فقط للكشف عن مسار الاقتصاد البلجيكي المستقبلي لربما تكون خادعة بعض الشيء. فعلى الرغم من أن النمو الاقتصادي بلغ 3.2 في المائة العام الماضي، فإن التطورات الاقتصادية كانت ضعيفة إلى حد ما في نهاية العام.
وعلى الرغم من انتعاش الاقتصاد في بدايات العام الجاري، إلا أن السياق العالمي للتضخم وعدم اليقين الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب الروسية – الأوكرانية، تجعل النمو المتوقع للاقتصاد البلجيكي يقف عند حدود 1.2 في المائة هذا العام بينما لن يتجاوز 1.4 في المائة العام المقبل.
يرجع الباحث في الاقتصاد الأوروبي فيليب مونز التراجع المتوقع في معدل النمو للاقتصاد البلجيكي هذا العام والعام المقبل إلى استمرار الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب الزيادة في الأجور وتشديد الظروف المالية التي أثرت سلبا في الأعمال التجارية، ما يعوق من وجهة نظره نسبيا قدرة الاقتصاد البلجيكي على تنفيذ خطة التعافي وتعزيز قدرته على الصمود أمام عواصف الاقتصاد العالمي.
ويقول لـ”الاقتصادية”، إن “الاقتصاد البلجيكي يعتمد في جزء كبير منه على التجارة الدولية، ومن المتوقع أن تؤثر آفاق التجارة العالمية الخافتة في الواردات والصادرات البلجيكية هذا العام، وذلك بخلاف المساهمة الإيجابية العام الماضي، ومن المرجح أن تنخفض الصادرات هذا العام بسبب ارتفاع الأسعار ومن ثم تؤثر سلبا في النمو”.
يتمتع الاقتصاد البلجيكي بدورة أقل تقلبا من نظرائه في منطقة اليورو، مع هذا فهناك مصدران رئيسان للقلق يتصاعدان في بلجيكا، الأول يتعلق بإمكانية أن تفقد البلاد ما حققته في مجال التنافسية الدولية نتيجة ارتفاع الأجور بشكل أسرع مقارنة بالدول المجاورة، وقد انعكس ذلك بشكل سيئ في بعض الأحيان على القطاع الصناعي، فبينما نما التوظيف بنحو 0.8 في المائة خلال الفترة من مارس العام الماضي إلى مارس هذا العام، فإن القيمة المضافة للقطاع تراجعت بنحو 2.8 في المائة.
أما التحدي الآخر فيتعلق بعديد من فرص العمل التي تولد في القطاعات منخفضة الإنتاجية مثل الترفيه والقطاع العام بينما عدد أقل من الوظائف تتوافر في القطاعات مرتفعة الإنتاجية، بل نجد أن بعض القطاعات المهمة مثل القطاع المالي يتقلص عدد العاملين فيه، ولأن الإنتاجية المرتفعة عامل أساس في القدرة التنافسية لأي اقتصاد، فإن تلك التوجهات في مجال التوظيف تضعف قدرة الاقتصاد البلجيكي على التصدير وعلى الحفاظ على حصته في السوق الأوروبية والعالمية.
مع هذا يرى الخبير الاستثماري أندرو مارت أن ميزانية بلجيكا كانت تخرج عن المسار حتى قبل تفشي وباء كورونا، وأن الأوضاع الاقتصادية التي تلت الجائحة وتحديدا الحرب الروسية – الأوكرانية رفعت أسعار الطاقة وأجبرت الحكومة على التدخل لحماية المستهلكين، ونجم عن ذلك دفع الأوضاع الاقتصادية في بلجيكا إلى مناطق أكثر خطورة، إذ بات على الحكومة الموازنة بين أسعار الطاقة التي تقدم للمستهلكين التي يجب دعمها حكوميا، وعبء الدين الوطني المتفاقم وتأثير ذلك في الميزانية.
ويقول لـ”الاقتصادية”، إن “قنبلة الديون باتت خطرا على الاقتصاد البلجيكي فالبلاد تتحمل سادس أكبر عبء ديون في الاتحاد الأوروبي بنحو 108 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية فستتحمل بلجيكا عبء ديون بنسبة 116 في المائة بحلول عام 2027 وهذا أمر مثير للقلق نظرا إلى ارتفاع أسعار الفائدة، وعلى الرغم من أن قواعد الإنفاق الأوروبية المعروفة باسم ميثاق الاستقرار والنمو تحدد عجز الميزانية السنوية بنسبة 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الإنفاق السنوي في الميزانية البلجيكية يبلغ 6.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وبمجرد أن يصل الدين العام البلجيكي إلى 120 في المائة فإننا سنشاهد تأثيرا سلبيا للغاية لكرة الثلج تلك في الأسواق المالية”.
يعتقد البعض أن أحد التحديات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد البلجيكي أن لديه نظاما للزيادات الإلزامية في الأجور يرتبط بالارتفاع في أسعار المستهلك، هذا الوضع يجعل أصحاب الأعمال في حالة من الذعر نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة ومن ثم يجب ترجمة ذلك إلى زيادة كبيرة في الأجور، وبالفعل زادت الأجور بنحو 10 في المائة في بداية العام، هذا الوضع يجعل قضية التضخم في بلجيكا قضية أكثر أرقا للاقتصاديين ورجال الأعمال مقارنة بكثير من الدول الأوروبية الأخرى.
تقول لـ”الاقتصادية”، الدكتورة لورين سميث أستاذة الاقتصاد الأوروبي في جامعة لندن “تعامل الاقتصاد البلجيكي بشكل جيد مع صدمة التضخم في عام 2022، لكن عام 2023 كان الوضع في أكثر صعوبة، وفي الأمد المتوسط لن يستطيع الاقتصاد البلجيكي تجاهل الانعكاسات السلبية للتضخم على قدرة البلاد التنافسية والمالية العامة”.
وتضيف “في جانب العرض لم تتطور جميع القطاعات الاقتصادية بشكل إيجابي، وارتبط النمو أساسا بقطاع الخدمات خاصة تجارة التجزئة التي استفادت من الإنهاء الكامل لقيود كوفيد، بينما في جانب الطلب أظهر الاستهلاك الأسري مرونة ملحوظة، ويرتبط ذلك بنجاح سوق العمل في تحقيق أحد أفضل مستويات الأداء في العقود الأخيرة، والعام الماضي أوجدت بلجيكا 100 ألف فرصة عمل، وهو أمر استثنائي للاقتصاد الوطني، وعلى الرغم من أن عقود العمل لم تكن بدوام كامل إلا أن عدد ساعات العمل زاد، وزادت المداخيل المالية المتاحة للأسر، وارتفع إنفاقها بـ25 مليار يورو، ولذلك رغم ارتفاع الأسعار لم تخفض الأسر البلجيكية ادخارها، وزادت من الحجم الإجمالي للاستهلاك”.
تلك الأوضاع الاقتصادية المختلطة التي تمر بها بلجيكا كانت لها انعكاسات ملحوظة على جاذبية الاقتصاد البلجيكي للاستثمارات الأجنبية، فقد حقق الاستثمار الأجنبي المباشر في بلجيكا مجموعة مختلطة أيضا من النتائج نتيجة السياق الاقتصادي العالمي الذي يعاني الحرب الدائرة في أوكرانيا والتطورات الجارية في سوق الطاقة العالمية، وعدم عودة سلاسل الإمداد العالمية إلى سلاستها المعهودة بعد.
تبرز النتائج المختلطة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد البلجيكي بشكل واضح في أنه رغم تراجع عدد المشاريع الأجنبية المسجلة من 245 مشروعا عام 2021 إلى 234 مشروعا فقط العام الماضي بانخفاض يقدر بـ4 في المائة، إلا انها أوجدت مزيدا من فرص العمل بزيادة تقدر بـ16 في المائة في عام 2022 مقارنة بعام 2021، وإذ تبدو تلك الأخبار جيدة للاقتصاد البلجيكي إلا أن بروكسل لم تفلح في مواكبة المتوسط الأوروبي لمعدل التوظيف لكل مشروع أجنبي، إذ كل مشروع للاستثمار الأجنبي في بلجيكا يوجد نحو 38 فرصة عمل، بينما على المستوى الأوروبي يوجد 82 فرصة عمل.
الخبير الاستثماري أندرو مارت يلقي الضوء على هذا الوضع، بالقول “يلاحظ أن مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر نمت في عديد من بلدان جنوب وشرق أوروبا جزئيا على الأقل بينما تراجعت في بلجيكا وألمانيا وهولندا وسويسرا والمملكة المتحدة العام الماضي ولا تتوافر بيانات بعد عن العام الجاري، ويعود ذلك إلى الجهود الأوروبية لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية والميل نحو المواقع الأوروبية التنافسية من حيث تكلفة التصنيع، وقد تراجعت بلجيكا من المركز الثالث أوروبيا في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المركز السادس وحاليا التاسع، بينما تهيمن فرنسا على التصنيف الأوروبي”.
ويضيف لـ”الاقتصادية” “ثماني دول استحوذت على 70 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر في بلجيكا وهم الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في بلجيكا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وهولندا والصين واليابان والدنمارك، وقد استحوذت خمسة قطاعات على 59 في المائة من المشاريع و62 في المائة من الوظائف وأبرز تلك القطاعات النقل والخدمات اللوجستية خدمات الأعمال والخدمات المهنية ثم خدمات البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات”.
صدمات متعددة أثرت في الاقتصاد البلجيكي، ومن ثم فإن المرور بفترة اقتصادية مضطربة أمر حتمي، كما أن الصدمات والإجراءات المتخذة لمواجهة تلك الأوضاع ستترك بصماتها على الاقتصاد الكلي، وهذا يعني أن إرث الأزمات المتعددة التي حدثت في الأعوام الأخيرة سيظل محسوسا.
ومن المرجح أن تشكل المالية العامة عبئا على الاقتصاد عاجلا أم آجلا، ويعني هذا أن التدابير التصحيحية التي ستشمل زيادة الضرائب وخفض الإنفاق وإصلاح سوق العمل ونظام التقاعد باتت ضرورية. وإذا كان تباطؤ الاستثمارات الأجنبية المباشرة في التدفق على بلجيكا دليلا على مراقبة رؤوس الأموال الدولية لمدى جدية بروكسل في اتخاذ إجراءات علاجية مهما كانت مؤلمة لإنعاش اقتصادها، فإن عودة رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة مجددا إلى التدفق على الاقتصاد البلجيكي ستكون الدليل الملموس على الاعتراف الدولي بأن الإصلاحات الاقتصادية قد آتت أكلها.


Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى