عالمي

الاستثمار في مكافحة الفقر يخرج النمو العالمي من كبوته

على رغم التقدم التكنولوجي الهائل، لا يزال الفقر يشكل إحدى أكثر الأزمات تعقيداً التي تعصف بالنظام العالمي.

فبحسب بيانات مجموعة البنك الدولي، يعيش أكثر من700 مليون شخص حول العالم تحت خط الفقر المدقع (أقل من2.15 دولار في اليوم)، غير أن هذا الرقم لا يعكس سوى رأس جبل الجليد، حيث يعاني مئات الملايين من الأفراد أشكال “الفقر المتعدد الأبعاد” الذي يجمع ما بين ضعف الدخل، وانعدام فرص التعليم، وسوء الرعاية الصحية والسكن الرديء.

لكن ما الذي يعنيه هذا الفقر المزمن بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، الذي حدد “صندوق النقد الدولي” نسبة نموه للعام 2024 وعام 2025 بـ3.2 في المئة؟ للإجابة، لا بد من تحليل الجغرافيا الاقتصادية للفقر، وبنيته العميقة.

جغرافيا غير متكافئة

تصنف المؤسسات المالية الدول وفقاً لمتوسط دخل الفرد، وتعتبر الدول “منخفضة الدخل” تلك التي يقل ما يجنيه الفرد فيها عن1,135 دولاراً سنوياً

ويتركز معظمها في القارة الأفريقية، حيث يعيش أكثر من 60 في المئة من سكان “أفريقيا جنوب الصحراء” في فقر مدقع.

في بوروندي مثلاً، يعد نحو 70 في المئة من السكان تحت خط الفقر، بينما تعاني دول مثل النيجر وتشاد والصومال مستويات مماثلة مرتبطة بانعدام الاستقرار السياسي، وضعف البنى التحتية، والاعتماد المفرط على الزراعة التقليدية.

أما الدول ذات “الدخل المتوسط المنخفض” التي يتراوح دخل الفرد فيها ما بين 1136 و4465 دولاراً، فتشمل بلداناً ذات ثقل سكاني واقتصادي مثل الهند ونيجيريا ومصر، وتشهد تفاوتاً داخلياً صارخاً بين نخب ثرية وشرائح واسعة تعيش تحت وطأة العوز.

الدكتور المحلل في الاقتصاد بشارة حنا يلفت هنا إلى إن “البنك الدولي” يعتمد في تصنيف درجة فقر الأفراد على دخل الفرد وحسب، “غير أن اتباع طريقة مختلفة في تصنيف الدول الفقيرة يؤدي دوراً أكثر فاعلية في تقدير الفقر في العالم”.

ويضيف قائلاً “قمنا بإدخال نموذج اقتصادي إجمالي لتقدير عدد الدول الفقيرة ومن ثم عدد الفقراء فيها، وعملنا على احتساب نسبة الصناعة والزراعة في الناتج الوطني لكل دولة، إضافة إلى إدخال نسبة الخدمات في هذا الناتج، فتبين لنا أن عدد الدول الفقيرة كان ما بين 27 و33، خلال الفترة الممتدة من عام 1970 إلى عام 2023، مما أدى إلى وجود نحو 1.58 مليار فقير جداً في العالم.

وفيما نجد أن تصنيف بعض البلدان بمستوى الفقر المدقع كما هي الحال في نيجيريا، يتبين أن هذه الدولة تحل في المركز الـ12 عالمياً من حيث احتياط النفط والغاز وموجودات الذهب والعملات في بنكها المركزي، وقد أضفنا إلى ذلك أيضاً الناتج الوطني، مما أظهر بوضوح سوء إدارة الموارد الطبيعية في هذه الدولة، وعدم التصنيف الصحيح الذي يعتمده “البنك الدولي” والذي يرتكز على الدخل وحسب”.

وأشار حنا إلى أن “دول الخليج العربية في المقابل، تأتي في المركز الأول عالمياً تبعاً للتصنيف أعلاه، فيما لا يبلغ مجموع الناتج الوطني لهذه الدول أكثر من 3.2 من الناتج الوطني العالمي”.

من ناحية أخرى، تعتمد معظم الدول الفقيرة على الزراعة كمصدر رئيس للدخل، بحيث يسهم هذا القطاع فيها بنسبة 20 إلى 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، كما في تشاد، إذ يشكل القطاع نصف الناتج ويشغل أكثر من 80 في المئة من اليد العاملة.

لكن الزراعة هناك غالباً ما تكون تقليدية وعاجزة عن مواكبة التقلبات المناخية أو أسعار السوق العالمية، مما يجعل الاقتصادات المعتمدة عليها عرضة للركود والانكماش المفاجئ.

الفقر كابح للنمو العالمي

لا يؤثر الفقر وحسب في الأفراد داخل الحدود الوطنية، بل يمتد إلى النظام الاقتصادي العالمي من خلال قنوات ثلاث رئيسة، أولاً هدر رأس المال البشري، إذ يعد سوء التغذية في الطفولة، وغياب التعليم الجيد، من أبرز الأسباب التي تعوق التنمية طويلة المدى.

ووفقاً لتقرير “منظمة الصحة العالمية” للعام 2023، تخسر الدول الفقيرة ما بين 8 و10 في المئة من ناتجها المحلي سنوياً بسبب تدني مستويات الصحة والتعليم.

الأمر الثاني يتعلق بضعف القوة الشرائية، التي تتسبب محدودية دخل الفقراء في تراجع الطلب المحلي على السلع والخدمات، مما يضعف قدرة الأسواق على التوسع، ويحد من الاستثمارات الخاصة.

ويشير “تقرير التنمية البشرية” إلى أن أكثر من 60 في المئة من سكان الدول منخفضة الدخل لا يمكنهم تلبية حاجاتهم الأساسية، ما يفضي إلى حلقة مفرغة من الركود وانعدام النمو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الأمر الثالث يتعلق بالفساد المؤسسي وتآكل الثقة، ففي كثير من الدول الفقيرة، تنتشر ممارسات الفساد والبيروقراطية المعطلة، ما يسهم في تآكل الثقة في المؤسسات وهدر الموارد العامة، وينعكس ذلك سلباً على فاعلية السياسات التنموية، ويثني المانحين والمستثمرين الدوليين عن ضخ الأموال.

وعن العلاقة بين الفقر والنمو، يقول الدكتور حنا إن “عدد الفقراء في العالم يقدر بما بين 2.5 مليار نسمة و2.7 مليار، بحيث يتراجع إنفاق الأسر التي ينتمي إليها هؤلاء إلى ما دون 6 دولارات يومياً، مما يحد من نمو الناتج العالمي، الذي تراجع إلى حدود ثلاثة في المئة وسطياً خلال الأعوام الـ30 الماضية”.

ويتابع “غير أن زيادة الاستثمار في الدول الفقيرة من شأنها أن تحسن الأوضاع المعيشية للأسر فيها، وتنشط الاستهلاك إلى ما يربو عن 10 دولارات يومياً، مما ينعكس زيادة سنوية في الناتج العالمي تتجاوز اثنين في المئة سنوياً، وهذا كفيل برفع نمو الناتج العالمي إلى أكثر من خمسة في المئة”.

الأزمات الجيوسياسية

فاقمت الأزمات الجيوسياسية من هشاشة الدول الفقيرة، فالحرب في أوكرانيا عطلت سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما صادرات القمح، مما أثر مباشرة في دول تعتمد على الاستيراد مثل مصر ولبنان، أيضاً الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط تسببت برفع أسعار الطاقة والغذاء، مما أدى إلى موجات تضخم استنزفت احتياطات العملات الأجنبية لدى الاقتصادات الناشئة.

وفقاً لـ”برنامج الأغذية العالمي”، ارتفعت كلفة سلال الغذاء الأساسية بنسبة أكثر من 40 في المئة في بعض الدول الأفريقية منذ عام 2022.

من التحدي إلى الفرصة

لا يمكن اجتثاث الفقر المزمن من دون استثمار إستراتيجي طويل الأمد في رأس المال البشري، وفي هذا الإطار توصي “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” بزيادة الإنفاق على التعليم والصحة، لا سيما في المناطق الريفية والمهمشة.

وتؤكد التجارب الدولية أن كل دولار يستثمر في تعليم الفتيات يمكن أن يحقق عائداً اقتصادياً يصل إلى سبعة أضعاف في المدى الطويل، وأن تعزيز قدرات صغار المزارعين من خلال التقنيات الحديثة والتمويل الميسر يمكن أن يزيد الإنتاج الزراعي بنسبة 30 في المئة في بعض المناطق.

وفي هذا الإطار يرى الدكتور بشارة حنا أنه “تبعاً لمصادر عدة، يقدر أن استثمار مليار دولار يوجد ما بين 10 آلاف و15 ألف فرصة عمل تبعاً لقطاع الاستثمار، وهذا ما يسهم في تراجع البطالة في الدول الفقيرة عند الاستثمار فيها، غير أن هيمنة الدول الغنية على المقدرات الطبيعية والبشرية في تلك البلدان تشكل عائقاً كبيراً لنمو الاستثمار في الدول غير المستقرة، التي تمتلك مقدرات بشرية وطبيعية.

ويبلغ عدد الدول غير المستقرة في العالم نحو 22 دولة يتركز معظمها في الشرق الأوسط وأفريقيا، مما يشكل عائقاً كبيراً للنمو الاقتصادي العالمي.

يبقى القول إن معركة مكافحة الفقر ليست فقط واجباً أخلاقياً، بل استثماراً ذكياً في استدامة الاقتصاد العالمي. فالدول التي تنجح في خفض معدلات الفقر لديها تتحول تدرجاً إلى أسواق ناشئة وجاذبة للاستثمارات، ما ينعكس على الاستقرار الاقتصادي العالمي بأسره، لكن ذلك يتطلب تغييراً في النموذج الدولي للتنمية، بحيث يبنى على الشراكة، ونقل التكنولوجيا، وتمويل الابتكار الاجتماعي، وليس على المساعدات المشروطة وحسب، مع العلم أن هجرة الكفاءات العلمية من الدول الفقيرة تكبح نمو الناتج الوطني فيها.




Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى